موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

الأجوبة على أسئلة الأخوة في كردستان

0 485

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد .
          فقد توجه بعض الأخوة من الحركة الإسلامية في كردستان ببعض الأسئلة في زيارة خاصة لي وأنا مقيم في اليمن، على أن تأخذ الإجابة طريقها للنشر في مجلاتهم الخاصة .. هذا نصها ومعها الإجابة :

سؤال: كيف تستطيع الأمة المسلمة في كردستان أن تسترجع مجدها التليد في هذه الظروف العصيبة التي تواجهها المنطقة ؟
          الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . وبعد.
فإن للنصر والتمكين سنن ونواميس لا يتحقق من دونها، منها ما يتعلق بموقف العبد نحو ربه ، ومنها ما يتعلق بالأسباب والوسائل المادية الدنيوية التي تؤدي ـ  بإذن الله ـ إلى النصر والمجد والتمكين ..
أما ما يتعلق بموقف العبد نحو ربه، فإنه لا بد للأمة ـ أفراداً وجماعات ـ من أن تنصر الله تعالى في الرجوع إلى دينه بحق وصدق، وتأخذه بقوة وجد؛ فتتمسك بأوامره وتنتهي عن نواهيه وزواجره .. لتستحق بعد ذلك نصر الله تعالى وتأييده وعونه، كما قال تعالى:] يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم[ ؛ أي إن تنصروه بطاعته وتوحيده والدخول في سلم الإسلام كافة ينصركم على أعدائكم، ويهب لكم التمكين والاستخلاف، وهذا شرط لا بد من تحقيقه واستيفائه ابتداءً وأولاً ليتحقق النصر لهذه الأمة؛ لأن مفهوم المخالفة يقتضي أن من لا ينصر الله لا ينصره الله ,ونحوه قوله تعالى:] ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز[ . وقال تعالى :]وما النصر إلى من عند الله العزيز الحكيم[. وهذا أمر مهم جداً، لا يجوز نسيانه أو التفريط و والاستهانة به .. فمن نسي الله، نسيه الله وتركه لنفسه الضعيفة .. فنحن ننتصر على أعدائنا بالإيمان بالله .. فإذا استوينا معهم في المعصية تغلبوا علينا بالعدة والعتاد .
          ومن دواعي تحقيق النصر، والتمكين والاستخلاف، تحقيق التوحيد وإفراد الله تعالى وحده بجميع مظاهر ومعاني العبادة، الظاهرة منها والباطنة، و مجانبة الشرك بجميع مظاهره وأنواعه، والكفر بكل مألوه مطاع من دون الله، كما قال تعالى:]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً [ . فكل هذه العطايا والمنن والكرامات مقابل: ] يعبدونني لا يشركون بي شيئا[، وهذا شرط لا بد من تحقيقه في أنفسنا، وفي أسرنا وتجمعاتنا وأحزابنا، وعلى جميع مستويات الحياة السياسية منها وغير السياسية .. حتى نستحق تلك العطايا والمنن من الله سبحانه وتعالى .
          وهنا لا بد من أن نحذر الجماعات العاملة للإسلام ـ في كردستان وغيرها ـ من الوقوع في الشرك أو الانغماس به الذي يأتي الحركات الإسلامية غالباً من جهة الديمقراطيات التي تكرس ألوهية المخلوق وتعلي إرادته وحكمه على إرادة وحكم الله سبحانه وتعالى !!
          وكذلك الشرك الذي يأتي من جهة مشاركة الجاهليات المعاصرة في أنظمة حكمهم التي لا تحكم بما أنزل الله، وإنما تحكم بشرائع الكفر والطاغوت ..!
          نشير إلى ذلك لأن كثيراً من الجماعات الإسلامية المعاصرة نجدها تستهين بهذا الجانب من الشرك ـ الظلم الأكبر ـ مقابل مصالح زهيدة أو بتعبير أدق فتات يُرمى إليها من قبل الطاغوت .. فتكون النتيجة أن الله تعالى يرفع عن هذه الجماعات النصر والقبول والبركة، بعد أن تكون قد مضت شوطاً طويلاً نحو التمكين والنصر يوم أن كانت تتحرك لهذا الدين بمفردها بعيداً عن تلك الجاهليات والشركيات، والتحالفات المشبوهة مع أعداء الأمة !
          أما ما يتعلق بالأسباب والوسائل المادية والدنيوية، فلها جوانب عدة:
منها، بذل الجهد ومنتهى الطاقة والاستطاعة في الإعداد ـ المادي والمعنوي ـ لمواجهة العدو الكافر وإرهابه،كما قال تعالى :] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم[. والتقصير في أي أمر مستطاع في هذا المجال يلحق بنا جميعاً الإثم والحرج، وتكون له نتائج سيئة جداً على العمل الإسلامي والجماعة المسلمة .
فالمسلم إما إن يكون مجاهداً في سبيل الله، وإما أنه يعد للجهاد عدته عند سقوطه للعجز، وليس له خيار ثالث يركن إليه ، وبخاصة في زمان يتعين فيه الجهاد على الجميع، كما هو الحال في زماننا .
قال صلى الله عليه وسلم :” من لم يغز، أو يجهز غازياً، أو يخلف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة “.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب  ا-هـ .                                                                
          ومنها، وحدة الصف ، واجتماع الكلمة ،وتوحيد القيادة، فإن فرقة المسلمين في أحزاب وجماعات متفرقة متنافرة متناحرة، من شأنه أن يضعف من شوكتهم، ويقلل من هيبتهم في عيون أعدائهم، ويجعلهم لقمة سهلة سائغة على موائد الذئاب اللئام، ينهشونها متى شاءوا، قال تعالى : ] 
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [ .
سؤال : كيف ترون التعامل مع الأحزاب العلمانية التي تنفرد بالسيطرة على الساحة الكردستانية ؟
          الأحزاب العلمانية بجميع تشعباتها وصورها وأسمائها، هي أحزاب كافرة مرتدة، قد ناصبت الإسلام والمسلمين العداء والحرب، ومن دون استحياء ..
لذا فإن الموقف الشرعي منها يقتضي مباينتها، ومفاصلتها والتحذير منها ومن شرها وخطرها على الأمة، ومجاهدتها بالقوة ـ عند توفر الاستطاعة ـ ليكون الدين كله لله، كما قال تعال: ] لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءَهم أو أبناءَهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيديهم بروحٍ منه ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون [ . وقال تعالى : ] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يحب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، وباتفاق العلماء .
وقال رحمه الله : فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، أنه يقاتل من خرج من شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين ا- هـ .
والأحزاب العلمانية ـ المشار إليها في السؤال ـ لم تخرج عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام فقط، بل خرجت عن شرائع الإسلام كله، وفصلت الدين عن الحياة والدولة والسياسة ،وتصدرت زعامة الحملات التي تشن لحرب الإسلام والمسلمين، وهي أداة الغرب الصليبي في التصدي للدعاة إلى الله في بلاد المسلمين .. وبالتالي فإن جهادها وقتالها أوكد وأولى من قتال مانعي الزكاة، أو ممن يمتنع عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام .
ومنه يُعلم خطأ بعض الجماعات الإسلامية الشنيع التي تمد حبال التحالف، والتناصر، والود بينها وبين تلك الأحزاب العلمانية المرتدة، لتخوض معها ـ جنباً إلى جنب ـ الحملات الانتخابية الديمقراطية! .. أو غير ذلك من حطام الدنيا وزخرفها .. نسأل الله تعالى الثبات وحسن الختام.
سؤال: يوجد بعض العوام الذين انخرطوا في صفوف الأحزاب العلمانية بسبب ضيق اليد والفقر المدقع، فكيف ترون التعامل معهم؟
          أقول: أولاً لا بد من توعية الناس توعية عقدية، وتربيتهم على التوحيد الخالص، وبيان أن الله تعالى أعز وأجل وأكرم من لقمة العيش ومن كل عزيز في هذه الحياة، وأنه لو حصل خيار بين الله سبحانه وتعالى وبين الآباء أو الأبناء أو العشيرة، أو المال والتجارة، أو الوطن والمسكن الدافئ أو غير ذلك مما يعز على الإنسان في هذه الحياة، فليس للمؤمن أن يختار إلا جانب الله ومرضاته، ومهما اختار الإنسان غير ذلك، فإنه ـ حقيقة ـ يختار الانسلاخ من الدين والإيمان كلياً، وإن زعم بلسانه خلاف ذلك، وأنه من المؤمنين؛ كما قال تعالى:] قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين[ .
وقال تعالى:] ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله[ .
          فإذا كان من يساوي حبه للأشياء ـ أياً كانت هذه الأشياء ـ بحبه لله تعالى يكون قد اتخذ هذه الأشياء أنداداً من دون الله تعالى ووقع في الشرك، فما يكون القول فيمن يحب هذه الأشياء أكثر من حبه لله تعالى ويقدمها على طاعته ومرضاته، لا شك أنه أولى بالإشراك والكفر من غيره .
          فإذا عُلم ذلك يبقى أن يُعلم أن لقمة العيش ليست مانعاً من موانع التكفير، وهي لا تبرر للمرء أن يمارس الكفر أو يوالي الكفار المرتدين ويظاهرهم على المسلمين، وقد وقع الرعيل الأول من الصحابة في جميع أنواع الفقر والجوع، كما حصل لهم في شعاب أبي طالب الذي استمر أكثر من ثلاث سنوات، ومع ذلك لم يكن مبرراً لهم أن يمارسوا شيئاً من الكفر أو يظهروه عسى أن يخفف عنهم الحصار أو الجوع، بل لم يكن منهم إلا كامل الصبر والثبات واحتساب الأجر عند الله تعالى .
          ثم أن المؤمن ـ كما دلت على ذلك نصوص عديدة ـ مبتلى ، ويبتلى على قدر دينه وإيمانه، وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: ] ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين[ . فليس لأدنى بلاء يرتد المرء على عقبيه ويهرول إلى ساحات الكفر واللئام ليلتمس عندهم الرزق وكشف الضر والجوع ..!!
 قال تعالى: ] وفي السماء رزقكم وما توعدون [ . وقال: ] ومن يتقي الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب [ .  فلنجرب مرةً التقوى ولنرى ماذا سيحدث..؟!
          وما تقدم لا يستدعي تسريع إساءة الظن بالناس، وإصدار الأحكام عليهم قبل تعليمهم وتبصيرهم بشؤون دينهم وعقيدتهم .. ومثل هؤلاء المسؤول عنهم لا بأس من قيام علاقات طيبة معهم لغرض تبيان الحق لهم، ونصحهم، وإرشادهم إلى ما فيه خير دينهم ودنياهم، ومد يد العون والمساعدة لهم على قدر المستطاع ..
          وقبل أن نختم الإجابة على هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى أن الحركة الإسلامية بجميع تشعباتها يجب عليها أن تسعى جادة للقيام بمؤسسات وأعمال اقتصادية تحقق الاكتفاء الذاتي لها ولجميع أفراد المسلمين من دون تفريق أو تمييز فيما بينهم، تستغني بها عن الطواغيت الظالمين .. وهي
بنفس الوقت تكون بديلاً عن تلك الأحزاب العلمانية التي تتحكم بقوت وأرزاق العباد والتي تفتنهم عن دينهم مقابل لقمة العيش ..!!
سؤال: كيف ترون الحل الإسلامي للقضية الكردية على مدى القريب الآني، وعلى المدى البعيد ؟
          أظن قد تقدمت الإجابة على هذا السؤال في جوابنا على السؤال الأول، ومع ذلك لا بأس من أن نضيف هنا: أن الوقت ليس في صالح الأخوة في كردستان، وأن الأمر لا يحتمل الهزل، أو اللامبالاة، فالطاحونة تدور، والرؤوس تُهرس، والدماء تسيل، والأرواح تزهق، والعدو حجمه كبير، وإمكانياته ضخمة وهائلة، فإن لم تفق الحركة الإسلامية ـ بكل أطرافها ـ على نفسها وترتفع إلى مستوى المسؤولية والواقع المعايش .. وتعود إلى ربها بصدق وإخلاص، وتستثمر الوقت بالجد والسهر والقلق، وتنتبه لما يُحاك ضدها من مؤامرات تستهدف تصفيتها، وتذويب هويتها الإسلامية .. فإن النتائج ستكون وخيمة وغير مرضية، والخسائر فادحة .. وهذا مالا نتمناه ولا نريده .
سؤال: ما هي الوسائل والأساليب لإيصال صوت القضية الكردية الإسلامية إلى البلاد الإسلامية ؟
          الحقيقة أن كثيراً من الأخوة الأكراد يطرحون قضيتهم ـ أحياناً بطريقة عاطفية بعيدة عن التأصيل والتقعيد ـ على أنها قضية كردية، وهمٌّ كردي، والآم آلام كردية، وإسلام كردي .. وغير ذلك من الاطلاقات المؤكردة !، وكأنهم عالم آخر منفصل عن جسد الأمة الإسلامية الكبير .. وهذا خطأ من وجهين: من وجه أنه مغاير للنصوص الشرعية الكثيرة التي تفيد أن المسلمين بجميع أجناسهم ، ولغاتهم، وألوانهم أمة واحدة، وجسد واحد متماسك الأطراف والبنيان، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالنصرة والقلق والسهر والحمى ..
          ومن جهة: فإنها دعوة عصبية ضيقة، من لوازمها الضعف والحرمان مما يمكن أن تمد به الأمة الإسلامية الكبرى من شرايين دعم بالدم والمال والحياة إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك .
          فليس من صالح الحركات الإقليمية المحلية أن تفصل نفسها وتنقطع عن جسد الأمة الإسلامية الكبير، فإنها بذلك تخسر الكثير، وبنفس الوقت تكون لقمة سهلة للعدو الكافر الذي يتربص بها المكائد والدوائر، وينتظر منها مثل هذا التقوقع والانقطاع والانحسار ليجهز عليها بأقل جهد ممكن، ووقت يشاء ..
          والذي أراه بالنسبة لإخواننا في كردستان، أنهم لا بد لهم من أن يعملوا جادين ومخلصين على التحرر من التقوقع على الذات، والصعود من السهول والوديان إلى قمم الجبال الشماء، ليسمعوا صوتهم الجميع، ويطرحوا قضيتهم على الأمة الإسلامية على أنها جزء هام من مجموع همومها الكبرى، لابد لكل مسلم في العالم من أن يكون له سهم ـ بحسب استطاعته وقدراته ـ في علاجها، أو دعمها ومساندتها ..
للأخوة في كردستان على العالم الإسلامي حق، يُأخذ ـ بسلطة الشرع ـ بالقوة وليـس
بالاستعطاف، وهذا ما تفرضه حقوق الأخوة الإسلامية، والانتماء الصادق لهذا الدين الحنيف .. وهذا لن يكون إلا بعد طرح  القضية على أنها قضية إسلامية عالمية، وليس على أنها قضية كردية محلية، وهم كردي خاص بالأكراد وحدهم .
          ولا بأس ـ من أجل تحقيق هذا الأمر ـ من قيام المحاضرات والندوات التي يشارك فيها العالم الإسلامي من خلال حضور العلماء العاملين المجاهدين، والتي تتناول الهموم والمشاكل ، والقضايا الخاصة بمنطقة كردستان، فإن ذلك مما لا شك فيه سيفتح أبواباً وقنوات تعود بالخير الكثير على المنطقة وأبنائها ..
سؤال: بماذا تنصحون الجماعات الإسلامية في كردستان ؟
          ننصح قادة العمل الإسلامي في كردستان بتقوى الله تعالى ـ فالقيادة ثقل وهم ومسؤولية، وهي مغرم وليست مغنم تستشرف لها الأعناق ـ وأن يقدموا الغايات والأهداف والمصالح العامة على ذواتهم وأشخاصهم وأهوائهم ..
          وننصحهم بالوحدة والاجتماع والاعتصام بحبل الله تعالى المتين، ونبذ الفرقة والمنازعات التي من شأنها أن تضعف الصف، وتفرق الكلمة، وتوغر الصدور..
          قال تعالى:]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا [. وقال تعالى:] ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [.
          وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :”إن الله يرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”. وقال صلى الله عليه وسلم :”عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة “.  
          فالاجتماع والاعتصام بحبل الله تعالى جميعاً هو واجب لذاته لأن الله يحب لنا الوحدة والاعتصام والاجتماع، وواجب لغيره لأن النصر والتمكين وغيرها من معاني القوة والشوكة لا تتحقق إلا به وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
وواجب الاجتماع يتعين أكثر فأكثر عندما يداهم الجماعة المسلمة الخطر من قبل قوى الكفر والردة والنفاق، كما هو الحال في كردستان..
          ومنه نعلم أن واجب اجتماع الكلمة، وتوحيد الصف الإسلامي بالنسبة للمسلمين في كردستان هو أوكد وأوجب عليهم من غيرهم؛ لتضافر جميع حوافز الاجتماع والاتحاد فيهم ..
          ونحن إذ نحرص ونطالب بتوحيد كلمة المسلمين، واجتماع الجماعات في جماعة واحدة، وتحت إمرة قيادة واحدة .. فهذا لا يعني بحال الرضى باجتماع المتناقضات والمتغايرات كاجتماع الإيمان والتوحيد مع الكفر والشرك، أو تحالف الأحزاب الإسلامية مع الأحزاب العلمانية المرتدة من أجل مكاسب زهيدة يزينها ويضخمها الشيطان .. ولا يستلزم كذلك أن يقوم هذا الاتحاد من دون مراعاة للأسس والمبادئ الشرعية التي يجب أن يقوم على أساسها ذلك الاتحاد ..
لا، فإننا لا نعني ذلك ولا نريده، فإن أي وحدة تتحقق بين الجماعات تتجاهل المبادئ والأسس الشرعية التي يجب الاجتماع عليها، والاتفاق عليها مسبقاً، من شأنه فشل تلك الوحدة، وانقلابها إلى فرقة هي أشد مما كانت عليه الجماعات قبل الوحدة أو الاتحاد، وهذا من شأنه أن يورث الإحباط وروح الهزيمة لدى أفراد الجماعات وغيرهم من عامة المسلمين، كأن لسان حالهم يقول : إذا كنا لا نستطيع الانتصار على أنفسنا ـ بتوحيد الكلمة ـ فكيف ننتصر على أعدائنا..؟!
          ونحن لنا رسالة متواضعة بعنوان :” تنبيه الدعاة المعاصرين إلى الأسس والمبادئ التي تعين على وحدة المسلمين “. ننصح بمراجعتها، والاطلاع عليها، عسى أن تجدوا فيها المادة التي تعين على وحدة صف الجماعات الإسلامية في كردستان .. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو الهادي والموفق إلى سواء السبيل .
          وهنا لا بد من أن نشير إلى أهمية توحيد مصادر التلقي والتربية التي يتربى عليها الأفراد والأجيال كعامل أساسي يعين على دوام الانسجام والوحدة للجماعة .. فلا يعقل مثلاً ـ كما هو حاصل الآن ـ أن نرسل مجموعة من الطلاب للدراسة في الأزهر، ومجموعة أخرى تدرس في جامعات الجزيرة العربية في المدينة وغيرها، ومجموعة أخرى تدرس وتتلقى العلم من الجامعات والمدارس الإيرانية! .. ثم نتوقع من هذه المجموعات على اختلاف مشاربها وثقافاتها وعقائدها أن تبقى موحدة في جماعة واحدة من دون أي تنازع أو تفرق واختلاف ..!
          فتعدد مصادر التلقي والتربية للجماعة يعني زرع الأشواك والعقبات في دروب الوحدة والتآلف بالنسبة للأجيال القادمة، فإن لم تظهر آثارها السيئة عاجلاً لا بد أن تظهر آجلاً، ويكون الثمن باهظاً .. لذا فإننا نؤكد على ضرورة توحيد مصادر التلقي والدراسة التي يتربى عليها النشء ـ والذي سيكون يوماً من الأيام بإذن الله في موضع القيادة والريادة ـ إن كنا نريد للجماعة أن تستمر من دون أن تتعرض إلى نكبات وإرهاصات التقسيم والتفرق إلى جماعات وأحزاب عديدة متنافرة متباغضة ..!
          ولا نرى مصدراً للتربية والتلقين أنقى وأطهر وأعلى وأنفع من الكتاب والسنة، ومن المصادر التي تعتمد الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح من القرون الخيرة الأولى المشهود لها بالخير والفضل .. 
السؤال: بماذا ترشدون القطاع النسائي من المسلمات في كردستان ؟
          الحديث عن المرأة المسلمة ذو شجون .. فقد استطاعت قوى الكفر والردة والنفاق أن يستغلوا المرأة أسوء استغلال؛ حيث جعلوا منها الأداة العظمى لتمرير مخططاتهم ومؤامراتهم وأهدافهم في تمزيق أخلاق الأمة وإفساد شبابها، وإبعادهم عن دينهم الحنيف .. فهي أداتهم في ضرب شباب الصحوة الإسلامية المعاصرة، وهي أداتهم في صد الناس عن هذا الدين .. وهي أداتهم كذلك للقضاء على بقايا الخير والأخلاق الحميدة في جسد الأمة !
          عندما فشلت أنظمة الكفر العالمية والمحلية في إبعاد الناس عن دينهم عن طريق اتباع سياسات الإرهاب والتنكيل، والقهر والسجون، لجاءوا إلى سياسات الإغواء والإغراء، ونشر الإباحية والتحلل .. ومادتهم في كل ذلك هي ” المرأة ” ، التي استطاعوا أن يضموها إلى صفوفهم المعادية لهذه الأمة ولدينها، من خلال شعارات براقة خادعة رفعوها في وجه المرأة والمجتمعات، وهي بمجموعها ـ بعد التأمل والدراسة الهادئة لأهدافها ومراميها ـ لا تخرج عن المطالبة بتحرير المرأة من ثيابها، وأخلاقها، وحشمتها، وحيائها، ودينها، وبعد ذلك فلها كل الإهمال والازدراء لحقوقها ..!!
          وإلا فقل لي كيف تفسر المطالبة ـ وبإلحاح ـ بعمل المرأة، وجلوسها في المكتب ـ دار الخلوة الرسمية ـ بجوار الرجل، بعيداً عن بيتها وأطفالها .. مع وجود آلاف الرجال إن لم يكن الملايين العاطلين عن العمل ..!
          كيف تفسر هذا القلق والضجيج الذي يفتعله إعلام الغرب الصليبي لمجرد وجود قلة من الفتيات المسلمات المحجبات في مجتمعاتهم ومدارسهم لا يتجاوزن تعدادهن أصابع اليد ..؟!
          كيف تفسر الحرص الشديد للدول العلمانية المحلية العملية، على منع وجود الفتيات المحجبات في الجامعات والمدارس، وغير ذلك من مراكز الحكومة .. فالمرأة ـ عندهم ـ لها كامل الحرية في أن تتحرر من كل ثيابها وحشمتها وحيائها، وأخلاقها، ولكن ليس لها الحرية في أن تستر عوراتها وسوءاتها ..!!
لا يوجد سوى تفسير واحد لجميع ما تقدم، وهو أن الطهر والعفاف يؤذيهم، ويفسد عليهم مخططاتهم ومعيشتهم الحيوانية الدنيئة، وقد قالوا ـ هم أنفسهم !! ـ من قبل للوط عليه السلام ومن آمن معه :] أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون[ . وها هم اليوم يقولونها بكل وقاحة وجرأة:أخرجوهم من جامعاتكم ومدارسكم، وبلدانكم .. إنهم أناس يتطهرون .. إنهن فتيات محجبات !! فتشابهت أقوالهم وفعالهم، وقلوبهم ..!
          أما أنت يا أختاه ـ في أي مكان كنت ـ فإني أنصحك نصيحة المشفـق الراجي: أن
تستعصمي بالله العظيم .. واعلمي أنك حصن منيع قد استودعك الله عليه لحمايته ورعايته .. فأنت بالتزامك وحجابك وحسن أخلاقك على ثغرة عظيمة من ثغور الإسلام .. فحذاري أن تؤتى الأمة من قبلك .. حذاري أن يخترق العدو الكافر أخلاق الأمة من قبلك .. حذاري أن يدمر أخلاق شباب الأمة من قبلك ..كوني للشباب المسلم عوناًُ لهم على دينهم وجهادهم في سبيل الله، ولا تكوني للشيطان عوناً على إفساد الشباب والعباد ..
          يحضرني في هذه المناسبة حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :” إذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان “؛ أي يقف على شرفة عالية يتأمل ويدبر كيف يفسد بها العباد والبلاد .. وهذا كله إذا خرجت بكامل حجابها وأدبها وحشمتها، فكيف به إذا ظفر بها متبرجة، مائلة، متعطرة تستشرف الإغواء والفتنة .. لا شك أنه يحقق بها من المفاسد ما لا يستطيع تحقيقه من خلال غزو جيوش الكفر لبلاد المسلمين .. !
          فاتقي الله ـ أختاه ـ في نفسك، وفي أمتك، وفي الشباب المسلم .. ولا يغرك ما يقوله لك شياطين الإنس، فإنهم هم العدو فاحذريهم، وتبرئي منهم في الدنيا قبل أن يتبرءوا منك ـ وممن تابعهم من المستضعفين ـ في الآخرة .. فأنت لنا البنت، والأخت، والأم .. وفي جميع أطوار حياتك معززة مكرمة، مسيدة، مكانك العين والقلب، والرأس .. ولأجلك تزهق الأرواح، وترخص الدماء .. بهذا أمر ديننا الحنيف ونطقت أدلة الكتاب والسنة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
19/ 2/ 1418 هـ.                                       عبد المنعم مصطفى حليمة
25/ 6/ 1997م.                                                    أبو بصير
                                                         www.abubaseer.com
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.