موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

شُبهات مُثارَةٌ حولَ مسألةِ العهدِ والأمان

0 5٬442
بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. 
          استوقفني بعض الأخوان على بعض ما كُتب ونُشر في بعض المواقع والمنتديات الحوارية حول مسألة ” العهد والأمان “، كتعقيب على ما كنا كتبناه في نصيحتنا للأخوة في ” الجماعة السلفية للدعوة والقتال “، في مقالنا المنشور، والمعنون بـ ” نداء إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ليس لكم هذا الحق “.
          وقد طالبني بعض الأخوة بالرد على ما كتب ونُشر .. إذ أن الموضوع يُناقَش بطريقة خاطئة .. ويسير في غير اتجاهه الصحيح!
          وعليه فأقول: فقد وقفت على بعض تلك الردود والتعقيبات التي نُشرت وكُتبت في تلك المواقع والمنتديات .. فوجدتها نوعين:
          نوع من الردود يغلب عليها التلبيس .. والجهل .. والغلو .. والفحش في القول .. وسوء الظن .. وقلة الأدب .. والتحقير لعباد الله .. والكِبر .. والتهييج باسم الحماس الزائد للجهاد والمجاهدين .. زعموا .. وهم من أبعد الناس عما ينبغي للمجاهد في سبيل الله من خُلق رفيع وأدب جم .. وهؤلاء نُعرض عنهم .. وعن ردودهم لأن شغبَهم هذا لا قيمة له في ميزان العلم .. وعملاً بقوله تعالى:] وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55. وعملاً بقوله تعالى:] وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72. وعملاً بقوله تعالى:] وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199.
          ونوع من الردود التزمت بأدب الحوار والخلاف .. وحفظت لأخوة الإسلام والإيمان حقوقها .. وهؤلاء يُشكرون على ذلك .. لكن ـ للإنصاف ـ لم نجد في ردودهم شاهداً أو دليلاً يرقى لأن يكون حجة فيما ذهبوا إليه .. وإنما هي شُبهات واهية جُمعت ونُقلت من مقالات ومواضيع عدة .. تُثار هنا وهناك كلما ورد الحديث عن ضرورة مراعاة العهود واحترامها وعدم الغدر بها .. وعن أهمية ذلك في ديننا الحنيف .. وكأن مئات النصوص الشرعية الآمرة بحفظ العهود وعدم الغدر بها وبلوازمها منسوخة .. أو أنها ليست من ديننا الحنيف!
          وهؤلاء هم المعنيين من مقالنا وردنا هذا .. حيث سنتناول ـ إن شاء الله ـ ما عرضوه ونثروه من شبهات شبهة شبهة .. سائلاً الله تعالى أن يهدينا جميعاً إلى الحق .. وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويزقنا اجتنابه.
          وقبل أن أشرع في تحديد شبهات المخالفين والرد عليها .. يُستحسن من قبيل ترشيد الحوار والرد .. أن نحدد مساحة الاتفاق .. لكي لا ننشغل بها ونقحمها في حديثنا وردنا .. ومساحة الاختلاف؛ موطن النزاع الذي ينبغي التركيز عليه وعدم تجاوزه إلى ما سواه .. ولأن الخلط بينهما يشوش على القارئ؛ طالب الحق!
          أما مساحة الاتفاق: فهي أن كل من دخل من الكافرين بلاد المسلمين محارباً أو معيناً لمحارب بتجسس على المسلمين أو تدريب ونحوه أو إفسادٍ في الأرض .. فهذا لا عهد له ولا أمان .. سواء دخل البلاد بعهد وأمان أو دخلها بغير ذلك .. إذ من لوازم وشروط صحة العهد والأمان أن يأمن الطرفان بعضهما البعض؛ إذ لا يصح الأمان من طرف بينما الطرف الآخر لا يزال متلبساً بالحرب لمن أمنه .. وبعد أن أمَّنه!
          وكذلك من دخل من المسلمين بلادهم بغير عهد ولا أمان .. فهذا في حلٍّ منهم وهم في حلٍّ منه .. وكذلك من دخل من المسلمين بلادهم بعهد وأمان .. لكنه غدر وخان العهد والأمان .. وانقلب إلى صفة المحارب بعد أن أمَّنوه .. فهم كذلك في حلٍّ منه ومن عهدهم وأمانهم له!
          فهذه مساحة متفق عليها .. لا يُستساغ إقحامها فيما اُختُلِف فيه!
أما المساحة المختلف عليها، وعليها مدار النزاع: أن كل من دخل من الكافرين على غير صفة المحاربة بلاد المسلمين بعهد وأمان من آحاد المسلمين أو بعضهم .. سواء كان الأمان لفظياً أو عرفياً .. ثم هو لم يأت بما يُفسد عقد الأمان ويُبطله شرعاً .. فهذا ـ على قول المخالفين ـ يجوز قتله، وترويعه، والاعتداء على حرماته .. كما يجوز إخفار ونقض عهد وذمة من أمَّنه من المسلمين!
وكذلك من دخل من المسلمين بلادهم بعهد وأمان .. سواء كان الأمان الذي أعطوه إياه أماناً لفظياً أو عرفياً .. يجوز له ـ على قول المخالفين ـ سرقتهم، ومحاربتهم، وترويعهم، وانتهاك حرماتهم .. كما لو دخل بلادهم محارباً مقاتلاً!
هذه هي مساحة الاختلاف، وهذا هو مكمن النزاع الذي ينبغي مناقشته والوقوف عنده .. وعدم الخلط بينه وبين ما اتّفق عليه .. وفي مقالنا هذا سنتناول ـ إن شاء الله ـ بشيء من الرد والتمحيص شبهات المخالفين التي حملتهم على هذا القول الشاذ والغريب[[1]]، وإليك هي:
          ـ الشبهة الأولى: قالوا: المسلمون مقهورون في بلادهم من قبل حكام مرتدين .. وبالتالي فمن كان مقهوراً كيف يُعطي الأمان للآخرين .. ففاقد الشيء لا يعطيه .. وعليه فإن أمانه للآخرين باطل .. وبالتالي من دخل من الكافرين بأمان المسلمين المقهورين .. فلا أمان ولا عهد له .. وهو لا يزال على وصفه الأول كمحارب؟!
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: أن هذا القول .. وهذا الشرط .. مُحدَث .. لا دليل عليه من الكتاب والسنة .. ولم يُعرف من قبل .. ولم يقل به سلف ولا خلف .. لذا عددناه من جملة الشبهات!
          ومنها: أن المسلم إذ يؤمِّن الكافر الوافد فهو يؤمِّنه من نفسه وممن ينفذ أمانه عندهم من المسلمين .. وأمان كهذا لا بد من أن ينفذ ويوفى به لأنه مقدور عليه .. فالمسلم لا يؤمن الكافر من الكافرين، وإنما يؤمنه من نفسه ومن المسلمين .. وهذا أمر مقدور عليه.
          ومنها: أن الكافر الوافد آمن من جهة الحاكم المرتد .. فلا توجد له مشكلة مع الحاكم المرتد وسلطته .. وإنما مشكلته مع المسلمين .. ومع من أمنه من المسلمين .. ثم هم يغدرون به!
          ومنها: أن الأمان أمر نسبي فهو يُعقد من دولة نحو دولة .. ومن دولة نحو جماعة أو فرد .. ومن فرد نحو فرد، ومن فرد نحو جماعة، ومن فرد نحو دولة .. فلا يُشترط لصحة الأمان أن يكون للمسلم دولة وسلطان .. وهذه النماذج كلها قد تكلم عنها الفقه الإسلامي.
          ومنها: أن المسلم يلتزم بأمانه للكافرين في دارهم ومجتمعاتهم .. ويحفظ لهم ذلك .. فكيف لا يلتزم بأمانه لهم في داره، وفي مجتمع أهله من المسلمين .. باستثناء الحاكم وطائفته؟!
          أيكون أمان المسلم لهم وهو في دارهم ومجتمعاتهم نافذ .. بينما أمانه لهم وهو في داره ومجتمعه وبين أهله وإخوانه من المسلمين غير نافذ؟!
          ثم أرأيتم لو أن مسلماً دخل دار حرب خطأ من غير عهد ولا أمان .. فهو يتوجس الخوف والريبة من كل من يراه .. ثم انفرد بكافر فقال له دلني على الطريق الذي يؤدي إلى الخروج من دياركم والوصول إلى دار الإسلام وإلا قتلتك .. فقال له الكافر أمني على نفسي وأدلك على الطريق .. فقال له المسلم: أنت آمن .. ففعل الكافر ودله على الطريق .. والسؤال: هل يجوز للمسلم أن يقتل هذا الكافر بعد أن أمَّنه؟!
          فإن قيل: نعم، فهو الغدر الصريح الذي لا خلاف عليه ..!
          وإن قيل: لا، لا يجوز أن يقتله .. بل يجب عليه أن يفي له بأمانه وعهده .. وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه.
          نقول: كيف يمضي أمان هذا المسلم لهذا الكافر وهو في دار الكفر والحرب خائف غير آمن من المجتمع ولا من الناس، ولا من حكومتهم وحاكمهم .. ثم لا يمضي أمانه له وهو في داره ومجتمعه يعيش مع المسلمين وبينهم بأمان من بعضهم البعض؟!
          من خلال هذه الأوجه مجتمعة يظهر بطلان وتهافت وضعف هذه الشبهة .. وبذلك نكون ـ بعون الله ـ قد انتهينا من الرد عليها، لننتقل إلى الشبهة الثانية من شبهات المخالفين.
          ـ الشبهة الثانية: قالوا: يغلب على المسلمين في ديارهم الفسق .. فهم فساق .. فأمانهم غير نافذ .. وبالتالي أيما كافر يدخل بلاد المسلمين بأمان وذمة هؤلاء الفساق فلا عهد له ولا أمان ..؟!
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: أن هذا القول مخالف للنص ولإجماع المسلمين الدال على أن المسلمين يمشي بذمتهم أدناهم شرفاً ووجاهة، وأدناهم تديناً والتزاماً .. حتى العبد المملوك ـ على القول الراجح ـ فإن أمانه لازم، وهو يمضي بين المسلمين لا يجوز نقضه ولا إخفاره! 
          قال الشيباني في السير 1/175: أمان الرجل الحر المسلم جائز على أهل الإسلام كلهم عدلاً كان أو فاسقاً، لقوله صلى الله عليه وسلم:” المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، والمراد بالذمة العهد مؤقتاً كان أو مؤبداً ا- هـ.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم؛ فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل “البخاري.
          قال ابن قدامة في المغني 9/195: وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب، حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم، ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكراًَ كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، وبهذا قال الثوري والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن القاسم، وأكثر أهل العلم ا- هـ.
          وفي الاستذكار لابن عبد البَر 14/87: أمان الرفيع والوضيع جائز عند جماعة العلماء، وأمان العبد والمرأة عند الجمهور جائز ا- هـ.
          ومنها: أن هذا القول مبني على سوء الظن بالمسلمين .. والظن لا يغني من الحق شيئاً .. فليس بالظن تُنقض العهود .. وتُسفك الدماء .. هذا على فرض صحة القول!! 
          ومنها: أن من لوازم هذا القول أن يكون الكافر المستأمَن من علماء الجرح والتعديل ..
ليحسن التمييز بين المسلم العدل والمسلم الفاسق المجروح العدالة .. فيطلب الأمان من المسلم العدل دون المسلم الفاسق .. وهذا من غير الممكن .. ولم يقل به عالم!!
          ومنها: أن الأمان يُعقد على ما يعتقده المستأمَن أماناً .. لا على ما يعتقده المؤمِّن .. فإن دخل بلاد المسلمين بعقد فاسد اعتقده صحيحاً .. بُين له فساد وبطلان عهده وعقده .. ومنع من الإقامة .. ورُد إلى مأمنه .. وليس للمسلمين عليه سلطان قبل أن يبلغ مأمَنه وموطنه!
          ـ الشبهة الثالثة: قالوا: أمريكا دولة محاربة للإسلام والمسلمين .. وقد غزت أكثر من بلدٍ إسلامي .. وبالتالي لا عهد ولا أمان لها .. ولا لأحدٍ من أفرادها .. ولو أعطي أحد أفرادها أماناً في أي بلدٍ من بلاد المسلمين فأمانه باطل وغير مُلزم؛ لما تقوم به حكومته ودولته من حربٍ صريحة ومعلنة على الإسلام والمسلمين!
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: أن هذه الشبهة خلطت بين حق وباطل: أما الحق فهو يكمن في توصيف أمريكا بأنها دولة طاغية ومحاربة للإسلام والمسلمين .. وهي متلبسة عملياً وواقعاً في حرب مباشرة ومستمرة مع المسلمين في أكثر من قطر من أقطارهم .. وبالتالي فهي كحكومة وكدولة وعسكر وجيش لا عهد لها ولا أمان مع من تحاربهم .. حيث يجب جهادها وقتالها ورد عدوانها عن بلاد المسلمين وحرماتهم .. ولكن في ساحات القتال وميادينه المشروعة[[2]].
          أما الباطل: هو اعتبار أن كل فرد من أفراد الشعب الأمريكي .. والذي يُقارب تعداده ”  280 ” مليون نسمة، لا عهد له ولا أمان لو أُمِّن أحدهم من آحاد المسلمين أو بعضهم .. لكون حكومته في حرب مع الإسلام والمسلمين!
          ومنها: أن قريشاً كانت تتزعم الحرب على الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم .. ومع ذلك لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمَّن أهلها وقال: من دخل المسجد الحرام ـ من المشركين ـ فهو آمن .. ومن
دخل بيته فهو آمن .. ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..!
          وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لأم هانئ لما أمنت أثنين من المشركين .. ـ وكان ذلك يوم فتح مكة وكان أخوها علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يريد قتلهما ـ:” قد أمنا من أمنت وأجرنا من أجرت يا أم هانئ “.
          ومنها: أن الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى كانت في حرب ضروس مع دولتي الفرس والروم ومع ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان .. قال لا أمان لأحد من رعايا الفرس والرومان .. لأن حكومتهما ودولتهما في حرب مع الإسلام والمسلمين .. ولو أمن أحدهم من قبل بعض المسلمين فأمانه مردود وباطل .. ووجود الأمان وعدمه سواء!!
          ومنها: أن الأمان يُعطى لمن يريد أن ينتقل من صفة المحارب المقاتل إلى صفة المسالم الآمن الغير محارب .. وليس من صفة المسالم إلى صفة المسالم .. فكون شعب من الشعوب يحارب الإسلام ويُقاتل أهله .. فهذا لم يكن مانعاً من قبول أمان من أراد منهم أن ينتقل إلى صفة المسالم الآمن الغير محارب إن وجد من يؤمنه من المسلمين .. فالأمان يُعطى للمقاتل المحارب ليصبح بالأمان غير محارب ولا مقاتل! 
          ومنها: لا يوجد ما يمنع شرعاً أن تؤمِّن كافراً وتأمَن جانبه .. وفي المقابل تقاتل كافراً آخر .. وتعامل كلاً منهما بما يستحق .. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” ستصالحون الروم صلحاً آمناً، وتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم “[[3]]. فهذا وارد في الشريعة. 
          ومنها: أن هذا القول مفاده أن تُحرَم شعوب بكاملها تُعد بمئات الملايين من حقها بطلب الجوار والأمان ـ لو شاءت ـ لكي يسمعوا كلام الله .. كما قال تعالى:]وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [التوبة:6.
          ومنها: أن هذا القول يحمل الطرف الآخر ـ وهم مئات الملايين من الشعوب ـ على أن يستميتوا في الحرب والقتال .. والدفاع عن النفس .. لأنهم ليس لهم أمان ولا عهد ولا ذمة عند المسلمين .. وهم ليس لهم إلا القتل والسيف ..!!
          ومنها: لو قُبل شرعاً وعقلاً هذا القول لخرج لنا من يقول: كذلك لا يجوز أن يُعطى لأحد من الشعب الروسي عهد ولا أمان .. ولا الأمة الهندية .. ولا الصينية .. ولا غيرها من الأمم والشعوب؛ لأن حكومات هذه الشعوب تُحارب الإسلام والمسلمين .. وهكذا إلى أن تُصبح النصوص الشرعية التي تُعد بالمئات والتي تحض على الوفاء بالعهد .. وعدم الغدر .. وعلى تأمين من يطلب الأمان والجوار .. حبراً على ورق لا واقع لها!!
          من خلال هذه الأوجه وغيرها يُعلم بالضرورة بطلان وتهافت هذه الشبهة .. لننتقل إلى الشبهة التي تليها، وهي:
          ـ الشبهة الرابعة: قالوا: الشعب الأمريكي وغيره من الشعوب الأوربية هي التي تنتخب حكامها .. وتوصلهم إلى سدة الحكم .. وتدفع لهم الضرائب .. وهذا يعني أن هذه الشعوب ترتضي سياسة وأفعال حكامها .. وبالتالي فالأمان الذي يُعطى لهم ـ سواء وهم في بلادهم أو هم في بلاد المسلمين ـ أمان باطل وفاسد .. وعليه يجوز الغدر بهم .. والاعتداء على حرماتهم!
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: أن هذا الكلام باطل شرعاً وعقلاً؛ لا دليل عليه من الكتاب والسنة .. ولم يقل به عالم من قبل!
          فإن قيل: قولك عن هذا الكلام بأنه باطل، ولا دليل عليه .. هو الذي يحتاج إلى دليل .. فأين الدليل؟!
          أقول: قد ثبت بالدليل القطعي والمتواتر وجوب الوفاء بالعهد .. وحرمة الغدر .. والذي يقيد هذا الأصل المحكم القطعي الدلالة والثبوت .. بشرط معين .. هو الذي يجب عليه أن يأتي بالدليل على شرعية هذا الشرط .. وليس النافي له!
          ومنها: أن جميع الأمم والشعوب قبل الإسلام وبعده وإلى يومنا هذا .. كانت تفرز حكامها .. وتشارك في سياسة حكوماتها .. ولو بشكل متفاوت .. وتدفع لهم الضرائب طواعية أو كرهاً .. ولم يكن ذلك مبرراً ـ يوماً من الأيام ـ للغدر بالعهد والأمان .. أو أن يُقال: لا عهد ولا أمان لمن يختار حكامه .. ويدفع لهم الضرائب .. ولو أمّن أحدهم جاز الغدر به لأجل ذلك!!
          لم يثبت ذلك عن أحد من علماء الأمة .. فكيف ندعي الاقتداء بخير من سلف .. ثم نحن نبتدع أموراً في ديننا لم نُسبق إليها!
          ومنها: أن الجندي المحارب المقاتل منهم لو وضع السلاح وتخلى عن صفة المحاربة .. وطلب الأمان والجوار من المسلمين لجاز لهم أن يؤمنوه ويُجيروه كما تقدم .. فكيف بدافع الضرائب .. أو الذي يُشارك في الانتخابات الحكومية؟!!
          ومنها: أن المسلمين في هذا الزمان يدفعون الضرائب لحكامهم المرتدين .. طواعية أو كرها .. ويُمارسون نوع مشاركة في حكوماتهم ومؤسساتهم .. فهل يُهدر دمهم .. ويُغدر بهم من أجل ذلك؟!
          فإن قيل: أولئك كفار .. وهؤلاء مسلمون؟
          نقول: العلة التي حملتكم على القول بالغدر بالكفار وعدم قبول أمان أحدهم ولو أمِّن من قبل المسلمين .. هو كونهم يدفعون الضرائب لحكوماتهم .. وليس كونهم كفاراً .. فالكفر لا يجوز أن يكون مانعاً من قبول أمان وعهد من استجار منهم بالمسلمين أو استأمنهم لحاجة ولفترة زمنية محددة .. فكيف يصح الغدر بالكافر لكونه يدفع الضرائب .. ولا يصح الغدر بالمسلم لكونه يدفع الضرائب لحاكم ونظام مرتد .. علماً أن العلة عندكم التي تبرر الغدر ونقض العهد وخفره هي دفع الضرائب؟! 
          ومنها: كان المسلمون ولا يزالون يدخلون بلاد الكفر بأمان .. ولا يُشترط عليهم أن يبغضوا حكامهم .. أو أن لا يدفعوا لهم الضرائب .. فكيف نقابلهم بما لم يُقابلوننا به؟!!
          ومنها: لو كان هذا السلوك ـ دفع الضرائب واختيار الحكام ـ له أدنى أثر على شرعية وفعالية العهود والأمان التي تُعطى للآخرين .. يمكن أن يُقال ـ وهذا من الإنصاف ـ أن الحكام والحكومات التي لا تجمع الشعوب على اختيارها .. أو لا يكون اختيارها بنسبة 99،9% من أصوات الناخبين .. هي الحكومات الأمريكية والغربية .. حتى أن الطاغية جورج بوش رئيس أمريكا الحالي كانت نسبة الأصوات التي أفرزته للحكم لا تتجاوز 51% .. وشعبيته الآن ـ كما تفيد بعض الاستطلاعات ـ تتناقص شيئاً فشيئاً .. وهاهي المظاهرات التي تخرج معارضة لسياسة حكام وحكومات الغرب من الأوربيين أنفسهم هي أكثر بكثير من المظاهرات التي تخرج في بلاد المسلمين .. فكيف يُقال بعد ذلك كله أن الشعوب بكاملها ترتضي سياسة حكامها .. وبالتالي لا بد من محاسبتها ومعاقبتها .. والغدر بها مباح وحلال؟!! 
          ـ الشبهة الخامسة: قالوا: الصحيح أن التأشيرة تعتبر كعقد الأمان عرفاً، ولا بد من الوفاء بهذا العقد، فمن دخل بلاد الكفار ولو كانوا حربيين عن طريق التأشيرة فقد أمنهم، فلا يجوز له بعد ذلك الغدر سواء في أنفسهم أو أموالهم، ومن فعل ذلك فإنه يدخل تحت الوعيد الشديد  .. ولكن الشعب الأمريكي كامل يكمل بعضه بعضا؛ لأنه لا وزن للرئيس ولا للبنتاجون ولا للجيش بدون الشعب، ولو خالفوا أهواء الشعب في سياستهم لأطاحوا بهم كما هو معروف، ولا ينفرد بهذه الدولة الحكومة فقط، بل دولتهم كأنها مشاعة لكل واحد منهم من الأسهم فيها بقدره وبحسبه، فإذا علمت هذا تبين لك أنهم كشخصية اعتبارية أشبهت من هذا الوجه كعب بن الأشرف الذي حث الرسول صلى الله عليه وسلم على قتله وهذا هو حال الأمريكان في هذا الزمن، فليسوا محاربين فقط، بل هم أئمة الكفر في هذا الزمن، وممن عظم إيذاؤهم لله ولرسوله وللمسلمين .. وبالتالي فأمانهم ليس بأمان معتبر سواء من دخل منهم بلاد المسلمين بأمان أو من دخل من المسلمين ديارهم بأمان .. شأنهم في ذلك شأن كعب بن الأشرف حيث أعطاه الصحابة عبارات الأمان ومع ذلك قتلوه واغتالوه .. وهكذا ينبغي الموقف من الشعب الأمريكي!!
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: أن كعب ابن الأشرف كان طاغية قومه يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويطعن به، ويؤلب عليه .. ويُحرض قريشاً على قتاله .. ويتشبب بنساء المؤمنين من الصحابيات الفاضلات رضي الله عنهن جميعاً .. فانتقض بذلك عهده وأمانه .. فهل الشعب الأمريكي الذي يبلغ تعداده ” 280 ” مليون نسمة، كلهم فعلوا ما فعله الطاغية كعب بن الأشرف .. وهل ثبت عنهم جميعاً أنهم شتموا النبي صلى الله عليه وسلم وهجوه وسبوه بأشعار وغير ذلك كما فعل كعب .. لكي يُقاسوا على كعب بن الأشرف .. ويُحمل عليهم ما حُمل وقيل في كعب بن الأشرف ..؟!!
          هل يستطيع صاحب هذه الكلمات أن يُثبت بالدليل القطعي عن ألف أو ألفين من الأمريكيين أنهم فعلوا ما فعله الطاغية كعب بن الأشرف .. ووقعوا فيما وقع فيه من هجاء، وطعن، وسب صريح لشخص النبي صلى الله عليه وسلم .. فداه نفسي ..؟!
          فإن كان الجواب: لا .. ولا بد من أن يكون لا .. وهذا ما يقتضيه العدل والإنصاف .. فكيف يثبته إذاً لمئات الملايين منهم .. ويُصدر عليهم نفس الحكم الذي صدر على الطاغية كعب ابن الأشرف ..؟!!
          ومنها: أن ما ذُكر في الشبهة أعلاه عن الشعب الأمريكي .. وعن دوره في اختيار حكامه .. وتحديد سياسة البلد .. لا يرقى بحال إلى درجة ما فعله الطاغية كعب ابن الأشرف من تشهير وطعن .. فكيف يُقاسوا عليه ..؟!!
          أبمثل هذا القياس الفاسد .. تُنتقض العهود .. وتُخفر الذمم .. وتُنتهك الحرمات .. وتُسفك الدماء؟!!
          ومنها: أن هذا الذي ذُكر في الشبهة عن الشعب الأمريكي .. يُذكر ويُقال عن الشعوب الأوربية كلها .. واليابانية .. والكورية .. وغيرها، فهل يُقال كذلك: الشعوب الأوربية واليابانية .. كشخصية اعتبارية حكمها حكم كعب بن الأشرف .. لا يجوز أن يمضي لهم عهد ولا أمان؟!!
          فأي فقه هذا .. ومن قال بهذا القول ممن سلف .. أن تؤخذ مئات الملايين بجريرة شخص أو أشخاص!!
          ومنها: أن هذا القول الغريب معارض للمحكم من ديننا الدال على أن المرء لا يجوز أن يؤخذ بجريرة غيره، كما قال تعالى:] وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164.
          وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه “[[4]]. 
          ومنها: أن جريمة الطاغية كعب ابن الأشرف جنت على نفسه وحده دون أحدٍ من بني قومه من يهود .. علماً أنه كان سيد قومه وزعيمهم .. فعلام نحن نعمم حكمه على مئات الملايين من الشعوب المعاصرة .. لم يفعلوا فعله، ولم يقولوا بقوله؟!
          ومنها: أن الإسلام لا يُعادي ولا يُحارب على أساس الجنسية .. أو لمجرد الانتماء لوطنٍ معين أو قوم معين .. وإنما على أساس الأقوال، والأفعال، والمواقف الظاهرة .. أياً كان صاحبها .. وكانت جنسيته .. أو كان وطنه .. ومن دون تعميم .. فكفى بالمرء إثماً أن يهجو قوماً بأكملهم؛ لأن فيهم الصالح والطالح فلا يجوز أن يستويان، كما في الحديث:” إن أعظم الناس جرماً إنسان شاعر يهجو القبيلة من أسرها “[[5]].
          فالإسلام جاء بالعدل .. وأمَر بالعدل .. ونُصر بالعدل .. ومن عدله أن ينصف أعداءه كما ينصف أتباعه، كما قال تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8.
          ـ الشبهة السادسة: قالوا: يُقاتلون المسلمين ويُحاربونهم في أكثر من بلد من بلاد المسلمين .. في فلسطين .. وفي العراق .. وفي أفغانستان .. وفي الشيشان .. وفي غيرها من الأمصار .. وبالتالي فلا عهد ولا أمان لأحد منهم .. فمن دخل من المسلمين بلادهم بعهد وأمان استثنائي فهو غير ملزم بهذا العهد والأمان .. وله أن ينتهك حرماتهم .. وكذلك من دخل منهم بلاد المسلمين بعهد وأمان استثنائي .. فلا عهد ولا أمان له .. لأن العهد والأمان منتقض بما تعلنه حكوماتهم وبلدانهم من حرب على الإسلام والمسلمين في كثير من الأمصار!
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: قد تقدم أن محاربة المسلمين للكافرين المحاربين .. لا يمنع شرعاً من دخول بعض المسلمين في عهد وأمان استثنائي وخاص بهم مع هؤلاء الكافرين .. وكذلك محاربة الكافرين للمسلمين لا يمنع دخول بعض الكافرين في عهد وأمان استثنائي وخاص بهم مع المسلمين .. مع بقاء الحرب مع الكافرين المحاربين الآخرين.
          كما في صلح الحديبية؛ حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم في صلح وأمان مع كفار قريش .. بينما كان الصحابي أبو بصير ومن معه من المسلمين محاربين مقاتلين لكفار قريش؛ لعدم دخولهم في الصلح .. وفي سلطان الدولة الملتزمة بهذا الصلح .. ولأن الصلح لم يكن يشمل من كان حالهم ووصفهم كحال ووصف أبي بصير ومن معه رضي الله عنهم أجمعين.
          فلا يُشترط لدخول الكافر أو بعض الكافرين ـ قلوا أم كثروا ـ في أمان وعهد المسلمين أن يكون جميع الكافرين، وفي جميع أمصارهم .. غير محاربين للمسلمين ..! 
          ومنها: أن أبا بكر الصديق صلى الله عليه وسلم دخل في أمان وجوار ابنُ الدُغنة .. ليأمن على نفسه فتنة قومه .. وفي الوقت التي كانت فيه قريش تحارب وتعذب بقية المسلمين وتفتنهم عن دينهم!
          وكذلك عثمان بن مظعون رضي الله عنه .. دخل في أمان وجوار الوليد بن المغيرة .. في الوقت التي كانت فيه قريش تعذب وتفتن وتحارب بقية المسلمين .. لتصدهم عن دينهم!
          ونحو ذلك دخول النبي صلوات ربي وسلامه عليه في أمان وجوار المطعم بن عدي .. يوم أن عاد من الطائف .. ولاقى من قومه ما لاقاه ..!!
          وكذلك دخول بعض الصحابة في أمان وجوار الحاكم النجاشي في الحبشة .. وكان وقتها لا يزال على الكفر .. بينما البقية الباقية من الصحابة كانوا يُعذبون ويُفتنون في دينهم على أيدي طواغيت وكفار قريش!
          وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل ـ والده ـ قال: فأخذَنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، فقال:” انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم “.
          تأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يُقاتل كفار قريش في أعظم وأشرف موقعة عرفها التاريخ وإلى يوم القيامة .. بينما في المقابل حذيفة ووالده يجتنبان القتال ـ بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ـ وفاء بالعهد والميثاق الذي قطعاه لكفار قريش!
          والشاهد مما تقدم أن مثل هذا يحصل .. والشريعة الإسلامية قد أقرته .. وهو غير مبرر لنقض العهد والأمان.
          قال الشافعي في الأم 4/293: وإذا دخل جماعة من المسلمين دار الحرب بأمان فسبى
أهل الحرب قوماً من المسلمين لم يكن للمستأمنين قتال أهل الحرب عنهم حتى ينبذوا إليهم، فإذا نبذوا إليهم فحذروهم، وانقطع الأمان بينهم كان لهم قتالهم، فأما ما كانوا في مدة الأمان فليس لهم قتالهم ا- هـ. فتأمل!
          ـ الشبهة السابعة: قالوا: من الأدلة الدالة على عدم مضي أمان من دخل في عهد وأمان المسلمين في بلادهم من الكافرين ما فعله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما أعطى الأمان لأمية بن خلف .. بينما بلال رضي الله عنه ومن معه من الصحابة لم يقبلوا منه ذلك وأصروا إلا أن يقتلوا أمية بن خلف .. إلى أن قتلوه؟
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: أن الوفاء بالعهد وعدم الغدر هو المحكم في ديننا .. وكل ما ظهر أنه يناقضه أو يُخالفه فهو متشابه لا بد من أن يُرد إلى المحكم، ويُفسر على ضوئه. 
          ومنها: أن أمية بن خلف كان طاغوتاً كبيراً، ورأساً وزعيماً من زعماء الكفر؛ يقود الحرب ضد الإسلام والمسلمين .. ويفتن المسلمين عن دينهم، ولقد طال بلالاً رضي الله عنه الحظُّ الأوفر من فتنته يوم أن كان في مكة! 
          ومنها: أن أمية بن خلف كان أسيراً قد وقع في الأسر وكان من جملة أسرى بدر؛ أي لم يطلب العهد والأمان وهو حر طليق قبل أن يقع في الأسر ثم وجد من يؤمنه .. فعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أخذ أمية بن خلف كأسير حرب، وليس كمعاهد ومستأمن، وكان يأمل بأن يفديه بالمال الكثير كأسير .. لذا تجرأ بلال ومن معه من المسلمين على قتله، ولم يأبهوا لحماية عبد الرحمن بن عوف له، لما مضى منه من عداء شديد للإسلام والمسلمين. 
          وحكم الأسير يختلف عن حكم المعاهد المستأمن؛ فالأسير ليس له في الإسلام إلا واحدة من ثلاث: القتل، أو الفداء، أو المن، بينما المعاهد المستأمن لا يجوز أن يُجرى  عليه شيء من ذلك.
          وإليك ما يدل على هذا المعنى من رواية ابن هشام عن ابن إسحاق: قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: حتى إذا كان يوم بدر مررت به ـ أي بأميَّة بن خلف ـ وهو واقفٌ مع ابنه علي بن أمية، آخذ بيده، ومعي أدراع قد استلبتها، فأنا أحملها. فلما رآني قال لي: يا عبد عمرو، فلم أجبه؛ فقال: يا عبد الإله؟ فقلت: نعم، قال: هل لك فيَّ، فأنا خير لك من هذه الأدرع التي معك؟ قال: قلت: نعم، قال: فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ قال ثم خرجت أمشي بهما.
          قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرني افتديتُ منه بإبل كثيرة اللبن.
          فلما رآه بلال قال: رأس الكفر أُمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قلت ـ أي عبد الرحمن ابن عوف ـ: أي بلال أبأسيرَي ..؟!
          وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: يرحم الله بلالاً، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري ا- هـ. أي لم يستفد من الأدرع التي استلبها في المعركة؛ حيث رما بها من أجل أسيريه، ولم يستفد من أسيريه أمية ابن خلف وولده حيث قتلا!
          فإن علمت ذلك أيها القارئ علمت أن مسألتنا مسألة العهد والأمان في واد، وما استدل به المخالفون من قصة مقتل أمية بن خلف في واد آخر! 
          ـ الشبهة الثامنة: قالوا: هؤلاء المعاهدين المستأمَنين يدخلون بلاد المسلمين بتأمين من قبل الحاكم المرتد .. وأمان الحاكم المرتد غير نافذ ولا مُلزم .. وبالتالي فهذا الذي يزور بلاد المسلمين ـ بعهد وأمان من الحاكم المرتد ـ يزورها بغير أمانٍ صحيح .. وهو بذلك على أصله الأول ككافرٍ محارب حلال الدم والمال ..!  
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: الطريقة الوحيدة التي تمكن الناس من التنقل والحركة، ودخول البلدان الأخرى .. والمتعارف عليها بين جميع الشعوب في الأرض في زماننا المعاصر .. والتي تمكنهم من تحقيق قوله تعالى:] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13. هي الطريقة التي يتم من خلالها الحصول على  الفيزة أو التأشيرة التي تسمح للمرء بدخول بلد التأشيرة .. وعليه لا بد من الاعتراف والإقرار بأن تأشيرة الدخول التي يحصل عليه الزائر أو الوافد هي بمثابة عقد عرفي وفي كثير من الأحيان ترقى إلى درجة العقد اللفظي بين الجهة المانحة للتأشيرة والممنوحة له بحسب صيغة العقد أو الطلب الذي يتم التوقيع عليه من الطرفين .. وبالتالي لا بد من الوفاء والالتزام بما يقتضيه هذا العقد من مراعاة واحترام لعهود وحرمات من دخل البلاد بمثل هذا العقد.
          فتأشيرة الدخول المتعارف عليها بين جميع الشعوب هي بمثابة صيغة تنظيمية تنظم عملية الدخول والخروج .. وتحدد الحقوق والواجبات على الزائر أو الوافد والبلد المضيف .. وهي تمثل جميع شعوب الأرض .. أكثر من كونها تمثل شخص الحاكم أو من ينوب عنه .. لذا نجد الزائر أو الوافد عندما يُراجع أية دائرة أو مؤسسة خاصة كانت أو عامة .. أول ما يُسأل عن تأشيرة الدخول وعن مدى صلاحيتها .. هذا واقع نعايشه لا بد من الاعتراف به والتعامل معه! 
          ومنها: أن الزائر أو الوافد إذ يحصل على تأشيرة الدخول لبلد التأشيرة فهو يكون في اعتقاد تام أنه في أمان واستئمان .. لا يجوز أن يعتدي عليه أحد من البلد المضيف .. لاعتقاده أن تأشيرة الدخول هي عبارة عن عقد أمان .. والعبرة كما تقدم فيما يعتقده المؤمَّن أنه أمان وليس المؤمِّن .. فقد نص أهل العلم على أن المسلم لو أشار للكافر المحارب أن تعال أريد أن أقتلك .. فرمى الكافر بسلاحه على الأرض .. وجاءه مسالماً ظاناً أنه قال له تعال فأنت آمن .. قال أهل العلم يجب على المسلم حينئذٍ أن يؤمنه أو يرده إلى مأمَنه الذي جاء منه قبل أن يمسه بأي سوء .. تحرجاً من الوقوع في الغدر، فتأمل!
          ومنها: علام إذا دخل المسلم بلادهم بتأشيرة دخول تراه يطالبهم بما يستحقه من أمن وحماية وخدمات تلزمهم بها مجرد حصوله على فيزة أو تأشيرة بلادهم .. بينما لو دخل أحدهم بلادنا بتأشيرة دخول لا نلتزم له بشيء من ذلك .. وترانا نهون من شأنه وشأن الغدر به .. أهكذا تكون المعاملة بالمثل .. حيث تُقابل الحسنة بالسيئة؟!
          ومنها: أن كفر وردة كثير من حكام المسلمين المعاصرين غير متفق عليه بين المسلمين وعلمائهم وللأسف .. فكيف ترون أن نلزم الآخرين على أن يتفقوا على ما نحن اختلفنا فيه؟!!
          ومنها: من المعلوم من ديننا أن أية عبارة ترحيب يقولها المسلم ـ أي مسلم ـ للكافر؛ كأن يقول له: مرحباً .. لا عليك .. أهلاً وسهلاً .. لا تخف .. اطمئن .. لا تقلق .. أنت في دارك وبلدك .. هذه بلدك الثاني .. وغيرها من العبارات الترحيبية الشائعة .. فهي بمثابة عقد وتأمين لفظي له يجب الوفاء وعدم الغدر به .. والمتعارف أن الوافد أو الزائر أو السائح منهم يحصل على عشرات العبارات هذه من المسلمين ابتداء من شركة الطيران التابعة للبلد المضيف .. مروراً بالمطار .. إلى ترحيب الناس بهم في الشوارع والمطاعم والفنادق ـ هذا إذا لم يكن في الأصل متعاقداً للعمل في بعض الشركات أو المؤسسات أو المعاهد الخاصة التابعة لبعض المسلمين ـ هذا الترحيب كله يغلظ العهود والأمان ويقويه ويزيده متانة وصلابة .. تهون وتضعف أمامه شبهة كونه لم يؤمَّن إلى من جهة الطاغوت الحاكم!  
          ـ الشبهة التاسعة: قالوا: لا يلزم المجاهدون أمان عامة المسلمين لغيرهم .. كما لا يلزمهم أمان الحاكم .. هذا إذا كان مسلماً فكيف إذا كان كافراً مرتداً .. بدليل قصة الصحابي أبي بصير رضي الله عنه ومن معه من المسلمين .. حيث كانوا يُقاتلون مشركي قريش .. ولم يلتزموا بما كان من عهد وأمان وفق صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين وبين مشركي قريش .. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم ذلك!
          الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
          منها: أن أبا بصير ومن معه من المسلمين كانوا يتحركون ويُقاتلون خارج حدود سلطان
الدولة الإسلامية التي كانت تخضع لبنود اتفاق صلح الحديبية .. وفي منطقة اسمها ساحل البحر طريق قريش إلى الشام .. وما كان كذلك جائز لا نقول بخلافه.
بينما لما التجأ أبو بصير رضي الله عنه في أول الأمر إلى المدينة المنورة والتي كانت تمثل الدولة الملتزمة ببنود اتفاق صلح الحديبية رده النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعه إلى الرجلين اللذين جاءا من قريش لاستلامه .. وفاء بالعهد وبما تم الاتفاق عليه في صلح الحديبية.
قال ابن حجر في الفتح 5/411: وفي رواية ابن إسحاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” يا أبا بصير إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك ” فقال: أتردني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبونني ؟! قال:” اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً “. فكان هذا الفرج والمخرج أن مكَّن الله أبا بصير ـ وهو في طريقه معهما إلى مكة ـ من التخلص منهما .. كما في قصته المعروفة.
ومنها: أن الصحابي أبا بصير لم يكن يعيش مع المسلمين وبينهم .. ثم خفر ذممهم وعهودهم .. لكي يُقال أنه لم يلتزم بعهود وأمان المسلمين لغيرهم .. وبالتالي فإن مجاهدي هذا الزمان لهم قدوة ودليل فيما فعله الصحابي أبو بصير رضي الله عنه ..!
فأبو بصير رضي الله عنه كان منحازاً عن حدود الدولة الإسلامية .. وحدود جميع القبائل المتحالفة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والملتزمة ببنود واتفاق صلح الحديبية .. حتى لا يخفر ذمة أحدٍ منهم .. ويقع في شبهة غدرٍ .. فهل المخالفون لنا هم كذلك .. أم أنهم يعيشون بين أسواق وأحياء .. وفي منازل المسلمين .. وبالتالي يستهدفون من يدخل في عهدهم وأمانهم وذمتهم من غير المسلمين؟!
لذا لا يوجد شَبَه بين ما كان عليه الصحابي أبو بصير رضي الله عنه .. وبين بعض مجاهدي هذا العصر الذين يُقاتلون في مجتمعات المسلمين .. وبين أحياء .. وشوارع .. ومنازل المسلمين .. لكي يصح قياس واقعهم على واقع الصحابي أبي بصير رضي الله عنه.
ومنها: وعليه فإن الذي يعيش في مجتمعات المسلمين وبين أظهرهم ثم هو يخفر ذمتهم وعهدهم وأمانهم للآخرين .. لا يُحمل عليه ما يُقال في قصة الصحابي أبي بصير .. وإنما يُحمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:” ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفَر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل “البخاري.
وقوله صلى الله عليه وسلم:”إن الغادر يُنصب له لواءٌ يوم القيامة فيُقال: هذه غدرة فلان بن فلان “متفق عليه.
          وقوله صلى الله عليه وسلم :” لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُعرف به “متفق عليه.
          وقوله صلى الله عليه وسلم :” لكل غادرٍ لواءٌ عند استه يوم القيامة ” مسلم . وفي رواية:” لكل غادرٍ لواء
يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره “مسلم.
          وقوله صلى الله عليه وسلم :” من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً “. وقوله صلى الله عليه وسلم:” من قتل نفساً معاهدة بغير حلها، حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها “.
          وقوله صلى الله عليه وسلم:” من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً ” البخاري.
          وفي رواية:” من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً ” البخاري.
وقوله صلى الله عليه وسلم:” ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة “.
هذا الذي يُحمَل عليه .. فمن هان عليه أن يكون النبي محمد صلى الله عليه وسلم حجيجه وخصمه يوم القيامة فليتجرأ!
ـ الشبهة العاشرة: قالوا: فالإنذار العام الصادر عن المجاهدين يكفي لنقض العهد والأمان .. والمجاهدون قد أصدروا إنذاراً عاماً لكل من دخل بلاد المسلمين من غير المسلمين .. وبالتالي فهم براء وفي حلٍّ من أي أمان يُعقد لهم من قبل المسلمين!
الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
منها: أنهم ذكروا هذه الشبهة .. ونشروها في كل موقع .. على أنها الحجة التي تقصم ظهر المخالف .. ومن دون أن يأتوا عليها بأدنى دليلٍ من كتابٍ أو سنة أو قول لعالم ممن سلف!
ومنها: أن هذه الشبهة مغايرة ومخالفة لقوله صلى الله عليه وسلم:” يسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم “. وقوله صلى الله عليه وسلم:” ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل “. وهذا فيمن يخفر وينقض ذمة وأمان مسلم واحد، فكيف بمن ينقض أمان وذمم ملايين من المسلمين ..؟!!
ومنها: يُقال لهم كم عدد المجاهدين الذين يملكون هذا الحق؛ حق نقض وإلغاء أمان ملايين من المسلمين لغيرهم .. وحق منعهم من أن يؤمنوا أو يُجيروا من شاءوا من غير المسلمين .. مجاهد واحد .. أم خمسة .. أم عشرة .. أم مائة .. أم ألف .. حددوا لنا رقماً معيناً .. فإن فعلتم ـ وما أنتم بقادرين ـ أحضروا لنا الدليل عليه .. لا على غيره من الأرقام!
ومنها: العمل بهذا القول مؤداه إلى فتنة ومقتلة بين المسلمين، وبخاصة منهم المجاهدين لا يعلم ضررها وسعة شرها إلا الله تعالى ..!
فإن قيل: كيف ..؟
نقول: أكثر ميادين وساحات الجهاد والقتال في واقعنا المعاصر تتخلل الساحة الواحدة منها عدة أحزاب وجماعات جهادية متباينة في عديد من التوجهات والأمور .. وتخضع لقيادة أمراء مختلفين .. ومتغايرين .. ومتفرقين .. وربما متخاصمين .. وهذا واقع يلزمنا بأن نفترض .. تباين هذه الجماعات فيما يريدون تأمينه ممن لا يريدون تأمينه وإجارته .. فمن تؤمنه جماعة .. قد لا ترضى تأمينه جماعة أخرى .. أو الجماعة الثالثة .. أو الرابعة .. أو العاشرة .. وفي المقابل من حق المؤمِّن أن يحمي مؤمَّنه ممن يطلب قتله أو الاعتداء عليه .. ومن هنا تحصل الملاحم وتحصل الفتنة بين المجاهدين .. وهذه نتيجة تُلزم كل من يقول بصحة هذا القول ولا بد!
فإن قيل: متى إذاً يحق للمجاهدين بأن يتحكموا بتأمين وإجارة من شاءوا ممن لا يشاءون من غير المسلمين ..؟
أقول: في حالة واحدة فقط؛ وهي عندما تخضع لسلطتهم وشوكتهم وإمارتهم أرض واضحة الحدود والمعالم .. فمن حقهم حينئذٍ ـ كولاة ـ أن يمنعوا أن يدخل ديارهم وأرضهم ودولتهم من شاءوا من غير المسلمين .. كما من حقهم ـ لمصلحة راجحة يرونها أو يراها أميرهم وحاكمهم ـ أن يُلزموا من تحتهم من الرعايا المسلمين الخاضعين لنفوذهم وسلطانهم، وحكمهم بأن لا يؤمنوا أحداً من غير المسلمين إلا بإذنهم .. وما سوى ذلك فليس من حقهم احتكار تأمين الآخرين لأنفسهم دون غيرهم من المسلمين .. فالمسلم المجاهد وغيره من المسلمين سواء في ذلك. 
ـ الشبهة الحادية عشرة: قالوا: بطرحك هذا؛ لموضوع العهد والأمان .. وبنصحك للجماعة السلفية للدعوة والقتال وغيرهم حول هذا الموضوع .. قد أثرت فتنة بين الإخوان ..!
الرد: يُرد على هذه الشبهة من أوجه:
منها: أن الفتنة في أن نعلم الحق ثم نكتمه رهبة أو رغبة .. أو مجاملة لعلان أو فلان .. والله تعالى يقول:] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42. 
ومنها: أن الفتنة في أن نرى الخطأ على إخواننا ثم لا ننصحهم ولا ننهاهم عنه .. ولا نمنعهم منه، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ” فقال رجلٌ: يا رسول الله أنصُرُه مظلوماً، فكيفَ أنصره ظالماً؟ قال صلى الله عليه وسلم:” تمنعه من الظلم، فذاك نصرُكَ إياه “متفق عليه. 
أما أن تنصره ظالماً كما تنصره مظلوماً فهذا من صنيع الجاهلية .. وأهل التعصب والأهواء .. والإسلام من هذا الخلق براء!
ومنها: أن الفتنة في أن تدع لصغار طلبة العلم .. ولمن هبَّ ودب .. أن يخوض ـ بغير علم ـ في المسائل الكبار .. المسائل التي يترتب على الخطأ فيها سفك الدم الحرام .. وانتهاك
الحرمات بغير وجه حق! 
ومنها: أن الفتنة في أن نخالف أمر رسول الله .. ونتبع غير سبيله في أي جزئية أو شأن من شؤون الحياة، والله تعالى يقول:] فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63. 
وفي الختام: إني لأعترف أن من أصعب ما يقوم به الباحث الجاد هو عندما ينشغل بالرد على أناس لا يُحسنون قراءة الكلمات .. ولو قرءوها لما فهموها .. ولو فهموها لأنزلوها في غير منزلها الصحيح .. ولا حول ولا قوة إلا بالله! 
فإن عُلم ذلك، أقول: ما حملني على الخوض في هذه المسألة وغيرها من المسائل ذات العلاقة بواقع الجهاد والمجاهدين إلا حرصاً مني على أن تُحافظ الصحوة الجهادية المعاصرة على الوسطية الربانية من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط، ولا إلى غلو أو جفاء!
الحرص على أن تُحاط الصحوة الجهادية المعاصرة بسياج من التقوى والورع والاستقامة، والطهر من الحرام .. عسى أن يتنزل نصر الله .. وما ذلك ببعيد إن شاء الله.
فما عند الله تعالى لا يُطلب بمعصيته ومخالفة أمره .. وإنما يُطلب بطاعته وطلب مرضاته .. واتباع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7.
وقال تعالى:] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160.
هذا قولي .. وهذا اعتقادي في المسألة .. وهو موجه لجميع المسلمين في جميع أمصارهم وأماكن تواجدهم ومن دون استثناء .. أبرأ إلى الله تعالى من كل قول أو فعل يُخالفه .. فلا خلاف في الوفاء بالعهد .. كما لا خلاف في حرمة الغدر .. لا أبالي في الحق ومرضاة الحق إقبال الناس أو إدبارهم .. فما كان ذلك ـ ولله الحمد ـ يوماًَ من الأيام هماً من همومي .. وما عرفني من ظنَّ بي غير ذلك .. ]  وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88.
اللهم إنِّي قد بلَّغت فاشهد .. اللهم إنِّي قد بلغت فاشهد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
19/5/1425 هـ.                          عبد المنعم مصطفى حليمة
6/7/2004 م.                                  أبو بصير الطرطوسي

 


[1]  في مقالنا هذا سنقتصر ـ إن شاء الله ـ على الرد على شبهات المخالفين المثارة حديثاً في مواقع الإنترنت كما تمت الإشارة إلى ذلك .. من دون أن نتناول مئات الأدلة التي تلزم بالوفاء بالعهد وتحرم الغدر .. ولا شروط الأمان ومبطلاته .. ولا القدر الذي به يُعقد الأمان .. ومن يعقده .. وغير ذلك من المسائل والفرعيات ذات العلاقة بالموضوع .. إلا بالقدر الذي تقتضيه ضرورة الرد على الشبهات التي سنتناولها .. فهذه المسائل والفروع قد تناولناه في مواضع عدة، وبخاصة في كتابنا ” حكم استحلال أموال المشركين لمن دخل في عهدهم وأمانهم من المسلمين “، والذي نحن في صدد نشره قريباً ـ إن شاء الله ـ في طبعة ثانية منقحة ومزيدة، فليراجعه من شاء أو طالب بالمزيد والتفصيل! 
[2]  هذا لا يمنع شرعاً أن يُقبل أمان آحاد أو بعض الجند الأمريكيين الذي يرمون السلاح، ويرفضون القتال .. ويطلبون الأمان من آحاد المسلمين أو بعضهم فيؤمنونهم على ذلك .. فالأمان يُعطى لمن يريد أن ينتقل من وصف المحارب المقاتل إلى وصف المسالم الآمن الغير محارب .. وهذا الوصف لا يخرج عنه الجندي الأمريكي، ولا الروسي، ولا الهندي .. ولا غيرهم من الجند!
     ولتقريب الصورة نضرب المثال التالي: لو أن جندياً أمريكياً في العراق قال لمسلم عراقي هاأنذا أرمي بسلاحي، وأتوقف عن قتالكم حراً مختاراً .. مقابل أن تؤمني وتعينني على الخروج والوصول إلى إحدى دول الجوار .. فوافقه المسلم على ذلك وأمنه .. يجب على المسلم حينئذٍ أن يفي له بأمانه وعهده .. كما يجب على المسلمين أن لا يخفروا ذمة وعهد هذا المسلم فيما التزم به نحو ذاك الجندي الكافر!
[3]  صحيح سنن أبي داود: 2405.
[4] صحيح سنن النسائي: 3847.
[5] السلسلة الصحيحة: 763.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.