موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مسألة التعامل مع عناصر المخابرات

0 551

بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله، أما بعد الشيخ الفاضل بداية أرجو من الله أن تكونوا بخير وصحة وعافية، كنت قد أجبت على سؤال تم طرحه في منتدى أنا المسلم، بعد أن وُجه لي وطلب مني الإجابة عليه عبر الخاص والعام، وأثير حوله غلط ولغط حتى من السائل نفسه الذي تبين فيما بعد أنه صاحب فتنة لا مجرد سائل، وكالعادة كان هناك من قاد حملة مسعورة ضد جوابي كالصمدي الذي أجاب على نفس السؤال بنفس إجابتي إلا أنه أوهم القرّاء خلاف ذلك بعد تلاعبه بالألفاظ وشيء من الثرثرة وتقديم وتأخير في الجواب واستعمال الإطلاق ومن ثم التقييد، إضافة إلى تقطيع الإجابات، لا أطيل عليكم، كان السؤال عن حكم التعامل مع رجل مخابرات، وهذا التعامل المراد منه تعاملاً خارجاً عن نطاق عمله، ولا علاقة له به وإنما كتعامل جار أو قريب، ظاهر هذا الرجل الخير مع تردده للمسجد،

فأجبت على جواز هذا التعامل معه إن كان خارج العمل، كالسلام عليه أو نصرته على ظلمه أو نصرته على من ظلمه، كلص يعتدي عليه أو على أهله أو ماله وقد استغاث بهذا الجار، وكما أنني اشترطت أن لا يكون هذا الرجل قد علم عنه تجسساً على أحد من المجاهدين أو ناصرهم ضدهم، أو حمل السلاح أو قاتلهم كما أنه لا يقبل بحكمهم ولا يقر به ولا يرضاه، مع عدم التقاء الصفوف وإنما الحديث في حالة غير الحروب، كما أن هذا الرجل في تلك الدائرة قد تكون طبيعة عمله إمساك من يتاجر بالمخدرات أو عصابات السرقة وما شابه ذلك، والدافع له للعمل هذا فقط المال وكما يقال ضيق الحال، مع تبياني لعدم جواز هذا العمل وحرمته وشدة خطورته، إلا أن البعض وخاصة السائل وللأسف وآخرون، قد أقاموا الدنيا وأقعدوها لما أجبتهم به، وزعموا أنني قد خالفت المنهج وخرجت عن النصوص، وأقوال أهل العلم، وجعلوا كلامهم في العموم وأنا أتكلم عن حالة خاصة، وبشروط معتبرة، وكان هذا على الرابط التالي لعلكم تتطلعون عليه …. أنتظر إجابتكم، ولعلكم تذكرونني.

أخوكم

أحمد بوادي / أبو داود السافري
الجواب: الحمد لله رب العالمين. الأخ الفاضل أحمد بوادي، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد.
          فقد وقفت على رابط الحوار في منتدى شبكة ” أنا المسلم ” الذي أحلتني إليه .. حول مسألة، طرحها السائل بهذه الصيغة:” هل يجوز إقامة علاقه مع رجل مخابرات وهو من رواد المساجد وظاهره الصلاح، وما حكم هذه العلاقة؟” .. فساءني هذا التنابز بالألقاب الدائر بين الإخوان في المنتدى .. غفر الله لهم .. ما هكذا تُطرَح المسائل الشرعية .. ولا هكذا يتم مناقشتها .. وتناولها .. فالنزاع وارد وممكن الحصول فيما اختلفتم فيه، والواجب في هذه الحالة رد النزاع إلى الله، والرسول صلى الله عليه وسلم .. وليس إلى شيء آخر غير ذلك، كما قال تعالى:) فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء:59.
          وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” المستبَّان شيطانان يتهاتران، ويتكاذبان “[ صحيح الأدب المفرد: 330].
          فإن عُلِم ذلك أجيب عما سألتني عنه بما يلي:
          1- السؤال ذاته فيه إشكال واضطراب .. وتناقض .. إذ كيف يكون رجل من رجال مخابرات الطاغوت .. ثم يكون ظاهره الصلاح .. كيف يكون رجل يجمع ظاهره بين الكفر والشرك والتقوى والصلاح .. بين الشيء وضده في آنٍ معاً .. والمعلوم من ديننا بالضرورة أن الشرك يحبط العمل الصالح كلياً، كما قال تعالى:) وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأنعام:88. وقال تعالى:) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (الفرقان:23.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” لا يجتمعُ الإيمانُ والكفرُ في قلب امرئٍ “[ السلسلة الصحيحة: 1050].
          فكان الواجب ابتداء تصحيح سؤال السائل .. وتحري مراده قبل إجابته.
          2- فيما يخص إجابتك .. عندما أفدت السائل بقولك:” إن لقيته سلّمت عليه، وإن زارك استقبلته، وإن دعاك لخير لبَّيتَ طلبَه، وإن استنصحك نصحته، وإن استنصرك نصرته، وإن احتجته في أمر لك قصدته، وإن رأيته على منكر نهيته، وإن وجدته على خير دعوت له، فأسأل الله أن تكون هذه العلاقة من البر والإحسان تُؤجَر عليها إن شاء الله ” ا- هـ. أراك ـ غفر الله لك ـ قد تسرّعت بعض الشيء .. فلم تستَفْهِم السائل، ولم تُفْهِمه .. واختزلت واختصرت في موضع يُستَحسَن فيه البسط والتفصيل .. وتفسيرك اللاحق لكلمتي ” النصيحة والنصرة ” التي أطلقتهما في إجابتك .. تبسيط مخل لمعنى النصيحة ومعنى النصرة .. فالدين كله النصيحة .. ولما فسر النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة، وبين لمن تُصرَف إليهم النصيحة، كما في الحديث المشهور الذي رواه مسلم وغيره، قال r:” الدينُ النصيحة، قلنا لمَن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسولِه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم “، فلم يذكر منهم الكافرين والمرتدين .. وكذلك النصرة تشمل الذي ذكرت والذي لم تذكر .. فالنصرة من أخص معاني الموالاة التي لا يجوز صرفها إلا للمؤمنين الموحدين .. لذلك ينبغي التحفظ من إطلاق هاتين الكلمتين ” النصيحة والنصرة ” في معرض التعامل والتخاطب مع حراس وجواسيس الطواغيت وعروشهم.
          3- فيما يخص إجابة رضا صمدي عن السؤال .. كذلك فهو ـ غفر الله له ـ قد تسرَّع الإجابة .. ولم يُصِب الحق .. وذلك عندما أفاد السائل بقوله:” العمل في المخابرات أقل أحواله الحرمة، فإن كانت الدولة تعادي الإسلام وأهله وتحارب الدعوة والدعاة والجهاد والمجاهدين فقد يكون عمله كفراً أكبر مخرجا من الملة “ا- هـ.
          فقوله:” العمل في المخابرات أقل أحواله الحرمة “؛ لغو خارج موضوع السؤال ..! 
          وقوله:” فقد يكون عمله كفراً أكبر مخرجا من الملة “؛ أي قد يكون عمله كفراً وقد لا يكون كفراً .. ” فقد ” تفيد انتفاء الجزم بوجه من الوجوه، فهي تعني وتحتمل حصول هذا أو هذا .. فهو ـ في إجابته ـ لم يجزم حتى بكفر العمل .. فضلاً عن الجزم بكفر العامل أو الفاعل .. فهو لم يتوقف في تكفير الفاعل وحسب بل توقف حتى في تكفير الفعل والعمل .. ولا يتوقف في تكفير الفعل والعمل كمخابرات وجاسوس عند الطغاة المجرمين المحاربين لله ولرسوله، والإسلام والمسلمين .. إلا من كان عنده دخن ومشكل كبيرين في مسمى الكفر والإيمان .. وهذا الذي فات الإخوان .. ولم يتنبهوا له .. فظنوا أنه قد أصاب الحق فيما قد أجاب به عن السؤال!
          إجابة الرجل بهذه الصورة مرده لاضطرابه وتذبذبه في مسائل الكفر والإيمان .. ومواقفه المضطربة ـ والمعهودة ـ من طواغيت الحكم وأنظمتهم وجندهم.
          فإن قيل: كيف ترون توجيه المسألة، والجواب عنها ..؟
          أقول: يُجاب عنها بما يلي:
          1- يجب أن يُعلَم أن أشد الأجهزة ـ التي تعمل لصالح الطغاة المجرمين وأنظمتهم وعروشهم ـ ظلماً وكفراً .. والتي تنتفي أو تقل بحقها الأعذار وتنتفي عنها موانع التكفير .. هي أجهزة المخابرات الساهرة على حماية  وحراسة كفر وظلم وفساد الطغاة الآثمين وأنظمتهم .. والتي ليس لها عمل غير ذلك!
          2- يجب التفريق بين المجنَّد ـ في صفوف المخابرات عند الطغاة ـ تجنيداً إجبارياً .. الذي لا سلطان له على رده .. أو الخلاص منه .. والذي قد يطاله عذر ومانع ) إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (النحل:106. وبين المتطوع من تلقاء نفسه من غير إكراه .. فالأول لا يكفر بعينه .. مع بقاء القول بكفر فعله وعمله .. وهذا إن أظهر لنا الصلاح .. وعرفنا منه أنه ممن يحبون الله ورسوله .. ويوالون في الله ويُعادون في الله .. فهذا نمد له من حبال الود على قدر ما يظهر لنا منه من صلاح .. ونتأول له ما أمكن التأويل لأمثاله شرعاً .. بينما الآخر المتطوع ـ حتى ولو كان من أجل المال والراتب ـ يكفر بعينه .. كما يُكفّر فعله وعمله، ولا كرامة .. فالحرص على المال والراتب، واستحباب الحياة الدنيا على الآخرة ليس مانعاً من موانع التكفير، كما قال تعالى:) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (النحل:107.
          3- إن ظهرت لنا بعض القرائن الدالة على أن المتطوع للعمل كمخابرات .. يمكن تأليف قلبه على الإسلام .. وحمله على التوبة .. أو يمكن تجنيده للعمل لصالح الإسلام والمسلمين .. فيخذّل عنهم ما استطاع .. ضد من هو بصفوفهم من الطغاة المجرمين .. وصلناه وعاملناه برفق .. ما يُعين على تحقيق هذه النتيجة .. لأن المسلم داعية إلى الله .. والناس كلهم ـ بكل أطيافهم وأعمالهم ـ هدف لدعوته وكلماته، كما قال تعالى:) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (سبأ:28. أما إن لمسنا منه العناد والكبر .. والكره والبغض لله ولرسوله وللمؤمنين .. وأن احتمال تأليف قلبه على الحق بعيد .. أعرضنا عنه .. وعاملناه بجفاء وغلظة ما أمكننا ذلك .. عملاً بقوله تعالى:) وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً (التوبة:123. وقوله تعالى:) أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ (الفتح:29. وقوله تعالى:) إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (الممتحنة:4.
          هكذا أرى توجيه المسألة .. وهكذا أجيب عنها .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
18/2/1431 هـ. 2/2/2010 م.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.