موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

يا أهلَ المغربِ ألا تَتَّقُونَ اللهَ في أَسْرَاكُم؟!

0 859

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله وحده، والصلاةُ والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          تأتي التقارير تَتَرَى .. تقرير تلو تقرير .. تحكي المعاناة ـ التي لا يُمكن أن يتصورها آدمي ـ التي يعيشها الأسرى الإسلاميون في سجون المغرب العربي بعامَّة .. وسجن ” الزكي ” بسلا ـ والملقب بغوانتنامو سلا ـ بخاصة .. والمتخصص بالأسرى الإسلاميين ودعاتهم .. الذين لا ذنب لهم سوى أنهم يقولون ربنا الله!

          تحكي ظلماً وطغياناً .. وإجراماً .. واعتداءً على الأنفس والأعراض والحرمات .. بالاغتصاب .. وأمورٍ يندى الجبين لذكرها .. لم تعرفها سجون محاكم التفتيش .. ولا سجون التتر الهمجية الوحشية .. من قبل .. ولا سجن غوانتنامو ولا أبو غريب في هذا العصر .. مستغلين التواطؤ الدولي على كل ما هو إسلامي .. والإعلام المجيّر الذي يحمي هذا التواطؤ ويغض الطرف عنه .. ولما لا مادامت ضحاياه من المسلمين؟! 
          تحكي الفجور في الكفر .. والسبَّ الصريح للذات الإلهية والدين .. والتفنن في الاعتداء على كتاب الله U بشتى أنواع الاعتداء والاستخفاف والتهكم .. الذي يمارسه الجلادون الظالمون .. وعلى مرأى ومسمع من الجميع!
          وكأن هذا البلد المسمى بـ ” المغرب العربي ” ليس فيه شيء يمت إلى مبادئ وقيم الإسلام بصلة .. أو الإنسانية .. أو حتى إلى شيء من معاني الرقي والتحضر المعترف عليها بين البشر والشعوب .. وإلا كيف نفهم ونفسر هذا الذي يحصل في هذا البلد المسكين المنكوب .. لهؤلاء الأسرى ـ وهم يتجاوزون المئات إن لم يكونوا بالآلاف ـ الذين تعج بهم سجون المغرب .. على مرأى ومسمع من المسؤولين والخاصة .. قبل العامة من الناس .. ثم لا أحد ينكر ولا يعترض .. ولا يسأل .. ولا يهتم .. وكأن هؤلاء المعتقلين الأسرى ليسوا آدميين من بني البشر .. يحسّون ويشعرون .. لهم ولأطفالهم من الحقوق ما لغيرهم من البشر .. أو حتى الحيوانات!!
          ألا تتقون الله يا أهل المغرب .. بأبنائكم وإخوانكم وآبائكم .. ومشايخكم .. وعلمائكم الأسرى .. وبناتكم الأسيرات .. أليسوا هم من أصلابكم .. وأنتم منهم وهم منكم .. لهم عليكم حق؟!
          ألهذا الحد بلغ بكم الخوف والجبن .. من أن تقولوا للظالم يا ظالم .. اتَّقِ الله في أبنائنا .. وبناتنا .. والله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين؟!
          ألهذا الحد بلغ هوان إخوانكم .. وأبنائكم عليكم ..؟!
          ألهذا الحد شغلتكم أنفسُكم .. ودنياكم .. عن نصرة إخوانكم وأبنائكم المظلومين ..؟!
          لو كان في سجونكم أجنبي .. أمريكي أو أوروبي .. أهكذا تتعاملون معه كما تتعاملون مع أبنائكم وإخوانكم الأسرى .. الذين هم من أصلابكم .. أم أنَّ أبناءكم وإخوانكم هؤلاء ليس لهم من الحقوق ما لذاك الأجنبي؟!
          لا باركَ الله بأحزابكم التي تدعي الانتماء للإسلام .. ولمبادئ الإسلام .. التي تقلق وتناضل .. وتتظاهر من أجل رغيف خبز المواطن .. ثم هي تتواطأ ـ ولو بالسكوت .. مع الظالمين المجرمين  ـ على قتل المواطن .. ووأد كرامته وحقوقه .. عشرات المرات وهو حي .. قبل أن تقتله القِتلة الأخيرة التي بها يُفارق الحياة!
          أي حقوق تزعمون أنكم ستدافعون عنها .. وأبناؤكم وإخوانكم .. من أبناء جلدتكم .. يُسامون الظلم كله في سجون الطواغيت الظالمين .. في سجن ” سلا ” وغيره من السجون المغربية .. ثم أنتم لا تحركون ساكناً .. وكأن الأمر عادي أو لم يكن .. ولا يعنيكم في شيء؟!!
          أي برامج تزعمون أنكم ستدافعون عنها .. والإنسان .. ودينه .. وعِرضه .. وكرامته .. وحريته .. خارج برامجكم واهتماماتكم كلها!
          أمريكا ومعها دول الغرب كلها .. أوقفوا علاقاتهم .. ومعاملاتهم .. وتجارتهم .. ومصالحهم كلها مع النظام الليبي من أجل خمس أسيرات فقط ينتمين إلى إحدى الدول الأوروبية .. وأنتم ماذا فعلتم .. لأبنائكم وإخوانكم الأسرى ـ الذين يتجاوزون المئات وربما الآلاف ـ وماذا تُحسنون فعله .. غير الركوع عن بُعد[[1]] .. والتذلل والتزلف .. للطواغيت الظالمين!!
يا من تزعمون حبكم لمحمد r .. وتعتكفون في المساجد والزوايا لتصلون عليه .. انظروا ماذا يقول لكم محمد r:” المؤمنُ من أهلِ الإيمان بمنزلةِ الرأسِ من الجسد، يألَمُ المؤمنُ لما يُصيبُ أهلَ الإيمان، كما يألَمُ الرأسُ لما يصيبُ الجسدَ “[[2]]. فهل أنتم كذلك ..؟!
وقال r:”ترى المؤمنين في تراحُمِهم وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى عضواً تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى ” متفق عليه. فهل أنتم كذلك ..؟!
وقال r:” المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إذا اشتكى رأسَهُ اشتكى كلُّه، وإن اشتكى عينَهُ اشتكى كلُّه ” مسلم. فهل أنتم كذلك ..؟!
وقال r:” مَنْ نصَرَ أخاهُ بالغيبِ نصَرَهُ اللهُ في الدنيا والآخرة “[[3]].
وقال r:” ما من امرئٍ يَخذُلُ امرءاً مسلماً في موطنٍ يُنتقصُ فيه عِرضهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمَتِه، إلا خذَلَه اللهُ تعالى في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرَتَهُ، وما مِن أحدٍ ينصرُ مُسلماً في موطنٍ يُنتقَصُ فيه
من عِرضهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتِه، إلا نصرَهُ اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرتَهُ “[[4]].
وقال r:” المسلمُ أخو المسلمِ لا يَظلِمهُ ولا يُسْلِمه ـ أي لا يُسلمه للظلم والقهر ـ، ومن كان في حاجةِ أخيه، كان اللهُ في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍٍ كُربةً فرَّجَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامة ” متفق عليه.
هذا هو قول نبيكم .. وهذه هي توجيهاته .. وأوامره ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ولتُسألُنَّ عنها .. فانظروا أين أنتم منها .. ثم بعد ذلك حدثونا عن حبكم للنبي r إن كنتم صادقين!
وإلى المنظمات الإنسانية الدولية .. التي تُعنى بحقوق الإنسان .. تتضايقون عندما نرميكم بأنكم انتقائيون .. وطائفيون .. وصليبيون .. في أعمالكم ونشاطاتكم .. واهتماماتكم .. وأنكم  مُجيَّرون .. وطرف مع الجلادين الظالمين عندما تكون الضحية من المسلمين .. وإلا فسِّروا لنا، كيف نوفق بين ضجيجكم .. وصخبكم .. واهتمامكم البالغ .. الذي تقوم له الدنيا ولا تقعد .. عندما يُعتقل أو يُعتدَى على نصراني أو يهودي واحد بحق كان أو غير حق ـ وما أكثر الأمثلة الدالة على ذلك لو أردنا الاستدلال ـ بل عندما يُساء إلى حيوان .. أو دابة من دواب الأرض .. نراكم تعترضون وتستنكرون .. وتملئون الدنيا بيانات استنكار وتنديد انتصاراً لهذا الحيوان أو الدابة .. بينما في المقابل عندما يكون المعتدى عليهم .. وعلى حقوقهم وحرماتهم .. وحرياتهم .. من المسلمين .. ولو كانوا بالآلاف .. تصمتون صمت أهل القبور .. وتُعمون أبصاركم عما يحصل لهم .. وكأن الأمر لا يعنيكم في شيء .. وحقوقهم ليست من اختصاصكم؟!
 كيف نوفق بين هذا وذلك .. فسروا لنا هذه الظاهرة .. إن كنتم قادرين .. ولا أظنكم بقادرين؟!
إذا جاء العنف من قبل الشباب المظلوم ـ الذي يكون في كثير من الأحيان له أسبابه ودوافعه المعتبرة ـ يشكون ويضجون .. وتتحرك جميع وسائل إعلامهم .. والأبواق المأجورة .. وعلماء البلاط الملكي .. لتندد وتجرّم الشباب .. وترميهم بالإرهاب والإجرام وكل وصف مُشين .. بينما إذا جاء العنف .. بل والإرهاب والإجرام المنظَّم .. والظلم المغلّظ .. من قبل النظام ومؤسساته .. وسجَّانيه وجلاَّديه الظالمين .. فالأمر جائز .. وفيه نظر .. يحتمل التأويل .. ينبغي أن نتفهَّمَه ونحسن تفسيره .. ونتفهم دوافعه، ونحسن الظنَّ بالمجرمين الجلادين الذين يسهرون على الحفاظ على الأمن والنظام .. كما يزعمون!!
يا أيها الناس .. هذا الشاب الذي يُعتقل لسنواتٍ طوال .. لا لذنب اقترفه .. يستدعي اعتقاله .. فضلاً عن أن يُعتقل تلك السنوات العجاف ظلماً وعدواناً .. ثم هو ـ خلال فترة الاعتقال ـ يتعرض للاغتصاب .. ولفنون من التعذيب والتنكيل والإذلال .. والقهر .. والقتل البطيء .. لا تلوموه لو تحول بعد ذلك إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت من الأوقات .. أو فكَّر بالانتقام والانتصار لنفسه وعِرضه وكرامته .. ودينه .. وحريته .. لا تلوموه لو فعل شيئاً من ذلك .. وإنما الملامة كل الملامة ـ لو كنتم تعلمون ـ  تكون حينئذٍ على هؤلاء الجلادين المجرمين الذين صنعوا منه هذه القنبلة الموقوتة .. وحملوه على أن يتصرف بهذه الطريقة أو تلك .. وما أقل من يشير إليهم!
في كل مرةٍ ـ وللأسف ـ ينجو المجرم الحقيقي .. ويُؤخَذ البريء بجريرة المجرم .. فإلى متى سيستمر هذا الظلم، وهذا التواطؤ على الظلم؟!

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي ”
8/10/1428 هـ. 20/10/2007 م.
   

 


[1] لأن الركوع للطاغوت عن قُربٍ شرفٌ عظيم لا ينالونه .. ولا يحظى به إلا المقربون!
[2] رواه أحمد، صحيح الجامع: 6659.
[3] رواه البيهقي في الشعب، وغيره، السلسلة الصحيحة: 1217.
[4] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع:5690.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.