موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مفهوم الحريَّة والشَّر من منظورٍ أمريكي

0 278

بسم الله الرحمن الرحيم

          أصبح واضحاً ـ لدى جميع المراقبين والمتابعين المنصفين ـ أن الحريَّة وفق المفهوم والمنظور الأمريكي، تعني كل ما يصب في مصالح أمريكا الذاتية، ويخدم سياساتها التوسعية والقهرية في العالم، ولو كان وراء هذه الحرية أطغى ديكتاتوريات الأرض .. أو أدت إلى إبادة شعوب بكاملها!            وكل ما يتعارض مع المصالح والأطماع الأمريكية ولا يخدم سياساتها التوسعية والاستعمارية فهو من قوى الشَّر والظلام التي ينبغي أن تُستأصل من الوجود .. فإن لم تكن مع أمريكا في كل ما يصدر عنها من سياسات ومواقف .. فأنت ضدها .. ومصنف في خانة قوى الشر والإرهاب .. وراجمات الصواريخ الأمريكية ستطالك يوماً من الأيام عاجلاً أم آجلاً!!

          لكن الجديد في الأمر أن أمريكا ـ على لسان حكامها ـ قد أضافت ـ إضافة لما تقدم ـ معناً جديداً وإضافياً لمفهوم مصطلحي ” الحرية والشر “، كما في القانون الجديد ” ضد معاداة السامية في العالم ” الذي وقع عليه الرئيس الأمريكي جورج بوش!
          يقول الرئيس الأمريكي أمام حشد من اليهود في ولاية ” فلوريدا ” شارحاً أبعاد ومعاني هذا القانون الجديد:” إن هذه الأمة ستكون متيقظة وسنعمل بطريقة لا تتمكن معها الأفكار القديمة المعادية للسامية من إيجاد وطن لها في العالم المعاصر .. فالدفاع عن الحرية يعني أيضاً مهاجمة الشر الذي تجسده معاداة السامية .. سنعمل على ضمان ألا يجد أصحاب المحرك القديم لمعاداة السامية مكاناً لهم في العالم المعاصر “[[1]].
          وهذا الكلام يعني بكل وضوح الأمور التالية:
          1- تتجسد معاني الشر ـ وفق القانون الأمريكي الجديد ـ في معاداة اليهود .. فكل من عادى اليهود أو ناصبهم الكراهية .. أو توجه إليهم بنقد أو اعتراض فهو وفق المفهوم الأمريكي لمعنى الشر مصنف في خانة الشر المستهدف .. والحرية التي تدافع عنها أمريكا تعني مما تعنيه مهاجمة واستئصال هذا الشر .. أياً كان وأين كان! 
          2- وفق المفهوم الأمريكي الجديد للحرية .. للمرء أن يعترض على الله تعالى بل وأن يشتمه .. ويشتم أنبياءه ورسله .. ويسخر منهم ومن دينهم .. فلا قدسية ولا احترام لشيء من ذلك ..  كما وله الحرية في ممارسة قمة الشذوذ الأخلاقي والجنسي .. فالقانون الأمريكي يكفل له كامل الحرية في ذلك .. فلا اعتراض عليه ولا تسريب .. بينما من يعترض على اليهود .. فيحكم عليهم بالخطأ إذا أخطؤوا .. وبالظلم إذا ظلموا .. وبالإجرام إذا أجرموا .. وبالعنصرية والإرهاب إذا وقعوا في شيء من ذلك ـ وما أكثر جرائمهم في فلسطين الدالة على إرهابهم وعنصريتهم لو أردنا الاستدلال والإحصاء ـ فهذا لا حرية له .. بل سرعان ما يُجرَّم .. ويُتهم بأنه ضد السامية .. ويُصنف في خانة الشر التي يجب أن تُستهدف وتُستأصل من الوجود .. فاليهود ـ وفق القانون الأمريكي الجديد ـ فوق الخطأ .. وفوق المساءلة والمحاسبة .. والذي يتجرأ فيُسائلهم أو يُحاسبهم .. مهما شطُّوا وضلوا وظلموا .. فالويل له!!
          استوقفني قبل أيام خبر ذلك الإذاعي الفرنسي المشهور ” آلان مينارغ ” عندما وصف دولة الصهاينة اليهود في فلسطين بأنها دولة عنصرية تسعى لإقامة دولة لليهود وحسب دون غيرهم وفق العقيدة الصهيونية .. وهي إذ تسمح لليهود في مشارق الأرض ومغاربها بأن يُهاجروا إلى فلسطين ويستوطنوا فيها .. فإنها لا تسمح لأبناء فلسطين المهجرين من العودة إلى ديارهم وبيوتهم في فلسطين .. فعوقب جراء تصريحه بذلك مباشرة بالفصل من عمله .. فظن الرجل أنه حر .. وأنه يستطيع أن يقول للظالم أنت ظالم ولو كان ذلك الظالم يهودي! 
          3- يُقال للإدارة الأمريكية .. لماذا لم تصدروا نفس القانون ضد الاعتداءات العنصرية التي يتعرض لها المسلمون في داخل أمريكا وخارجها .. وما أكثر تلك الاعتداءات .. لماذا هذه الرعاية المميزة والخاصة بأبناء السامية من اليهود دون غيرهم من أبناء الديانات الأخرى ..؟!
          لماذا الذي يعتدي على اليهود .. أو يقترب من ساحتهم بأي نقد أو اعتراض وإن كان محقاً .. فهو عدو للحرية .. والسامية .. ومن أهل الشر الذي ينبغي استئصاله .. بينما الذي يعتدي على المسلمين .. وعلى أبناء الديانات الأخرى .. لا ضير ولا حرج .. والمسألة فيها نظر!
          لذا لا نحايد الصواب لو قلنا أن هذا القانون الجديد ضد الاعتداءات على السامية .. هو في حقيقته قانون عنصري، قائم على التمييز والتفرقة .. وهو دليل آخر على رعاية وحماية أمريكا لكل ما يمكن أن يرتكبه الصهاينة اليهود من مظالم واعتداءات، وجرائم بحق الآخرين في فلسطين، وغير فلسطين! 
          4- لكي تضمن الإدارة الأمريكية عدم كراهية الآخرين لأبناء السامية من اليهود، وعدم الاعتداء عليهم .. لا بد للإدارة الأمريكية من أن تلزم الصهاينة اليهود بنفس المعايير؛ فتُطالبهم بعدم الاعتداء على حرمات وحقوق الآخرين، وعدم إثارة التآمر والعداوة والبغضاء، والكراهية ضد الشعوب الأخرى ..؟!
          فالنفوس جُبلت .. وكذلك جميع الشرائع أذنت بالدفاع عن النفس والثأر للمظلوم من الظالم .. ورد العدوان بعدوان .. ومعاملة الآخر بما يُعامل هو الآخرين .. أياً كان هذا الآخر .. وكان لونه أو جنسه .. أو انتماؤه!
          لماذا اعتداء الصهاينة اليهود على حقوق وممتلكات وحرمات وأراضي الآخرين ـ كما يحصل في فلسطين ـ حلال زلال .. وتحضر وحرية .. وحق غير قابل للنقض أو الطعن .. وعندما يُرد عدوانهم وظلمهم .. أو يواجه عدوانهم بعدوان .. هو توحش وإرهاب .. وعمل مناف للحرية!
          لذا نقول وبكل وضوح: إذا أراد اليهود أن لا يعتدي عليهم أحد .. يجب عليهم كذلك أن لا يعتدوا على أحد .. وإذا أرادوا من الآخرين أن يحترموهم .. لا بد هم كذلك من أن يحترموا الآخرين .. وإذا أرادوا أن يُلزموا الآخرين بعدم كراهيتهم وبغضهم لا بد لهم كذلك من أن يلزموا أنفسهم بعدم كراهية وبغض الآخرين .. والقاعدة تقول: كما تدين تُدان .. ) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(.
          والقوانين الأمريكية مهما انحازت وتعصبت للصهاينة اليهود فإنها لا تغير من هذه الحقيقة المطلقة والمسلَّم بها عند جميع الشعوب شيئاً .. بل هي تزيدها إثارة واشتعالاً .. وتحمل الشعوب على مزيد من الحنق والكراهية لليهود!   
          5- من المعلوم للجميع أن نصوص الشريعة الإسلامية قد تكلمت عن شدة عداوة اليهود للمؤمنين .. وعن قتلهم للأنبياء والرسل .. وردهم لدعوة الأنبياء .. وهذه حقائق أكدتها جميع الديانات السماوية الصادقة الناطقة بالحق .. لا مرية فيها ولا جدال .. يؤمن بها جميع المؤمنين المسلمين في كل زمان ومكان ..!
والشاهد أن الرئيس الأمريكي ـ كما في كلامه أعلاه ـ يعلن بكل وضوح وصراحة أنه سيعمل ” بطريقة لا تتمكن معها هذه الأفكار القديمة المعادية للسامية من إيجاد وطن لها في العالم المعاصر ” كما تعهد بأن يمنع من يعتقد بهذه الأفكار القديمة من أن يجد لنفسه مكاناً في العالم المعاصر؛ أي أنه يعلنا صراحة حرباً صليبية شعواء على مبادئ وعقائد الإسلام .. وعلى جميع المسلمين الذين يعتقدون بهذه المبادئ والعقائد .. والذين يتجاوزون المليار ونصف المليار نسمة .. فهؤلاء جميعاً لا مكان ولا وجود لهم في عالم ” بوش ” المعاصر الحر .. فهم محكوم عليهم بالإعدام والإبادة الجماعية!
هذه هي الحرية الأمريكية المنشودة .. وهذه هي عدالتها .. فهي تلاحق عقائد الناس حتى في قلوبهم لتحملهم على اعتقاد مالا يصح في دينهم وعقيدتهم .. لكي تقر عيون حلفائها وربائبها من بني يهود .. ومن لم يجبها إلى ما تريد .. فالحكم الأمريكي فيه الاستئصال والإبادة من الوجود!
صدق الله العظيم:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة:51. 
من خلال هذا المنطلق الديني الصليبي الصهيوني للإدارة الأمريكية .. وحرصها الشديد على مصالح وأمن وسياسات الصهاينة اليهود .. يفهم المسلمون الدافع الرئيسي لأمريكا من وراء غزوها لأفغانستان، والعراق، ومباركة جرائم بني صهيون في فلسطين .. وتدخلها في جميع شؤون وخصوصيات المسلمين الخاصة منها والعامة!
ومن خلال هذا المنطلق الديني الصليبي الصهيوني .. يفهم ويفسر المسلمون حرص الإدارة الأمريكية الشديد، ومعها الغرب الصليبي .. على أن لا تقوم للمسلمين قائمة .. ولا دولة .. ولا شوكة .. ولا أرض يجتمعون فيها ويقفون عليها ..!!
ونحن بدورنا نقول لهذا الطاغية الكذاب، ولمن دخل في حلفه وحزبه: وفر على نفسك وشعبك طاقاتكم وأوقاتكم وتلك الأموال الطائلة التي تنفقونها وتهدرونها للصد عن دين الله ومحاربة كلمته في الأرض، فقد جرب قبلك من هم أشد منك طغياناً وكفراً وقوة .. محاربةَ الله .. ومحاربةَ دينهِ الإسلام .. ومحاربة عباده المؤمنين .. فهلك الطواغيت ورحلوا إلى جهنم وبئس المصير .. وزال ملكهم وسلطانهم .. وبقي اللهُ الواحد الأحد لأن الله حي لا يموت .. لا يُغالَب ولا يُحارَب .. وبقي دينُه الإسلام؛ لأن الله تعالى قد تكفل بحفظه .. ورضيه ديناً للعالمين .. وبقي المؤمنون الموحدون الذين بهم يحفظ الله الدين ويُعلي كلمته .. ولو كره الطواغيت المجرمون الحاقدون!
صدق الله العظيم:) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال:36. 
6/9/1425 هـ.                               عبد المنعم مصطفى حليمة
20/10/2004 م.                                أبو بصير الطرطوسي 

 


[1]  عن موقعي قناة الجزيرة، والـ ” BBC ” على الإنترنت.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.