موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

احذر الكِبر .. أو أن تكونَ من المتكبرين !

0 667

 

بسم الله الرحمن الرحيم
          إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له .
          وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً .
          وبعد، فإن الكبر داء خطير واسع الانتشار قلَّ من يسلم منه ومن شره .. بل وكثير ممن هم مصابون بالكبر قد لا يعلمون أنهم مصابون بهذا الداء الخبيث .. وكثير منهم يظن أو يفسر الكبر تفسيراً خاطئاً يحصرونه في حرص الإنسان على الملبس الجميل، والمركب الهنيء، والمطعم الطيب .. ومنهم من يحصر الكبر في أشخاص الحكام أو الطواغيت، أو في أشخاص الأغنياء المترفين دون غيرهم .. وربما يكون هو من المتكبرين وهو لا يدري .. وفريق آخر يتكلف التقشف والعيش الخشن، والتواضع للمساكين وهو في حقيقته إمام من أئمة الكبر والمتكبرين .. لذا نجد من الضرورة بمكان أن نتناول هذا الموضوع الهام ـ الواسع الأثر والانتشار ـ لنجيب فيه على بعض ما يتعلق بالكبر من مسائل وفروع وأحكام.

 

          ما هو الكبر وما هو معناه .. وما أثره على دين وأخلاق صاحبه .. ومتى يبلغ درجة الكفر ومتى يكون دون ذلك .. وهل الكبر يمكن أن يصيب الدعاة وطلاب العلم، والعاملين للإسلام .. وهل الكبر محصور في طبقة معينة من المترفين أم أنه يمكن أن يصيب جميع شرائح الناس من العوام والفقراء .. ثم كيف ومتى يكون الإنسان متكبراً ومتى يكون غير ذلك .. ؟؟
          هذه المسائل وغيرها سنجتهد ـ إن شاء الله ـ في أن نجيب عليها بشيء من التفصيل والتحقيق .. راجياً من الله تعالى العون، والسداد، والتوفيق .
          الكبر: هو رد الحق ودفعه، وعدم قبوله .. واحتقار الخلق والاستخفاف بهم، وازدراؤهم  والترفع عليهم، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يدخل الجنةَ من في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبرٍ . فقال رجل: إن الرجل يُحبُّ أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنةً ؟ فقال: إن الله جميلٌ يُحبُّ الجمال .. الكبر بطَرُ الحق وغمطُ الناس ” مسلم. وبطر الحق هو رده ودفعه، وغمط الناس احتقارهم والاستخفاف بهم .
          قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: التكبر هو رد الحق، واحتقار الخلق، وضد
ذلك التواضع، فقد أمر به وأثنى على أهله، وذكر ثوابه؛ فهو قبول الحق ممن قاله، وأن لا يحتقر الخلق، بل يرى فضلهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه ا- هـ .
          والحديث الآنف الذكر قد أخرج كون الرجل يحب أن يكون مظهره جميلاً نظيفاً حسناً .. من دائرة الكبر والمتكبرين .
          والكبر نوعان: منه ما يكون كفراً وسبباً إلى الكفر .. ومنه ما يكون دون ذلك ولكنه كبيرة من الكبائر .
          فالكبر الذي يكون كفراً وسبباً إلى الكفر هو الكبر الذي يحمل صاحبه على رد الحق أو الأمر الشرعي وعلى دفعه والإعراض عنه .. وعلى احتقار الخلق لدينهم وإسلامهم ..وعلى أنهم ليسوا على شيء !
          فمن وقع في هذا النوع من الكبر فقد وقع في الكفر البواح المخرج من الملة، وهو المعني من قوله تعالى:) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ( الزمر:59. وقوله تعالى:) أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ( البقرة:87. وقوله تعالى:) وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ( النساء:173. وقوله تعالى:) وقالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون . قال وما علمي بما كانوا يعملون . إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون . وما أنا بطارد المؤمنين ( الشعراء:111-114. فالذي حملهم على رد الدعوة وعدم الدخول في الدين الحق أنه يوجد من أتباع هذا الدين: الضعفاء والفقراء والمساكين الذين أطلقوا عليهم وصف الأراذل الذين لا يستحقون أن يكونوا من جلساء المستكبرين .. أو يجمع بينهما دين أو حتى مكان !! 
          والمستكبر كفره ككفر إبليس وفرعون اللذَين حملهما الكبر على الكفر ورد الحق .. وهو قرين لهما في الكفر والكبر والعناد كما قال تعالى:) إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (البقرة:34. وقال عن فرعون:) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق ( القصص:39. ومن صفات فرعون الطاغوتية استخفافه بالعباد كما قال تعالى عنه:) فاستخف قومه فأطاعوه ( الزخرف:54.
          وفي قوله صلى الله عليه وسلم :” لا يدخل الجنة من في قلبه مثقالُ حبة من خردلٍ من كبر ” قال ابن الأثير في النهاية: يعني كبر الكفر والشرك، كقوله تعالى:) إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ( . ألا ترى أنه قابله في نقيضه بالإيمان فقال:” لا يدخل النار من في قلبه مثل ذلك من الإيمان ” أراد دخول تأبيدٍ ا- هـ . 
          أما الكبر الذي هو دون الكفر ويكون كبيرة من الكبائر .. هو الكبر الذي يحمل صاحبه
على رد الحق في الأمور المعيشية الدنيوية التي لا علاقة لها مباشرة بالحق الشرعي من تحليل أو تحريم أو غير ذلك من الأحكام .. كما يحمله على احتقار الخلق لا لدينهم وإسلامهم وإنما لميزة يراها في نفسه دون الآخرين ..!!
          فهذا النوع من الكبر يدخل في معنى ومسمى الكبر، وهو خطير جداً على دين وأخلاق صاحبه، وهو بريد إلى الكبر الأكبر .. لكن لا يرقى به إلى درجة الكفر الأكبر الذي يخرجه من الملة، كما في الحديث عن سلمة بن الأكوع أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال:” كل بيمينك “. قال: لا أستطيع ! قال صلى الله عليه وسلم:” لا استطعت ” ما منعه إلا الكبر . قال: فما رفعها إلى فيه . مسلم . أي ما قدر أن يرفع يده إلى فيه .
          والشاهد أن هذا الرجل رغم أنه امتنع عن الأكل باليمين كبراً، لكنه تستر بالعجز وعدم الاستطاعة .. فإنه لم يكفر بذلك، ولم يحمله النبي صلى الله عليه وسلم على التوبة والدخول في الإسلام من جديد .
          ونحو ذلك أن تأمر من بجوارك في الصلاة بأن يتراص ويتساوى مع الصف .. فيمتنع كبراً واستخفافاً بمن يأمره .. أو تحضه على إحياء بعض السنن والشرائع في الصلاة وغيرها ..تراه يلوي عنقه كأن لم يسمع وما حمله على ذلك إلا الكبر والاستخفاف بمن يأمره أو يذكره .. ولو سألته عن سبب ذلك لأجابك بالجواب الشائع على ألسنة كثير من الناس: هذا يريد أن يشغلنا معه بالنوافل والفروع .. تاركاً الأهم والفرائض والأصول .. وكأنه لم يبق من الدين إلا هذا الذي يذكرنا به !!
          ومن ذلك أن تتوجه بالنصح الصادق للآخرين، لا تريد من وراء ذلك إلا الخير لهم .. فيفسرون نصحك على أنك تريد أن تصنع من نفسك عليهم أستاذاً ومعلماً .. أو أنك أصغر منهم قدراً وشأناً فكيف تتجاسر على أن تتوجه إليهم بالنصح .. فيصدهم ذلك عن الإصغاء إلى الحق أو قبوله .. وما حملهم على ذلك إلا نوع كبرٍ في نفوسهم !
          فهذا النوع من الكبر ونحوه رغم خطورته على صاحبه إلا أنه لا يرقى به إلى درجة الكفر الأكبر .. والله تعالى أعلم .
          خلاصة القول: أن الكبر يُطلق ويُراد منه أحياناً الكفر الأكبر وذلك عندما يكون الكبر  مطلقاً عاماً .. وأحياناً يُطلق ويراد بعضه وجزءاً منه .. وهذا منه ما يكفِّر ومنه ما يكون دون ذلك بحسب ما وقع فيه من الكبر أو الرد .
          وعليه فنقول: كل كافر ـ مهما كان عمله أو وضعه ـ بلغته الحجة الرسالية فقابلها بالرد والإعراض فهو متكبر .. ولا يلزم من ذلك أن يكون كل متكبر كافراً لورود التفصيل الآنف الذكر .
          ـ عاقبة الكبر والمتكبرين . 
          للكبر عواقب سيئة جداً على صاحبه في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا فإنه يصد صاحبه عن اتباع الحق والهدى، وعن الإصغاء إليه بقلبٍ مفتوح .. ويركسه في حمأة ظلام الكفر، والضلال، والجهل .. فيجعل حياة صاحبه أبداً ضنكاً فوق ضنك .
          كما قال تعالى:) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى ( طه:124. والإعراض عن الذكر والعلم والهدى ـ كما تقدم ـ من أخص ما يدخل في معنى الكبر، ومن أبرز سمات المتكبرين .
          وقال تعالى:) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ( الأعراف:146. أي أن الله تعالى يصرف المتكبرين عن الانتفاع من الآيات القرآنية والآيات الكونية والنفسية؛ لأن كبرهم يحرمهم من الانتفاع بها، فهو لا يجعلهم يرون الحق حقاً .. فهم لو رأوا الآيات الباهرات لا يؤمنون بها لكبرهم الذي يمنعهم من الإصغاء إلى الحق .. وكذلك لو رأوا سبيل الحق والرشاد لا يتخذوه سبيلاً، وإنما يتخذون سبيل الغي والضلال والعذاب والجهل والعمى سبيلاً .. وما ذلك إلا لكبرهم وترفعهم عن الحق وأهله .
          هذا في الدنيا أما في الآخرة فمثواهم جهنم وبئس المصير كما قال تعالى:) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ( النحل:29. وقال تعالى:) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوهُهم مسودة أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين ( الزمر:60. وقال تعالى:) إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ( غافر:60. وقال تعالى:) فاليوم تُجزون عذاب الهُونِ بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ( الأحقاف:20. وغيرها كثير من الآيات التي تدل على أن الخزي والعذاب يوم القيامة للمستكبرين .
          وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” ألا أخبركم بأهل النار: كل عُتُلٍّ جوّاظٍ مُستكبر ” متفق عليه.
          قال النووي: العُتُلُّ: الغليظُ الجافي . والجوَّاظُ: الجمُوع المنوعُ، وقيل: الضخم المختالُ في مشيته ا- هـ .
          وقوله:” الجموع المنوع ” أي الذي يعمل على جمع الأموال من طرق شتى، ثم يمنعها من أن تأخذ طريقها في سُبل الخير والإنفاق .
          وقال صلى الله عليه وسلم:” احتجت الجنة والنار فقالت النار: فيّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضُعفاءُ الناس ومساكينُهم فقضى الله بينهما؛ إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النـار
عذابي أعذب بك من أشاء، ولكيليكما عليَّ ملؤها ” مسلم .
          وقال صلى الله عليه وسلم:” لا يزال الرجل يذهبُ بنفسه حتى يُكتب في الجبارين فيُصيبه ما أصابهم “([1]).
وقوله:” يذهبُ بنفسه ” أي لا يزال الرجل يُعجب بنفسه ويتمادى في الإعجاب إلى أن يرتفع على العباد ويتكبر عليهم .. فيصيبه حينئذٍ ما يُصيب الجبابرة المتكبرين ! 
          وقال صلى الله عليه وسلم:” إنه ليأتي الرجلُ السمينُ العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ” متفق عليه. وذلك لتكبره وتعاظمه بنفسه، واستعلائه على الخلق ..!
          نعوذ بالله من الكبر ومن المتكبرين .. ومن خصالهم وصفاتهم وأخلاقهم .. وما يؤولون إليه من خزي وعذاب .
          هذا بعض ما ورد في جزاء المتكبرين وما يستحقونه من خزي وعذاب في الدنيا والآخرة  .. لننظر ـ إتماماً للبحث والفائدة ـ في بعض أصناف المتكبرين الذين نعايشهم، وفيمن يدخل منهم في الكبر دخولاً كلياً، ومن يدخل منهم دخولاً جزئياً .. لنحذَرهم أو نُحذِّرهم .. أو نحذَر أن نكون منهم ـ أو فينا بعض خصالهم ـ ونحن ندري أو لا ندري .. والله المستعان.
        ـ أصناف المتكبرين . 
          1- كبر طواغيت الحكم : للكبر ـ كما تقدم ـ مقياس وموازين يُعرف بها وهي: رد الحق .. واحتقار الخلق؛ فأيما امرئٍ يتلبس بهذين الوصفين فهو متكبر وعلى قدر تمثل هذين الوصفين به يكون الكبر فيه .. وطواغيت الحكم الذين نعاصرهم في هذا الزمان هم من أكثر الناس دخولاً بهذين الوصفين؛ فهم ـ لو تأملت حالهم وحياتهم ـ من أكثر الناس رداً للحق بل ومحاربة له ولأهله .. ومن أمرهم بالحق أو دعاهم إليه فمصيره عندهم بين القتل أو السجن أو النفي خارج البلاد .. يظهر ذلك بوضوح في تعاملهم مع شرع الله تعالى وفي ردهم للحكم بما أنزل الله، واستهانتهم به، واستبداله بشرائع الجاهلية التي مصدرها إما من عند أهوائهم وأنفسهم، أو من بلاد الكفر في الشرق أو الغرب ..!
          أما وصفهم من جهة احتقارهم للخلق واستخفافهم بالعباد فحدث عن ذلك ولا حرج .. فكم هم الذين يُقتلون وتنتهك حرماتهم ـ في ظل هذه الأنظمة الطاغية ـ من غير جرم أو ذنب اقترفوه .. !    
          أدخل إلى أقبية سجونهم وزنازينهم ثم أنظر كم هم يحتقرون ـ بل ويقتلون ـ آدمية وإنسانية الإنسان ..!
          أنظر إلى الآلاف المؤلفة من الشباب الذين زُجوا في غياهب سجون الطواغيت .. لا ذنب لهم سوى أنهم قالوا كلمة لا تروق للطاغوت .. أو أنهم رفضوا أن يقبلوا حياة الذل والعبودية للطواغيت ..!
أنظر إلى أحكامهم ومحاكمهم العرفية الميدانية التي تفقد الحد الأدنى من العدل الذي ينبغي أن يُعطاه المتهم قبل أن يصدر في حقه الحكم بالإعدام أو السجن المؤبد([2]) ..!
أنظر كيف يتعاملون مع شعوبهم على أنهم عبيد مملوكين لأيمانهم ـ بعد أن خلقهم الله تعالى أحرارا ـ لا يملكون الحرية في العيش الكريم .. أو حتى الحركة والسفر إلا بحدود ما يسمح به الطاغوت .. أو يمن به عليهم([3]) !! 
ثم أن هؤلاء الطواغيت كلهم يمارسون سياسة الاحتقار لشعوبهم التي كان يمارسها فرعون من قبلهم بحق شعبه ..!
كلهم يقولون ـ بلسان الحال والقيل ـ ما كان يقوله سلفهم الأول فرعون لشعبه:) وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ( ) فحشر فنادى . فقال أنا ربكم الأعلى ( ) قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ( فهو حصر الرشاد والفهم الصحيح فيما يراه هو وحده دون سائر الناس من شعبه .. وهذا فيه قمة الاحتقار والاستخفاف بالشعوب وبعقولهم ..!!
هذه بعض صور احتقار طواغيت الحكم للخلق .. لم نرد منها الاستقصاء أو الحصر وإنما مجرد التمثيل لبيان مدى دخول هؤلاء الطواغيت الظالمين الجاثمين على صدر الأمة .. في الكبر دخولاً كلياً معنى واسماً وحكماً .
2-كبر الجنود والأتباع : كذلك جنود الطواغيت وأتباعهم من العسكر وغيرهم يدخلون دخولاً كلياً في الكبر لأنهم هم أداتهم المباشرة في رد الحق .. واحتقار الخلق .. بل هم أنفسهم يمارسون رد الحق .. واحتقار الخلق وتعذيبهم .. وهل أذل الأمة وسامها صنوف القهر  والعذاب إلا هذا الجندي المتطوع لخدمة الطاغوت وسياسته المتستر وراء بزته العسكرية الخضراء باسم تحرير الوطن .. والدفاع عن الوطن .. ومقدسات الوطن .. وحرمات الوطن .. وما ضيع الوطن والأوطان إلا هؤلاء الجبناء !!
لذلك نجد أن الله تعالى شملهم في امتهان الكبر والاستكبار في الأرض مع الطاغية فرعون في قوله تعالى:) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يُرجعون ( القصص:39. وقال تعالى:) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطانٍ مبين . إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين ( المؤمنون:45-46. وملأه هم حاشيته وجنده، وكل من دخل في طاعته وموالاته .. فهؤلاء كلهم داخلون في الكبر والاستكبار في الأرض .  
          3- كبر الفقراء : من خلال ما تقدم قد علمنا أن الكبر لا دخل له بغنى الإنسان أو فقره .. فلا يلزم من كل غني أن يكون متكبراً، كما لا يلزم من كل فقير أن لا يكون متكبراً .. وإنما الكبر وصف وحال حيثما حل ووجد هذا الوصف والحال وجد الكبر وتحقق عند صاحبه بغض النظر عن مستواه الاجتماعي أو الاقتصادي .
          فإن قيل: هل من الممكن أن يكون الفقير العائل متكبراً .. وما هي صور وأشكال تكبره واستعلائه وهو لا يملك قوت يومه ؟!
          أقول: نعم، من الممكن للفقير أن يكون متكبراً أو فيه بعض خصال الكبر .. بحسب رده للحق .. واستعلائه على الخلق، أو احتقاره لهم .. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله:” ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يُزكيهم، ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذاب، وعائلٌ مستكبر ” مسلم. والعائل هو الفقير .
          فإن قيل علام خُص الفقير المستكبر بهذا الوعيد المخيف دون الغني المستكبر، أو غيره من شرائح الناس ..؟!
          أقول: لأن الأصل في الفقير أن ينكسر للخلق لحاجته إليهم .. ولأنه لا يملك شيئاً يترفع به على العباد، أو يحتقر به الخلق .. فإن هو أتى بالكبر وهو بهذا الحال الذي لا يملك فيه الأسباب التي تستدعي الكبر والبطر عند ذوي النفوس المريضة .. فإنه يدل على خبث مركب في نفسه، وعظم سوء طويته وأخلاقه .. لذلك خصه الله تعالى بهذا الوعيد المخيف .. والله تعالى أعلم .
          ثم إذا كان يُظهر الكبر وهو فقيراً محتاجاً للآخرين والآخرون لا يحتاجونه .. فكيف به لو صار غنياً ذا جاهٍ أو رياسة ومنصب .. والناس يحتاجونه وهو لا يحتاجهم .. لا شك أنه سيظهر من الكبر أضعاف ما عند غيره وأقرانه من المتكبرين !!
وصور الكبر عند الفقير عديدة: منها أن يحقر النعمة التي تُساق إليه .. أو يحقر المعروف وصاحبه الذي أسداه إليه .. أو يحقر العباد ويترفع عليهم بما لم يُعط وليس عنده، فيكون بذلك كلابس ثوبي زور .. أو يحقر الحق أو جانباً منه عندما يطالب به .. ومن ذلك ترفعه على طلب العلم ومجالس العلم ..!!
          ومنها أن يحقر المسلمين بعبارات الطعن والتجريح، والاستخفاف .. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر المسلم ” مسلم . 
4- كبر الدعاة وطلاب العلم !
لعله يُقال: قد فهمنا أن الكبر قد يقع فيه ما ذكرت من أصناف .. أما أن يقع فيه الدعاة إلى الله .. وطلاب العلم .. فهذا لا يمكن أن نفهمه ؟!!
أقول: نعم، من الممكن أن يقع الدعاة وكذلك طلاب العلم في الكبر أو في بعض ما يدخل فيه .. ويظهر ذلك من وجوه عدة، منها: أن ينظر الداعية إلى نفسه على أنه شيء كبير .. فهو لا يقبل الحق لو جاءه ممن هم دونه علماً .. ولعله يرد الحق لإعجابه بنفسه، وأنه فوق أن يُعقب عليه من قبل صغار طلاب العلم، أو آحاد المسلمين .. ويضيق صدره لأدنى نصح أو نقد .. فهذا من الكبر وضروبه!
ومنها: أن يقول قولاً .. ثم يظهر له أنه خلاف الحق المسطور في الكتاب والسنة .. فيتعاظم عليه أن يرجع إلى الحق .. فيحمله ذلك على أن يتمادى في باطله وخطأه  .. حتى لا يقال فلان قد تراجع عما كان يقول .. فهذا من الكبر وضروبه!!
ومنها: أن ينظر لنفسه بعين الإعجاب، وعلى أنه ألم بالعلم من جميع أطرافه .. وأنه يفوق أقرانه والآخرين من أهل العلم فهماً وعلماً والتزاماً .. فيحمله ذلك على التعالي عليهم !!
ومنها: أن لا يُنصف الحق من نفسه .. إعجاباً واستعظاماً لأمر نفسه .. !!
ومنها: أن يجد في نفسه غضاضة وصعوبة في أن يقول أخطأت وأصاب فلان ..!
ومنها: أن يرد الحق عصبية لمذهبه، أو حزبه، أو شيخه .. فلا يقبل الحق إلا ذا جاء عن طريق حزبه، أو شيخه، أو مذهبه، أو الجهة التي يرتضيها .. فهذا من الكبر!!
ومنها: أن ينعدم عند الداعية مبدأ الشورى .. فلا يستشير الآخرين استخفافاً بآرائهم وأفهامهم وعقولهم .. فلو تكلم متكلم لا يجوز أن يكون هذا المتكلم إلا هو .. ولو خطب خطيبٌ
لا يجوز أن يكون هذا الخطيب إلا هو .. فهذا ضرب من ضروب الكبر والتعالي على الخلق والعباد !!
ومنها: أن لا ينصف الدعاة الآخرين بما فيهم من الحق أو الخير .. فإذا جاء على ذكرهم مرَّ عليهم بالطعن والغمز واللمز .. ليظهر للسامعين على أنه الأعلم والأفهم والأفقه .. وهذا من التعالي والكبر([4])!!
ومنها: أن يستحقر العباد وبخاصة منهم طلاب العلم .. ويرميهم بأنهم أغرار .. أو جهال .. وغير ذلك من عبارات الطعن والتجريح .. وما حمله على ذلك إلا الكبر والحسد وحب التعالي على العباد !!
ومنها: أن يعتبر نفسه على أنه من الصقور الذي يُساكن أعالي الجبال .. وما سواه عبارة عن فئران وجرذان مسالمون يُساكنون السهول والوديان يسهل عليه الانقضاض عليهم وقت يشاء .. فهذا من الكبر والاستعلاء بغير حق !!
فمن الناس من لو سألتهم عن آحاد أو بعض المسلمين .. لأجابك بقوله: هذا عبارة عن صرصور .. أو حشرة .. أو فأرة .. أو عبارة عن مجموعة جرذان .. وبخاصة إذا كان يوجد بينه وبينهم نوع خلاف .. وهذا عين احتقار الخلق الذي يدخل في معنى الكبر !! 
وأعرف منهم من يحمل قوله تعالى:) والخيل والبغال والحمير لتركبوها ( على عباد الله وخلقه .. فليتقِ هؤلاء اللهَ ربهم !!
ومنها: أن ينظر للآخرين بعين الاحتقار والترفع لكونه استطاع أن يُحيي شعيرة من شعائر الإسلام .. غيره لم يستطع ولم يتمكن من القيام بها ..!!
          فهو قد منَّ الله عليه بجهاد أيام من العمر .. فينظر للآخرين على أنه أعلى منهم درجة .. ويجب أن يتعاملوا معه على أنه كذلك ..!!
          والآخر مطيل للحيته فينتابه شعور بأنه أفضل من الذين هم أقصر منه لحية .. ولو نظر إليهم ينظر إليهم بعين الازدراء والترفع .. فهو لذلك أفضل وأرفع منهم .. وهكذا يجب أن يتعاملوا معه !!
وآخر يرتدي ثوباً .. فينظر بازدراء وترفع على كل من يرتدي البنطال، وأنه أفضل منهم .. وعلى أنهم أقل منه درجة .. وهكذا ينبغي أن يتعاملوا معه !!
وهذا حج والآخر لم يحج .. وهذا اعتمر والآخر لم يعتمر .. وهذا أحيا سنة والآخر مقصر فيها .. فيتكبر هذا على ذاك ويتعاظم عليه ويترفع .. ناسياً أن ما آتاه الله من فضل وخير .. مرده كله له سبحانه وتعالى !
          فهذه الصور وما تقدم كلها تدخل في معنى الكبر، وبعضها أصرح من بعض .. وصاحبها يطاله الوزر والإثم بقدر ما يصدر عنه من كبر وترفع على عباد الله !
         
فعلى الدعاة جميعاً أن يتقوا الله في أنفسهم وفي إخوانهم، وفيما يحملونه من أمانة العلم .. وليراقبوا أنفسهم ومواقفهم وسلوكياتهم .. فكل منا أدرى بنفسه .. وأدرى بما يحوجها وما ينبغي أن يزول عنها .. وكل منا بحاجة إلى أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، فيحاسبها قبل أن تُحاسب .. ويسأل الله تعالى  السلامة من أمراض الكبر والغل والحسد. 
         
هذا ما أردت ذكره وبيانه في هذا المبحث الوجيز، راجياً لنفسي ولجميع إخواني .. وعامة المسلمين أن يحفظنا الله تعالى من داء الكبر ومن أسبابه .. وما يُفضي أو يقرب إليه .. وما يترتب عليه من آثار وخيمة لا تُحمد عقباها في الدنيا وفي الآخرة .. إنه تعالى سميع قريب مجيب .
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
          4/10/1421 هـ .                عبد المنعم مصطفى حليمة
          30/12/2000 م .                           أبو بصير

 


[1] أخرجه الترمذي وقال حديث حسن .
[2] أنظر على سبيل المثال كتاب ” تدمر .. شاهد ومشهود ” الذي ابتلي صاحبه بالسجن في سجن تدمر في سورية لأكثر من عشر سنوات .. كيف يروي قصص أعواد المشانق التي كانت تنصب يومياً أمام أبواب المهاجع في ساحة السجن .. وكيف كان يخضع انتقاء الشباب للإعدام إلى أهواء ومزاج الزبانية الجلادين ..
وغير ذلك من روايات الإهانة والقتل لآدمية الإنسان التي كانت تمارس في حق المساجين .. والتي لا يمكن أن نتصورها على البهائم والحيوانات .. هذا مثال صارخ على احتقار الخلق .. وما أكثر الأمثلة الصارخة على احتقار العباد في بلاد العرب والمسلمين !!
[3] من الكلمات والعبارات التي كان يرددها طاغوت من طواغيت العرب الهالكين ” الإنسان أغلى ما نملك ..”؛ أي هو كما يملك الأشياء .. ويحق له التصرف بها كيفما يشاء .. كذلك يملك الإنسان .. يملك شعبه ويحق له أن يتصرف به كيفما يشاء .. إلا أن الإنسان أغلى شيءٍ عنده مما يملك ..!!
   والمضحك المبكي أن شعبه الذي رُوض على العبودية والذل .. سطر هذه العبارة ـ متباهياً بها ـ بماء من ذهب .. وكتبوها على جدران الشوارع .. وفي كل مكان من البلاد .. فتأمل !!
[4] من الأشياء التي تلفت نظري ظاهرة قديمة حديثة: وهي أن من الإخوان عندما يتوجه بالخطاب لإخوانه أو بعض الدعاة والشيوخ .. تراه يتورع ـ كبراً! ـ أن يلقي عليهم السلام كاملاً .. أو أن يتوجه إليهم بالدعاء كأن يقول حفظهم الله ونحو ذلك .. لظنه أن ذلك يُنقص من قدره أو قيمته العلمية .. وهو لو ذكرهم أو خاطبهم لاكتفى بقوله إلى أبي فلان أو إلى فلان .. فيشح على إخوانه بما يستحقونه من السلام والدعاء .. وهو نفسه لو ابتلي بمخاطبة الكفار والمنافقين تراه يتوجه إليهم ـ بكل تواضع ـ بعبارات الثناء والتفخيم والتبجيل والسيادة .. !!
   وكان قد أنكر علي بعضهم قولي عن شيخ وعالم خدم السنة طيلة حياته بالقول والعمل .. حفظه الله .. أو رحمه الله ونحو ذلك .. وقد عدوا ذلك من خوادش العقيدة والإيمان .. وبخاصة أننا نختلف مع الشيخ في بعض المسائل في مسمى الإيمان وما يدخل فيه ..!
   وهي فرصة لأن أقول لهؤلاء: خلافنا مع الشيخ ـ رحمه الله وعفا عنه ـ في مسألة أو مسائل .. لا يجوز أن ينسينا فضله، أو نجحد جانب الحق والخير ـ وهو كبير جداً ـ الذي عنده .. وبخاصة أننا نعلم جميعاً أن الشيخ قضى حياته كلها ولم يمد يده قط ـ كغيره ! ـ إلى الطواغيت الظالمين .. مع حرص الآخرين على ذلك .. وأن كتبه على كثرتها لم يذكر فيها كلمة ثناء واحدة على طاغوت .. وهذا مما ينبغي أن يُذكر عن الشيخ عند تقييمه أو الحديث عنه !
   ثم ثانياً: نحن مأمورون شرعاً وديناً بتوقير العلماء .. والدعاء لهم وحبهم .. والثناء عليهم بما فيهم من خير وفضل ..    والتأويل لهم ما وجد إلى ذلك سبيلاً .. وهذا كله لا يمنع من إنصاف الحق منهم لو خالفوه .
   أما ثالثاً: فلعل بعضكم لو توجه بالخطاب والحديث إلى بعض الفساق والظالمين والمجرمين .. لخاطبهم بعبارات التفخيم والتبجيل والسيادة وغير ذلك .. وما أكثر ما نلحظ ذلك .. أفترون هذا جائزاً مستساغاً .. وقولي عن شيخ وعالم خدم السنة ـ بالقول والعمل ـ لأكثر من خمسين سنة .. حفظه الله .. أو رحمه الله .. لا يجوز وهو من خوادش العقيدة والإيمان .. ؟!!!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.