موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

نداء إلى ” الجماعة السلفية للدعوة والقتال ” ليس لكم هذا الحق

0 1٬063
بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          فقد استوقفني بيان صادر عن ” الجماعة السلفية للدعوة والقتال ” بتاريخ 18/4/1425 هـ، الموافق 6/6/2004م، قالوا فيه:” إن الجماعة السلفية للدعوة والقتال تقرر في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة المسلمة عموماً، والمجاهدون خصوصاً إعلان حربها على كل ما هو أجنبي كافر ـ داخل الحدود الجزائرية ـ سواء فيما يتعلق بالأفراد والمصالح والمنشآت؛ قياماً بواجب نصرة الإسلام والمسلمين دفعاً عن نفسها وعن إخوانها اعتداء اليهود والصليبيين وسائر الكافرين، كما تعلن أنها ليست ملزمة بأي عقد يبرم مع نظام الجزائر المرتد ..”ا- هـ.

          ومن قبيل العمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:” الدين النصيحة ” قُلنا لمن؟ قال:” لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامَّتِهم “. أجد نفسي ملزماً بتوجيه هذه الكلمات إلى إخواني في ” الجماعة السلفية للدعوة والقتال ” كتعقيب على ما تقدم من كلامهم في بيانهم المذكور أعلاه.
          فأقول: ليس من حقكم شرعاً أن تسلبوا عشرات الملايين من المسلمين .. أكثر من واحدٍ وثلاثين مليوناً من المسلمين الجزائريين .. حقهم في تأمين من أرادوا إدخاله ـ من غير المسلمين ـ ديارهم بأمانٍ منهم .. شريطة أن يكون هؤلاء الغير ـ الأجانب الكافرين ـ دخلوا الديار غير محاربين، ولا معينين لمحاربين .. وظلوا محافظين على هذا الوصف طيلة إقامتهم في ديار المسلمين. 
          المنصوص عليه شرعاً، والمتفق عليه بين جميع علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أن المسلمين ” يسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم “، وأن أمان الفرد المسلم الواحد لغير المسلمين ملزم سواء كان هذا الفرد الواحد ذكراً أم أنثى .. لا يجوز أن تُخفَر ذمته .. ولا أن يُنقض عهده وأمانه، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح:” ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفَر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل “.
          وقوله ” فمن أخفَر مسلماً ” أي من نقض عهده وذمامه وأمانه .. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل .. وهذا فيمن ينقض عهد وأمان وذمة مسلم واحد .. فكيف بمن يُبطل عهد وذمام أكثر من واحد وثلاثين مليوناً من المسلمين .. ويقول لهم: لا قيمة لعهودكم ولا لذمتكم .. فعهدكم وذمتكم للآخرين لا يمضي ولا ينفذ .. وإنما الذي يمضي وينفذ هو عهدي وذمتي وحدي .. فذمتي تعلو ذمتكم .. وتفضلها .. وهما ليسا سواء .. كما أمر وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم!!
          وقال صلى الله عليه وسلم لأم هانئ:” فقد أجرنا من أجرت، وأمنَّا من أمَّنت “.
          قال ابن قدامة المقدسي في المغني 9/195: وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب، حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم، ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، وبهذا قال الثوري والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن قاسم، وأكثر أهل العلم ا- هـ.
          فالقضية لا يجوز اختزالها في أمان الحاكم المرتد .. ليطول الجدال حول جدوى أمانه وذمته من عدمها .. فالقضية أوسع من ذلك وأعم .. فهي تتعلق بحقوق ملايين المسلمين الذي منحهم الله تعالى إياه .. فلا يجوز أن نسلبهم إياه أو نمنعهم منه!
          وقد ذكرنا أكثر من مرة ـ نقلاً عن أهل العلم ـ أن شبهة الأمان أمان يمنع من الاعتداء؛ وبالتالي فأيما مسلم ـ كان وضيعاً من عامة الناس أم كان شريفاً ـ يُرحب بالوافد الكافر .. ويُسمعه عبارات الترحيب، والتأمين .. فالآخر آمن إلى أن يرتد إلى مأمَنه الأول الذي جاء منه .. وأيما اعتداء عليه، فهو خفر لذمم المسلمين .. وهو غدر وخيانة، يُنصب لصاحبه لواء  يُعرف به غدره، كما قال صلى الله عليه وسلم:” إن الغادر يُنصب له يوم القيامة فيُقال: هذه غدرة فلان بن فلان ” متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم:” لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُعرف به ” متفق عليه.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً “. وقال صلى الله عليه وسلم:” من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة “. وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تُحذر من عواقب الغدر .. والعياذ بالله.
          ثم لو أبحنا لمجموعة من المسلمين أو المجاهدين أن يحتكروا حق تأمين الآخرين لأنفسهم من دون ملايين من المسلمين .. لكان من حق أي مجموعة أو حزب إسلامي آخر ـ وما أكثر الجماعات والأحزاب الإسلامية في واقعنا المعاصر ـ أن يدعي هذا الحق لنفسه من دون الآخرين .. ولربما مجموعة من المجموعات تريد تأمين مالا تريده المجموعات الأخرى .. ولحصل بسبب ذلك من الفتنة والمقتلة بين المسلمين .. مالا يُعلم عقباه!!
          فإن قيل: متى إذن للجماعة أو السلطان أو الأمير الحق في أن يمنع الآخرين ـ من غير المسلمين ـ من دخول بلاد المسلمين .. وما هي المساحة التي يحق له أن يمنعهم منها؟
          أقول: لكي يمنع السلطان أو الأمير المسلم، ولو كان أمير جهاد الآخرين من دخول أرضٍ محددة ومعينة لا بد من أن تكون هذه الأرض خاضعة لسلطانه وحكمه ونفوذه تماماً، فيعمم على ساكني هذه البقعة من المسلمين .. أنه لا يُسمح بإدخال أحد من الكافرين بذمة وعهد أي أحدٍ من المسلمين إلا بإذنه .. لحكمة أو مصلحة راجحة يراها .. فحينئذٍ على المسلمين الخاضعين لسلطانه أن يُطيعوه فيما أمر .. وأن لا يُدخلوا أحداً من الكافرين تلك البقعة من الأرض إلا بإذنه وعهده.
          فكما أن السلطان أو الأمير لا يتسع أمانه لغير المسلمين أكثر من مساحة الأرض التي يحكمها وتخضع لسلطانه وحكمه .. فكذلك لا يستطيع أن يلزم المسلمين خارج دولته وسلطانه بعدم تأمين أو تأمين أحدٍ من الكافرين .. كما في قصة الصحابي أبي بصير رضي الله عنه ومن لحق به من المسلمين .. حيث كان لهم شأن آخر مع كفار قريش خارج حدود المدينة .. يختلف عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من صلح قد أجراه وعقده معهم في الحديبية.
          فإن قيل: لو خالف أحدٌ من المسلمين أمرَ الأمير وأدخل كافراً إلى تلك البقعة من الأرض بعد أن أمَّنه .. فما الحكم؟ 
          أقول: لا سلطان للأمير ولجنده على هذا الكافر المؤمَّن إن علموا بأمان المسلم له؛ لأن المخالف والمخطئ في هذه الحالة هو المسلم الذي أمَّنه وخالف أوامر وتعليمات أميره أو حاكمه .. وللأمير له أن يُعاقبه ويُؤدبه .. ولكن ليس له أن ينتهك حرمات الكافر المؤمَّن أو يعتدي عليه في شيء .. لاعتقاده أنه في أمانٍ صحيح .. والعبرة في الأمان ما يظنه ويعتقده المؤمَّن لا المؤمِّن .. كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الهرمزان .. وكل ما يُمكن أن يَفعله ـ الأمير حينئذٍ ـ أن يُعيده إلى مأمَنه وموطنه آمناً .. وهذا لا أعلم فيه خلافاً بين أهل العلم.
          ثم لننظر للمسألة من منظور آخر .. وحق علينا أن نراعي هذا المنظور .. فإن العدل يقضي في كثير من الأحيان المعاملة بالمثل .. فكما أن من دخل منهم ديار المسلمين بأمانٍ نجوِّز قتله .. وأمانه لا يُحترم ولا يُراعى .. كذلك يقولون من دخل من المسلمين ديارهم بأمانٍ يُقتل وأمانه عندهم لا يُحترم ولا يُراعى .. فإن رضينا قتلهم في ديارنا .. ينبغي أن نرضى قتل المسلمين وانتهاك حرماتهم  ـ وما أكثرهم ـ في ديارهم .. وما أسهل ذلك عليهم لو شاءوا!
          في أوربا وحدها أكثر من أربعين مليوناً من المسلمين .. من أمصار وبلاد شتى ..  وأكثرهم لا ملجأ لهم في بلاد المسلمين .. بل لا يستطيعون دخولها والمرور منها .. بسبب الأنظمة الطاغية الحاكمة فيها .. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ترون من الدين والسياسة الشرعية أن تُسفك دماء وحرمات وأعراض هذه الملايين من المسلمين ..؟!
          فإن قلتم: نعم .. لا نبالي ..؟!
          نقول لكم: هذا دين الخوارج المارقين الذين لا يلقون لحرمات المسلمين وزناً ولا قيمة ..
ونعيذكم من هذا الخلق!
          وإن قلتم: لا، لا يجوز ..!
          نقول لكم: كيف تجيزون لأنفسكم انتهاك حرمات الآمنين منهم في دياركم .. وتحرمون عليهم انتهاك حرمات الآمنين من المسلمين في ديارهم ..؟!!
          وإن كان الجواب لا الأول ولا الثاني .. عُلم بالضرورة بطلان وفساد المنهج الذي انتهجتموه .. وقررتم المسير فيه .. وأنه مردود عليه بالنقل والعقل.
          وعليه، فإني أطالب إخواني في ” الجماعة السلفية للدعوة والقتال ” بأن يتقوا الله .. وأن لا يتعدوا حدوده .. وأن يُعلنوا تراجعهم ـ نزولاً عند حكم الله ـ عما عزموا عليه .. وهم أهل لذلك إن شاء الله.
          وما ذكرتموه في مقدمة بيانكم هو معلوم لعلماء الأمة سلفها وخلفها .. ولكن لم يكن مبرراً لهم أن يقولوا ما قلتم أو يصلوا إلى النتيجة التي عزمتم عليها!
كما وأعيذكم من أن تتخلقوا بأخلاق أولئك الذين إذا سمعوا كلمة لأهل العلم تلامس أهواءهم ومصالحهم .. أخذوا بها .. بل وطاروا بها فرحاً .. ونشروها في الآفاق .. وإن سمعوا منهم كلاماً لا يُلامس أهواءهم ولا يوافق ما هم عليه ـ وإن كان حقاً ـ كَفَرُوه .. وردوه .. واستهانوا به!
فهذا خلق نمقته .. ونبرأ إلى الله منه .. ونعيذ إخواننا من أن يتخلقوا به!
واعلموا أن النصر من عند الله .. وما عند الله لا يُطلب بمعصيته ومخالفة أمره وأمر رسوله، قال تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7.
وقال تعالى:] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
26/4/1425 هـ.                                                      عبد المنعم مصطفى حليمة
14/6/2004 م.                                                           أبو بصير الطرطوسي
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.