موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

كُرَةُ القدَمِ .. وكَأسُ العالَم

0 348

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          لا اعتراض على كرة القدم واللعب بها كوسيلة رياضية للترفيه .. وبناء الجسد بناءً رياضياً سليماً .. فالاهتمام بقوة الجسد .. وسلامة بنيانه .. والحفاظ عليه قوياً وبعيداً ما أمكن عن الضعف، والعجز والمرض .. هو من جملة اهتمامات الإسلام .. ومن جملة ما أمر الإسلام بالحفاظ عليه؛ فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.

          لكن أن تتحول الكرة إلى دِين ومألوه ومعبود للشعوب من دون الله .. ومشغلة لهم عن فروض الأعيان .. والمهام العظام .. فهذا أمر لا يُقبل .. وهو مرفوض شرعاً وعقلاً!
          عندما يُعقَد الولاء والبراء في الكرة .. ومن أجل الكرة .. فهذا مع الفريق الفلاني .. وذاك ضد الفريق العلاني .. ويستحكم العداء والبغضاء بين المؤيد والمعارض إلى درجة التنابز والتقاتل وسفك الدماء، والاعتداء على الممتلكات المصانة .. فهذا أمر لا يُقبل .. وهو مرفوض شرعاً وعقلاً!  
          عندما تتحول الشعوب إلى درجة الهوس والجنون بالكرة .. وبلاعبي الكرة .. حينئذٍ توجد مشكلة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها!
عندما تبكي الشعوب لخسران فريق من الفرقاء .. وكأنها قد أصيبت في عزيز أو مقتل .. بينما لا تبكي ولا يذرف شيء من تلك الدموع .. عندما تفقد الأمة البلاد .. ويُعتدى على حرماتها .. وأمنها .. ودينها .. وأبنائها .. عندما يصل الحال إلى هذا الموصل .. فحينئذٍ توجد مشكلة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها!
          الغزاة المعتدون ـ كما في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، والشيشان وغيرها من البلدان ـ يهدمون البيوت ـ بقنابلهم وصواريخهم وطائراتهم ـ على من فيها من الآمنين .. ويقتلون الأطفال والنساء شرَّ قتلة .. ومع ذلك لم نجد شيئاً من تلك الدموع التي تذرف على خسران فريق من فرقاء كرة القدم .. عندما يصل الحال إلى هذا الموصل .. فحينئذٍ توجد مشكلة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها!
          عندما تطرب الشعوب فرحاً وسكراً .. لفوز فريق من فرقاء كرة القدم .. بينما هذه الشعوب نفسها .. تعيش الفقر .. والمرض .. والجهل .. والظلم .. والحرمان من الحد الأدنى مما يتناسب مع كرامة وحاجيات الإنسان .. حينئذٍ توجد مشكلة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها!
          عندما يكون مُلتقى الفرقاء ـ في المونديال ـ للتنافس على كأس العالم .. فرصة لترويج الفسوق والفجور .. والعري .. وتجارة البغاء والزنى .. ونشر الأمراض الفتَّاكة .. فحينئذٍ توجد مشكلة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها أو إقرارها[[1]]!
          عندما تتحول كرة القدم .. إلى فرصة للكسب الحرام .. واللعب بالميسر والقمار .. بين المتنافسين ومشجعي الفرقاء .. فحينئذٍ توجد مشكلة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها، أو إقرارها!
          عندما تنحسر معاني البطولة والرجولة في لاعبي كرة القدم .. ويُصبح اللاعب ـ على علاته ـ الرمز والقدوة، والمثل الأعلى لكثير من الشباب .. تُسلط عليه الأضواء، وتُسخَّر له كل كلمات الإطراء والمديح .. فهذه مؤامرة على معاني البطولة والرجولة .. وعلى التاريخ وأبطال وعظماء التاريخ!
          عندما تُصبح الكرة غاية وليست وسيلة .. يُنفَق في سبيلها المليارات من الدولارات .. وكل غالٍ ونفيس .. بينما الشعوب تتضور جوعاً .. وتموت فقراً .. فحينئذٍ توجد مشكلة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها، أو إقرارها!
عندما تصل الكرة .. واللعب بالكرة .. إلى هذا الموصل الآنف الذكر .. فحينئذٍ تتحول الكرة .. والاهتمام بها .. والتنافس عليها .. إلى مؤامرة صريحة ضد الشعوب كل الشعوب!
لكن كيف وصلت الأمور إلى هذا الموصل .. ومن هم وراء كل ذلك .. ومن المستفيد من ذلك، ومن هو الخاسر .. وما هي الغاية .. هذا ما سنجيب عنه في مقالنا هذا إن شاء الله.
أما كيف وصلت الأمور إلى هذا الموصل ..؟
أقول: هي الدعاية المكثفة والواسعة التي تبنتها جميع وسائل الإعلام .. والتي استهلكت من أموال الدول والشعوب مليارات الدولارات .. ومن ثَمَّ هذا التفنن ـ المحاط بالأضواء والألوان ـ في عرض هذه الدعاية .. هي التي أوصلت الأمور إلى هذا الموصل .. وهي التي جعلت كثيراً من الشعوب يعيشون الكرة وأحداثها ومبارياتها .. بكثير من الجنون .. والمجون .. والهوس .. والقلق!
أي شيء ـ مهما كان تافهاً ـ لو يحظى بقليل من الدعاية التي تحصل عليها كرة القدم .. يصبح هذا الشيء عظيماً وكبيراً وهاماً .. وأمره يعني اهتمامات كثير من الناس .. وهذا يعني أنَّ كرة القدم ليست ذاك الشيء الهام والكبير الذي يستحق اهتمامات الناس ومتابعاتهم .. وإنما الدعاية المكثفة والواسعة التي سُخِّرت لها هي التي صنعت لها تلك الهالة الكبيرة، وجعلت لها ذاك البعد الكبير في نفوس كثير من الناس!
أما من وراء ذلك، ومن هم المستفيدون منه ..؟
أقول: هم صنفان:
أولاً: آكلوا السُّحت .. الذين لا يهمهم من هذه التظاهرة الكروية الدولية .. سوى تحصيل المال .. وتحقيق الربح السريع .. مهما كانت النتائج أو الآثار .. وهم في عددهم فريق ضيق من الناس .. لا يهمنا كثيراً الإشارة إلى أعيانهم وأسمائهم، ومؤسساتهم!
ثانياً: طواغيت الحكم والجور .. وقوى الاستكبار والبغي في العالم .. لأنهم يرون في هذه المناسبات الكروية .. تخديراً للشعوب .. ومشغلة لها عن إجرامهم .. وظلمهم .. وفسادهم .. ومخططاتهم الظلامية!
كما يرون في هذه المناسبات الكروية مشغلة للشعوب عن الجد والمهم .. والأهم .. وعن المطالبة بحقوقهم الضائعة .. والسعي من أجل تحصيلها .. وعن محاسبتهم لحكامهم على تقصيرهم .. وظلمهم .. وفسادهم!
هذه المناسبات الكروية المريبة هي من جملة مكر الليل والنهار الذي عناه الله تعالى في قوله:) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سبأ:33.
هذه المناسبات الكروية الضخمة المريبة .. هي بمثابة إجازة مريحة لطواغيت الحكم والظلم .. يسترخون فيها .. ويفعلون فيها ما يحلو لهم .. لعلمهم بانشغال الشعوب عنهم .. وعن جرائمهم وظلمهم .. وغياب الرقيب من البشر عليهم!
تأملوا جيداً: في اليوم الذي تم فيه افتتاح ” المونديال ” في ألمانيا .. وكانت المليارات من الناس مشدودة للشاشة الصغيرة كي تتابع ذلك الافتتاح .. الخبر الأهم بالنسبة لها .. في هذا اليوم والوقت تحديداً .. قام الصهاينة اليهود بقصف المدنيين وقتل أطفالهم من الفلسطينيين وهم على شواطئ غزة .. حتى أنهم لم يُبقوا من عائلة واحدة تعداد أفرادها ثمانية .. سوى طفلة واحدة تصرخ .. وتستغيث .. وتنادي .. ولا حياة لمن تنادي .. لأن الجميع مشغول بالحدث الأكبر؛ بافتتاح ” مونديال ” كرة القدم …!
لذا لا غرابة أن نجد طواغيت الحكم ـ وبخاصة في بلاد العرب والمسلمين ـ يظهرون مزيداً من الاهتمام والرعاية لهذه التظاهرة الرياضية الدولية المريبة .. ويُسخِّرون إعلامهم وإذاعاتهم وقنواتهم المرئية لها .. بينما شعوبهم تتضور جوعاً .. وتعيش الحرمان .. والقهر .. والفقر .. والظلم .. والخوف .. والعدوان!
وفي الختام أود أن أصارح بني قومي، فأقول لهم: أعلم أنكم ترغبون بأن تُحاكوا الغرب .. وشُعوب الغرب .. في عاداتهم وسلوكياتهم .. حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه .. ولكن ينبغي أن تعلموا .. أن شعوب الغرب لو كانت تُعاني من شيء مما تُعانون منه .. أو كانت بلادهم مغتصبة .. وحقوقهم الشخصية ضائعة .. وحرماتهم منتهكة .. كما هو واقع المسلمين في بلادهم .. لما احتفوا بالكرة ولا بغيرها هذا الاحتفاء الذي نراه منهم الآن .. وإنما لصبت جميع جهودهم وطاقاتهم أولاً على التخلص مما نزل بهم من بلاء أو مصاب!
لو كانوا يُعانون بعض ما يُعاني منه المسلمون في بلادهم .. لما هنئ لهم عيش .. ولا لعب بكرة ولا بغيرها .. حتى يتحرروا مما نزل بهم من بلاء!
شعوب الغرب لا توجد عندهم مشكلة في معاشهم .. وأوطانهم .. وأرزاقهم .. وحياتهم اليومية .. ولا حتى مع الأنظمة التي تحكمهم .. لذا ترونهم يتمادون في اللهو .. واللعب .. والترف .. ويُبدعون فيه .. فلا يوجد شيء ـ بالنسبة لهم ـ يشغلهم عن ذلك .. بينما أنتم فأوطانكم مغتصبة .. وأعراضكم منتهكة .. ودينكم يُهان .. وحقوقكم ضائعة .. تعلوكم أنظمة كافرة فاسدة ظالمة خائنة لا تُراعي فيكم إلاًّ ولا ذِمَّة .. تعيشون الفقر .. والحرمان .. والذل .. والجهل .. والقهر .. والخوف .. فكيف يليق بكم أن تلهوا وتلعبوا كما يلهو ويلعب غيركم ممن لا يعيشون ظروفكم وواقعكم ومآسيكم؟!
هذا لا ينبغي .. ولا يجوز .. ولا يليق بشعوب تريد أن تعيش وتحيى عزيزة كريمة .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عبد المنعم مصطفى حليمة 
” أبو بصير الطرطوسي ” 
29/5/1427 هـ./ 25/6/2006م. 
 

 


 

 


[1]  ذكرت بعض وسائل الإعلام أن أربعمائة ألف بغي من بغايا ألمانيا فقط متفرغات لتقديم خدماتهن للزبائن ومشجعي الفرقاء في مونديال ألمانيا لهذا العام .. هذا العدد هو المرخص له .. أما الغير مرخص لهن .. ومن الجنسيات الأخرى .. فلا يعلم عددهن إلا الله!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.