موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

شَرٌّ قَبلَ أن يُولَد حزبُ الاتحادِ من أجلِ الحريَّة، لمؤسِّسهِ منتصر الزيَّات

0 346

 بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          فقد سُئِلت عن حزبٍ مصري في طور الإنشاء؛ وهو ” حزب الاتحاد من أجل الحريَّة ” لمؤسسه منتصر الزيات .. وعن مدى شرعية هذا الحزب .. وموافقة أهدافه لمبادئ وتعاليم الإسلام .. وهل نستطيع أن نصف هذا الحزب بأنه حزب إسلامي التوجه والأهداف .. يجوز الانضمام إليه وتكثير سواده .. وبخاصة أن صاحبه محسوب على التيار الإسلامي، ويزعم أن حزبه إسلامي التوجه والأهداف؟

          فوجدت نفسي مُلزماً بمراجعة البيان التأسيسي للحزب المذكور .. الذي يتضمن ذكر الأهداف والتوجهات والسياسات العامة للحزب .. وبعد المراجعة للبيان التأسيسي، فإني أقول: هذا الحزب المذكور أعلاه ” حزبُ الاتحادِ من أجلِ الحريَّة ” حِزب علمانيٌّ ليبراليٌّ جَلد .. هو في واد .. والإسلام في وادٍ آخر .. ولو قيل لعلمانيٍّ من أقصى اليسار شكل حزباً علمانياً ليبرالياً .. لما استطاع أن يشكل حزباً تخرج أهدافه وتوجهاته وسياساته .. عن أهداف وتوجهات وسياسات الحزب المذكور ” حزبُ الاتحادِ من أجلِ الحريَّة “!
          يظهر ذلك من أوجه عدة:
          منها: أنه حزب يُغيِّب من منهجه عقيدة الولاء والبراء في الإسلام .. ومبدأ الأخوة الإسلامية، وأن المؤمنين أخوة .. وأنهم يد على من سواهم .. أينما كانوا وكانت جنسياتهم وانتماءاتهم الوطنية والجغرافية .. ويجعل التمايز والتفاضل .. ومبدأ تقسيم الحقوق والواجبات فيما بين الناس على أساس المواطنة والانتماء للوطن المصري بغض النظر عن دين وعقيدة وأخلاق وسلوك هذا الذي ينتمي للوطن!
          يدل على ذلك ـ كما في بيانه التأسيسي ـ قوله:” المواطنة هي المعيار الحقيقي والأساسي للتمايز بين أفراد المجتمع .. اعتماد المواطنة معياراً موضوعياً وأساساً منهجياً للتمايز في المجتمع، واعتبار حتمية هذا المبدأ للخروج من واقع التخلف الديمقراطي .. أن تكون المعايير الوطنية واضحة الدلالة يلتزم بها الجميع دون استثناء .. الأقباط هم شركاء الوطن ومستقبله .. تثبيت عقيدة حب الوطن والانتماء إليه “، وغيرها من العبارات!
          ومنها: أنه حزب يُغيِّب من منهجه مبدأ وعقيدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ويدعو إلى حرية تشكيل التكتلات والأحزاب السياسية بكل أطيافها وألوانها بغض النظر عن توجهاتها الفكرية والعقدية .. وسياساتها .. وممارساتها .. لتفتن الناس عن دينهم .. وتُغرق المجتمع
بالفتن والأهواء .. والكفر والإلحاد!
          يدل على ذلك ـ كما في بيانه التأسيسي ـ قوله:” الدعامة الأساسية لترسيخ مجتمع الحرية هي التعددية الفكرية، وحرية الرأي .. والقبول بالآخر .. الأحزاب السياسية بمثابة القلب في أي نظام يؤمن بالديمقراطية منهاج حكم، وبالحرية فلسفة حياة .. فالأحزاب السياسية تعطي النظام شرعية الوجود والاستمرار[[1]] .. لا يجوز أن تتم عملية التضييق على الأحزاب .. الإيمان بالتعددية السياسية ومفهوم تبادل السلطة، والدفع باتجاه إفساح المجال لخلق تكتلات وتجمعات سياسية “، وغيرها من العبارات!
          ومنها: في الوقت الذي يُغيِّب فيه ذكر ضرورة الرجوع والتحاكم إلى الشريعة الإسلامية .. يؤكد حزب ” الزيَّات ” على ضرورة التحاكم إلى القانون والنظام والدستور المصري .. الوضعي العلماني .. المليء بالكفر والظلم والمتناقضات!
          يدل على ذلك ـ كما في بيانه التأسيسي ـ قوله:” السعي لبناء مؤسسات الدولة على مبدأ من احترام وسيادة القانون والنظام، فالناس يتحاكمون إلى قانون ويسيرهم نظام .. إن المواطن الذي يؤمن بالدستور والقانون هو صاحب حق مشروع لا يجوز على الإطلاق أن تتم عرقلة حركته تحت أي مبرر كان، ولا تجوز مساءلة المواطن عن أي عمل ليس فيه خرق للدستور والقانون[[2]]. وما دامت القوى السياسية تحتكم إلى الدستور والقانون فلا يجوز أن تحتكم إلى الأجهزة الأمنية “، وغيرها من العبارات!
          ومنها: ليس من أهداف حزب ” الزيَّات ” إقامة مجتمع إسلامي ينضبط ويخضع لأحكام الشريعة .. أو الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله عز وجل .. أو أسلمت النظام والمجتمع المصريين .. اللذان يعجان بالكفر والفسوق والفساد ـ فهذا كله قد غُيِّب ذكره ـ وإنما هدفه الأساس إقامة مجتمع ديمقراطي حر يزيد الطين بلة .. والفساد فساداً .. فالديمقراطية والحرية ـ التي لم يحدد لها حدوداً ولم يضبطها بضابط إلا ضابط القانون والدستور المصري الوضعي كما بُيِّن أعلاه ـ هي هدفه الأول والأساس .. وليس الإسلام .. وإعلاء كلمة الإسلام[[3]].
          يدل على ذلك ـ كما في بيانه التأسيسي ـ قوله:” الحرية والديمقراطية هما مفتاحا كل تقدم ورخاء .. إن حزب الاتحاد من أجل الحرية وهو يخط الأحرف الأولى من مسيرته ليؤكد على ضرورة إرساء النسق الديمقراطي الحقيقي .. فإننا نرى أنه لا بد من نشر ثقافة المشاركة السياسية وبث روح المواطنة .. الشرعية السياسية هي الطريق إلى تطبيق عالمية الإسلام؛ بمعنى أن إقامة حكم ديمقراطي يحترم إرادة الأمة والفرد هو السبيل إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، بل هو أهم جزء من هذا التطبيق في أخطر مناحي الحياة .. إن الإصلاح الديمقراطي يتطلب نظاماً انتخابياً يسمح بالاختيار الحر المباشر .. الإيمان بالتعددية السياسية ومفهوم تبادل السلطة .. حزب الاتحاد من أجل الحرية وهو يعلن هذه التوجهات ليدعو كل المؤمنين بها إلى العمل إلى تحقيقها، وصولاً لمجتمع الديمقراطية الذي ننشده “، وغيرها من العبارات!
          ولقد تأملت كلمات البيان التأسيسي للحزب المذكور .. فوجدته قد كرر كلمة الديمقراطية .. وتماجد بها .. ودعا إليها .. في ثلاثة وعشرين موضعاً .. بينما لم يأت على ذكر لفظ الجلالة ” الله “، ولا لمرة واحدة .. حتى أن صاحبه قد استكثر أن يبتدئ بيانه بعبارة البسملة .. التماساً لمرضاة الزنادقة والكافرين.
          صدق الله العظيم:) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (الزمر: 45.
          ومنها: في الوقت الذي غيَّب البيان ذكر البعد أو العمق الإسلامي لمصر وشعب مصر .. فإنه يؤكد على البعد والعمق القومي والإفريقي لمصر .. وكأن مصر ليست جزءاً من العالم الإسلامي، تُسَاء لضرائه، وتُسَر لسرائه!
          يدل على ذلك ـ كما في بيانه التأسيسي ـ قوله:” العمل على ابتكار صيغ ديمقراطية للوصول إلى تفعيل المشاركة الجماهيرية بما يوافق الواقع المصري في محيطه العربي والإفريقي والعالمي .. التأكيد على أن التواصل العربي والتكامل مع الدول العربية هو الخيار الوحيد لمواجهة التحديات .. التأكيد على الامتداد المصري في العلاقات الإفريقية باعتبارها الامتداد الجغرافي الاستراتيجي في هذه القارة السمراء التي يمكن استثمارها سياسياً واقتصادياً .. الحرص على إقامة علاقات خارجية متوازنة ومعتدلة مع كل بلدان العالم التي تؤمن بالحرية في إطار من الندية والمساواة دون إملاءات وإنما من منطلقاتنا القومية والتاريخية “، وغيرها من العبارات!
          فحزب الزيات .. لم ينس البعد القومي والإفريقي لمصر .. ولا حرصه على مد العلاقات الخارجية مع العالم الحر كأمريكا وأوربة .. ومن منطلقاته القومية .. بينما العالم الإسلامي لم يستحق منه كلمة واحدة .. بل ولا مجرد إشارة!
          خلاصة القول: حزب الاتحاد من أجل الحرية لمؤسسه منتصر الزيات .. قد أتى بجميع المواصفات والمعايير المطلوبة منه دولياً ومصرياً من قبل النظام المصري الحاكم .. والتي تمكنه من تشكيل حزب سياسي .. وتستعطف عليه وعلى حزبه رضى الظالمين المتنفذين .. بينما المواصفات والمعايير التي يطلبها ويريدها منه الإسلام .. فلم يلتفت إليها .. وهي لا تعنيه في شيء .. خشية أن يُحرَم من حقه في تشكيل حزب سياسي!
          صدق الله العظيم:) وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (البقرة: 120.
          وقال تعالى:) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (هود: 113.
          وعليه فإني لا أرى شرعية هذا الحزب .. فهو في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر .. ولا شرعية الانضمام إليه أو تكثير سواده في شيء .. فهو حزب التمس رضى الطواغيت الظالمين بسخط رب العالمين .. وعلى مؤسسه أن يتوب إلى الله .. ويُصلح ما أفسد .. ويُحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب .. وقبل أن تُدركه المنية ويتسع الخرق من بعده .. فيكون كمن سنَّ سنة سيئة لمن بعده، له وزرها ووزر من يعمل بها .. فيقع الندم، ولات حين مندم!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي ”
7/8/1428 هـ. 20/8/2007 م.
    
 

 


 

 


[1]  الذي يعطي النظام الشرعية هو التزامه بالعدل، وبالحكم بما أنزل الله .. وليست الأحزاب .. أما النظام الذي لا يلتزم العدل ولا يحكم بما أنزل الله .. فلا شرعية له .. ولو اجتمعت جميع أحزاب الأرض على أن تمنحه الشرعية .. فلا تقدر على ذلك .. لأن الحكم لله تعالى وحده .. وليس للأحزاب، أو غيرها!
[2] معناه لو خالف أحكام الشريعة وقانون رب العالمين .. فلا تجوز مساءلته ولا محاسبته .. فالمساءلة والمحاسبة مقيدة فقط بمخالفة القانون الوضعي المصري ودستوره الجاهلي .. وما سوى ذلك فللفرد أو المواطن أن يفعل ما يشاء .. ويعصي الله كيفما شاء .. وهذه إباحية وزندقة وكفر .. والعياذ بالله!
[3]  لا يقولنَّ قائل الديمقراطية هي الإسلام .. وهو إذ يُطالب بالديمقراطية فإنه يُطالب بالإسلام .. فهذا القول أو الفهم لا يصدر إلا عن جاهل أو زنديق كافر .. فالديمقراطية تعني دين الطاغوت وطريقته .. والإسلام يعني دين الله تعالى المنزل على أنبيائه ورسله .. وقد بينا ذلك بشيء من التفصيل كما في كتابنا ” حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية “، فراجعه إن شئت.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.