موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

الحديثُ عن منهَجِ التَّفجيرِ؛ كَلِمَةُ حَقٍّ يُرادُ بها باطِلٌ

0 440

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد.
          دأب كثيرٌ من شيوخ ودعاة هذا العصر ـ ومعهم بعض المثقفين والإعلاميين المأجورين ـ يتحدثون عن التفجير والمفجرين كمنهج، ومدرسة فقهية لها أساتذتها وفقهاؤها .. قائمة على مبدأ التفجير لا غير .. تستدعي الدراسة، والرد، والتحذير .. وتخصيص مساحة واسعة لها في وسائل الإعلام للرد عليها .. حتى أصبح الحديث عن التفجير عنواناً لكثير من المقالات والأبحاث التي تُكتب .. والبرامج التي تُزاع وتُنشر .. فوسعوا ضيقاً، وضخموا صغيراً؛ ليجدوا لأنفسهم المبرر في الطعن والغمز، والتشهير بما يمت للجهاد الشرعي بصلة .. ومن ثم يجدوا الغطاء والمسوغ للعدو في أن يُمارس قمة الإجرام والتفجير والعدوان على الإسلام والمسلمين .. بذريعة ضرورة محاربة التفجير والمفجرين من المسلمين!!

ابتداء نقول: لا يوجد مانع شرعاً ولا عقلاً يمنع من أن يُقال عن حدث معين أو تفجير معين .. هذا الحدث أو التفجير جائز أو غير جائز، صائب أو خاطئ، بحسب ما يترتب عليه من نتائج وآثار .. محمودة أو مذمومة شرعاً وعقلاً .. ينبغي على المجاهدين أن يفعلوا هذا ويجتنبوا ذاك .. فهذا لا حرج فيه؛ وبخاصة إن جاء من ناصح مُشفق عُرف بغيرته على الإسلام والمسلمين، والجهاد والمجاهدين.
          لا توجد مشكلة عند المسلمين أن يُقال عن الخطأ هذا خطأ، والصواب كذا .. هذا باطل والحق كذا .. فالخطأ مردود، والمنكر يُنكر .. أيَّاً كان صاحبه، وأيَّاً كانت مبرراته .. والحق مطلب المؤمن الصادق ولو جاء من عدوه .. وكان بخلاف ما يهوى ويريد.
          أما أن يحصل التوسع في رد الخطأ ليتعداه إلى رد الحق .. ورد ما هو واجب شرعاً .. فهذا عين الظلم والبغي، والغش والحرام!
أن يُتخذ الحديث عن التفجير كذريعة .. للطعن .. والتشهير بالجهاد والمجاهدين .. والتنفير عما يجب القيام به شرعاً .. ورد الحق .. فهذا لا يُقبل، وهو عمل مرذول ومردود ينبغي أن يترفع عنه ذوي المروءة والفضل، وبخاصة من ينتسب منهم إلى العلم والفقه! 
          أن يُتخذَ الحديث عن تفجير معينٍ ـ يحصل هنا أو هناك، ترتبت عليه بعض الآثار الضارة المردودة ـ ككلمة حق يُراد بها باطل؛ يُراد بها الجدال والذود عن الأنظمة الكافرة المرتدة الظالمة الفاسدة .. والتبرير لها ولوجودها وحكمها .. وأنها واقع مفروض لا بد للأمة من أن ترضى به، وتسلم له .. فهذا لا يُقبل .. ولا يليق بمن ينسب نفسه إلى العلم، والفقه والثقافة، وإلى قافلة الراغبين في تغيير واقع الأمة المزري إلى الأفضل والأحسن!
          أن يُستغَل الحديث عن تفجير معين ـ قد يقبل النقاش، والاختلاف ـ كذريعة لإبطال شرعية الخروج على طواغيت الكفر والردة، والظلم والفساد .. فهذا لا يُقبل .. وهو مكر مكشوف ومردود .. وهو معارض للنص الصحيح الصريح.
          أن يُستغَل حدَث مُتشابه .. لثني الأمة عن حقها في الخروج على أنظمة الكفر والظلم والفساد .. واستئناف حياتها الإسلامية الراشدة من جديد .. فهذا لا يُقبل .. وهو مكرٌ مكشوف ومردود .. وهو معارض للنص الصحيح الصريح.
تصعب مقاومة الحق .. ويصعب رده .. لأن الحق قوي بذاته لا يقوى الباطل على مواجهته .. لذا ترى أعداء الحق من الظالمين والمنافقين يلجأون إلى خطأ معين أو حدث مُتشابه يُمكن الخوض فيه ـ يحصل هنا أو هناك ـ ليضخموه ويتخذوه مطية لتشويه الحق، ورد الحق .. والتحذير منه .. والتشهير به وبأهله .. ومن أجل هذا المعنى نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن قتل رأس النفاق ابن أُبَي؛ حتى لا يُقال ـ من قِبل المتربصين من المنافقين والمرجفين ومن يسمع إليهم ـ أن محمداً يقتل أصحابه .. فيحصل المكروه والمحظور!
ونحن ـ بفضل الله عز وجل ـ طالما حذرنا إخواننا من أن يُؤتَوا من هذا الجانب .. حتى لا يستغل العدو ـ وأبواقه من المأجورين والمنافقين ـ المتشابه أو الخطأ من أعمالهم .. في محاربة ما هم عليه من حق .. فالذي كنا نخافه ونحذره ونحذِّر منه .. ها نراه الآن بأم أعيننا!
ثم نقول لذوي العمائم والأقلام المأجورة المتزلفة: ها أنتم تحدثتم بتوسع واستفاضة ومبالغة عن تفجيرات محدودة وضيقة في كمها وأثرها التي تُنسب لبعض المجاهدين .. فبالغتم في التحذير منها ومن أصحابها حتى حذرتم من الإسلام ذاته .. فهلا سخَّرتم شيئاً من مهاراتكم هذه في الحديث عن التفجيرات الضخمة والواسعة في كمها ونوعها وأثرها .. التي يقوم بها العدو ضدد الإسلام والمسلمين في بلادهم .. كما يحصل في فلسطين وأفغانستان، والعراق، والصومال، والشيشان، وغيرها من البلدان؟!
          علام هذا التفجير المحدود في عدده وكمه وأثره الذي يُنسَب لبعض المسلمين .. يثير اهتمامكم البالغ .. ويفتح شهيتكم في الحديث إلى أقصاها .. والنقد .. والتحذير والتشهير .. بينما التفجير الآخر .. بل والتفجيرات الأخرى .. الضخمة في كمها ونوعها وأثرها .. التي يقوم بها العدو على مدار الأيام من دون انقطاع .. مستخدماً أعتى الوسائل وأقواها .. والتي بها يدمر مدناً بكاملها .. ويقتل عشرات الألوف من المسلمين؛ من نساء وأطفال وشيوخ .. لا يثير شيئاً من تلك الاهتمامات، ولا يفتح شيئاً من شهيتكم على الحديث والنقد؟!
          ثم إذا أردتم أن تردوا خطأ معيناً يحصل هنا أو هناك .. لا يكفي ولا يُقبل منكم ـ كدعاة وفقهاء ومثقفين ـ أن يقتصر ردكم على الإشارة إلى الخطأ وآثاره فقط .. بمعزلٍ عن الإشارة إلى أسبابه ودواعيه، وظروفه التي أوجدته .. والتي منها طواغيت الحكم والظلم ذاتهم وما يُمارسونه من إجرام واستهتار بحقوق شعوبهم وأمتهم!
          فإن كنتم من ذوي الإصلاح بحق ـ كما تدعون ـ فأشيروا إلى الفساد والإجرام والظلم الواسع والضخم الذي يأتي من جهة طواغيت الحكم والظلم .. ومن جهة أنظمتهم الديكتاتورية الفاسدة الخائنة .. وما نظنكم بفاعلين!
          فعلامَ إذا جاء الخطأ من آحاد المسلمين ـ على محدودية أثره ـ انبريتم .. وأظهرتم مهاراتكم وبراعتكم .. في الحديث والنقد والكلام .. كفارس لا يُشق له غبار .. بينما إذا جاء الخطأ الفادح والمدمر في نوعه وأثره وكمه على البلاد والعباد من قِبل طواغيت الحكم والظلم .. خنستم .. وسكتم .. وتعاميتم .. وتغابيتم .. وكأنكم من كوكب آخر غير كوكب هذا الطاغية الحاكم؟!
          أهكذا تؤدَّى الأمانة .. أهكذا تُعالَج الأخطاء .. أهكذا يكون الصدع بالحق عند سلطان جائر، والذي يُعد من أحب الجهاد إلى الله تعالى؟!
          استوقفني مقال لداعية معاصر يرد فيه على منهج التفجير، قال فيه:” تأمل في قصة قتل موسى عليه السلام للقبطي الكافر الظالم في دولة ملحدة رئيسها فرعون ..”ا- هـ.
          الذي يهمني من عبارته هنا أسلوبه في الحديث عن القبطي كفرد عادي ووصفه له بالكافر الظالم .. بينما عندما أتى للحديث عن فرعون ـ رمز الطغيان والكفر والاستعلاء والظلم في الأرض ـ والذي هو مثل لفراعنة وطواغيت العصر .. تلطف في الحديث عنه، واكتفى بذكر اسمه ” فرعون ” كرئيس للدولة .. من دون أن يُضيف إليه وصف الطغيان والكفر .. أو أي وصف مشين .. تلطفاً ومراعاة لمشاعر طواغيت وفراعنة الحكم والظلم المعاصرين!
          إلى هذا الحد يُراعون مشاعر فراعنة وطواغيت العصر .. بينما على المخالفين لهم من المؤمنين المسلمين .. والمجاهدين المحتسبين .. تراهم من ذوي الألسنة الحداد، أشداء وأعزاء .. لا يُراعون فيهم إلاًّ ولا ذِمَّة!
          ونحن نقول لذوي الأقلام المأجورة؛ الذين باعوا أنفسهم وأقلامهم ودينهم لطواغيت الحكم والظلم: وفروا على أنفسكم جهدكم .. وأوقاتكم .. وثمن أقلامكم ومحابركم .. كل ما تقومون به من صخب ومكر وتلبيس .. لا يُقاوم حديثاً واحداً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .. من حيث الأثر على الأمة وعلى موقفها .. لا يُقاوم قوله وتوجيهه صلى الله عليه وسلم لأمته:” بأن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه؛ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ” متفق عليه. والأمة قد رأت ممن تجادلون عنهم من طواغيت الحكم والظلم المعاصرين الكفر البواح الذي لا يحتمل صرفاً ولا تأويلاً.
          مشكلتكم الحقيقية مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته وأوامره .. وليس مع التكفيريين .. ولا غيرهم .. ردوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إن استطعتم .. وما أنتم بقادرين.
          الأمة في موقفها من طواغيت الردة والظلم والفساد .. قد وقفت مع النبي صلى الله عليه وسلم .. ومع سنته .. وتوجيهاته وأوامره .. وأنتم أبيتم إلا أن تقفوا ـ ضد الأمة ودينها ـ مع الطواغيت الظالمين .. تستظلون بظلهم وظل قصورهم .. مستجيبين لنداء الهوى والشهوات والرغبات!
          احترموا أنفسكم .. احترموا العلم الذي منَّ الله به عليكم .. أنصفوا الحق من أنفسكم .. وأقلامكم .. وأهوائكم .. وأوليائكم من طواغيت الحكم والظلم .. توبوا إلى بارئكم قبل أن تموتوا .. فتُحشرون مع من جادلتم عنهم من طواغيت الكفر والظلم .. فيقع الندم، ولات حين مندم!
          تبرأوا من الظالمين اليوم قبل أن يأتي يوم لا تنفع براؤتكم منهم شيئاً، كما قال تعالى:) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ . وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (البقرة:166-167. 
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
13/5/1428 هـ. 29/5/2007م.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.