موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

الخروج على الحكام

0 307

 

س503: بسم الله الرحمن الرحيم .. التمس العذر بداية عما قد يفهم من خطابي , وأطلب منكم – بارك الله فيكم – إحسان الظن بي  : ما فهمته من أجوبتكم – بارك الله فيكم –  أنكم تشجعون على الخروج على الحكام لأنهم لا يحكمون بما انزل الله تعالى , وأن من لم يحكم بما انزل الله تعالى هو من الطواغيت ..ولا أشك في هذا الكلام بالطبع , ولكن لي وقفة , أرجو منكم توضيحها :

إذا خرج هؤلاء على حكامهم , فهل خروجهم هذا يأتي هكذا بدون سفك للدماء وبدون أن تحدث فتنة بين الناس وتحصد هذه الفتنة كل اخضر ويابس !!
هل خروج هؤلاء على حكامهم أولى أم اجتناب اقتتال المسلمين فيما بينهم أولى ؟!
هل يكون معنى كلامكم – بارك الله فيكم – هو تشجيع الناس على رفض حكامهم وإعداد العدة والعتاد لتغيير أنظمة بلادهم ؟!
ألا ترون أن هذا مدعاة لحدوث الفتن واقتتال المسلمين وتخريب للصف الإسلامي حيث نصبح لقمة سهلة للكفار والملحدين ؟!
التمس العذر مرة أخرى لجهلي وسوء فهمي , ولكن أرجو شرح ما قد فهمته وبيان أدلة على ذلك .. هل كان الحكام السابقون في العصور السابقة زمن علمائنا الأفاضل أمثال الإمام احمد بن حنبل وشيخ الإسلام بن تيمية وغيرهم ، هل كان أولئك يحكمون بما انزل الله ؟! برغم ما هاجت وماجت من الفتن المعروفة في تلك الازمنة !
وهل سبق وأن أفتى من علمائنا السابقون من ذوي الفضل على الخروج على الحكام وأولي الأمر بهذا الشكل الذي فهمته من أجوبتكم ؟!
هذا وأسال الله أن يغفر لي سوء أدبي معكم وسوء فهمي وغلبة جهلي على حالي , والسلام عليكم ورحمة الله .
جـ: الحمد لله رب العالمين. وعليكم السلام ورحمة الله .. أشكر للأخت حسن تأدبها وتلطفها في طرح السؤال .. وأجيبها على ما سألت أو تساءلت عنه ـ لماذا أقول بضرورة ووجوب الخروج على طواغيت الحكم المعاصرين ـ في النقاط التالية:
1- إن طواغيت الحكم المعاصرين لم يكفروا من جهة عدم حكمهم بما أنزل الله وحسب؛ وإنما كفروا من جهات وأبواب عدة: منها الحكم بغير ما أنزل الله .. ومنها التشريع مع الله .. وسن القوانين المضاهية لشرع الله .. ومنها التحاكم إلى شرائع الكفر التي تُضاهي شرع الله تعالى .. ومنها مظاهرتهم الظاهرة لأعداء الأمة والملة على الإسلام والمسلمين .. ومنها وقوعهم الصريح في استحلال ما حرم الله من الفواحش، والفجور، والمنكرات .. ومنها عداوتهم الظاهرة لأولياء الله الموحدين .. ومحاولة فتنتهم وصدهم عن الدين .. ومنها مناداة أكثرهم بشعارات الكفروالإلحاد؛ كالاشتراكية، والديمقراطية، والعلمانية .. ومنها تغييب مفهوم وعقيدة الولاء والبراء في العقيدة والدين .. واستبدالها بولاءات جاهلية وثنية ما أنزل الله بها من سلطان؛ كالولاء في الوطن .. والقوم .. والحزب .. والحاكم .. والإنسانية .. وغيرها من الولاءات التي لها حكم الجاهلية .. ومنها شتمهم الصريح لله ولرسوله، وللدين .. وترويجهم لثقافة شتم الله والدين بين الشعوب من غير إنكار ولا حسيب .. حتى أصبح شتم الله والرسول، والدين أهون على أحدهم من إماطة الأذى عن الطريق .. بينما من يتطاول على أصحاب العظمة أو الجلالة أو الفخامة ـ ولو بالنقد اليسير ـ يُعرض للقتل، والسجن، والتهجير، وفنون من التعذيب .. ومنها تركهم للصلاة والأمر بها .. وكثير منهم يعد الصلاة جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام!!
فهذه بعض خصال وأخلاق هؤلاء الطواغيت .. التي لأجلها قلنا بكفرهم البواح .. وخروجهم من الدين .. والتي لأجلها يجب على كل موحد أن يقول بكفرهم ومروقهم .. ولا مناص له من ذلك! 
2- من كان هذا وصفه وحكمه .. فما هو الموقف الشرعي منه .. أقول الموقف الشرعي .. وليس سواه .. لأن ما سوى الشرع لا يهمنا ولا نلقي له بالاً .. فضلاً عن أن نتحاكم إليه وبخاصة في مثل هذه الأمور الهامة والمصيرية ..؟!
الموقف الشرعي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً فصلاً لا لبس فيه ولا غموض .. أخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت، قال:” دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان. والأمة قد رأت من هؤلاء الطواغيت الكفر البواح الذي لنا فيه برهان من كتاب الله، وسنة رسوله.
قال القاضي عياض:” أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل .. وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها ” ا- هـ.
فالقضية قضية إجماع .. لا تقبل ـ كما لا يجوز فيها ـ الخلاف ..!
3- بعد أن عرفنا الذي تقدم .. نجيب على السؤال الهام .. أين تكمن الفتنة والضرر الأكبر .. في الخروج عليهم .. أم في كف الأيدي عنهم .. والصبر عليهم .. والتعايش معهم  .. والاعتراف بشرعيتهم .. وشرعية أنظمتهم وما هم عليه من كفر بواح ..؟!
الجواب: لا شك ولا خلاف أن الخروج عليهم هو أقل فتنة وضرراً على البلاد والعباد .. من الصبر عليهم والاعتراف بشرعيتهم .. وذلك لوجهين:
أولهما: لدلالة النصوص الشرعية التي أفادت بأن الشرك والسكوت عليه .. فضلاً عن الاعتراف بشرعيته .. وشرعية حكمه .. هو الفتنة الأكبر .. والضرر الأكبر .. كما قال تعالى:) وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ( أي الشرك .. وإقراره .. أشد ضرراً وفتنة من فتنة القتل والقتال .. وما يمكن أن يترتب عليه ..!
وقال تعالى:) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ(. وقال تعالى:) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ( .. أي حتى لا يكون شرك وكفر .. فالقتال وإن كان يترتب عليه بعض الفتن إلا أن فتنة سيادة الكفر والشرك على البلاد والعباد أشد وأعظم .. لذلك قضت نصوص وقواعد الشريعة بدفع الفتنة الكبر بالفتنة الأصغر .. والضرر الأكبر بالضرر الأصغر .. لذلك قال تعالى لمن يكره القتال في مثل هذه المواطن:) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (
ثانياً: دلالة الواقع المعايش .. فما أكثر الأدلة التي تثبت أن ضريبة الذل والركون إلى الطواغيت الظالمين المارقين .. هي أشد كلفة وفتنة .. وتضحية .. من ضريبة جهادهم والخروج عليهم ..!
الطواغيت يتعاملون مع الشعوب كقطيع وعبيد ومملوكين .. شأنهم شأن أي سلعة تُملك ثم تُرمى .. وقد قالها بعض ملوك العرب صراحة وبكل وقاحة:” الإنسان أغلى ما نملك “!!
ينظرون للبلاد والعباد على أنها من ملكهم وملك آبائهم .. وأيمانهم ..  يتصرفون بها كيفما يشاءون .. ولا يُسألون عما يفعلون!
الشعوب قدمت .. ولا تزال تقدم في سبيلهم .. أعز ما تملك من دين، وعِرض، ونفس، ومال .. والطواغيت يُطالبونهم بالمزيد!
يربوننا .. وأبناءنا على موائدهم الباطلة الكفرية .. وشعاراتهم الشركية .. ولا أحد يستطيع أن يقول لهم .. لا .. لأن الأمة ـ وللأسف ـ اتخذت خيار ضريبة الذل والركون للظالمين .. ومنذ سنيين ..!!
تأملوا الذل والهوان الذي أصاب الأمة .. على صعيد الصراع مع الصهاينة اليهود في فلسطين .. وكل صراع أصاب جسد الأمة هنا وهناك ..!!
أمة المليار ونصف المليار .. مشلولة الإرادة والحركة ـ بسبب هؤلاء الطواغيت الظالمين ـ تجاه ما يحدث من مجازر جماعية بحق الآمنين من المسلمين .. في أطراف الأرض وأمصارها! 
تأملوا الخوف .. والجوع .. والفقر .. والإرهاب .. الذي تعيشه الشعوب .. بسبب خيارهم لضريبة الذل والركون ..!
أي شيء نبكيه من وراء الخروج على هؤلاء الطواغيت .. وقد ضاع كل شيء .. وفقدت الأمة كل شيء ..؟!!
لأجل ذلك قلنا ـ ولا نزال نقول ـ: إذا أرادت الأمة أن تستأنف حياة الإيمان، والعزة، والريادة، والقوة، والحرية .. لا بد لها من أن تتحرر من العبودية لهؤلاء الطواغيت .. ومن عقدة الخوف منهم .. ومن جلاديهم .. وأن تجنح لخيار العصيان والتمرد، والجهاد  .. فإن لم تفعل .. فعلى الشعوب أن تروض نفسها لمزيد من الضرائب الباهظة المذلة تدفعها طواعية وبنفس هينة على عتبات قصور الطواغيت الحاكمين .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولمزيد من الفائدة ننصح الأخت .. وغيرها من الأخوة والأخوات بمراجعة بحثنا المنشور في موقعنا ” فصل الكلام في مسألة الخروج على الحكام ” فيه تفصيل لا يغني عنه ما تقدم من إجابة، والله تعالى أعلم.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.