موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

وقفات مع بيان ” على أي أساس نقاتل ” الذي وقَّع عليه ستون من كبار المفكرين، والفلاسفة، والكتَّاب الأمريكيين

0 437

وقفات مع بيان ” على أي أساس نقاتل ”
الذي وقَّع عليه ستون من كبار المفكرين، والفلاسفة، والكتَّاب الأمريكيين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد.
فقد صدر عن ” معهد القيم الأمريكية ” في شهر فبراير لعام 2002 ميلادي، بيان بعنوان ” على أي أساس نقاتل؟ ” وقَّع عليه ستون من كبار المفكرين، والفلاسفة، والكتَّاب الأمريكيين[[1]].

وقد قام بالرد على هذا البيان مجموعة من علماء ومشايخ، ومثقفي الجزيرة العربية .. في بيان معاكس، تحت عنوان ” على أيِّ أساس نتعايش ؟!” .. فيه خير وفائدة .. مع وجود بعض الإطلاقات والإيماءات وردت فيه لنا عليها بعض التحفظ .. ونعتقد عدم صوابها .. ولا نقول إلا جزاهم الله تعالى خيراً فيما أصابوا فيه .. وغفر لهم فيما أخطأوا فيه.
واستكمالاً للنصح والفائدة رأيت أن أدون بعض الملاحظات والوقفات على بيانهم المذكور أعلاه ” على أي أساس نقاتل ” .. والله المستعان.
فأقول: القوي الظالم لا يأبه لنقد الضعفاء؛ لأنه يملك الآلة التي يُحوِّل بها نقدهم إلى تهمة يؤخذون عليها بالنواصي والأقدام .. كما أنه ـ بفعل آلته الضخمة ـ قادر على أن يُحول ظلمه ـ في أعين الناس ـ إلى عدل مطلق لا يقبل النقاش ..!
ومن جهة قضت سنة الظالمين ـ في زمانٍ يسود فيه قانونهم ـ أن لا يُسمع للضعيف .. مادام هذا الضعيف ـ واقعاً ـ لا يستطيع أن يُدافع عن مظلمته وقضيته .. كما أنه لا يستطيع أن يتجاوز حدود الشكوى والأنين .. وبصوت منخفض لا يؤذي به مسامع المستكبرين!
وهؤلاء القوم الستون من مفكري ومثقفي أمريكا استشرفوا الحوار ـ من وراء جحورهم ومكاتبهم ـ وزعموا النصح للجميع .. فجاء نصحهم .. وحوارهم .. توقيعاً وإقراراً للجريمة الشنعاء التي يمارسها ساستهم وقادتهم بحق الشعوب المستضعفة .. باسم الدفاع عن القيم .. والحرية .. والعدالة .. زعموا!
لذا تعين من جهتنا الرد والنصح والبيان .. معذرة إلى الله .. ولعلهم يرجعون ) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الأعراف:164.
قالوا عن قيمهم الأمريكية التي يُقاتلون ويقتلون الناس لأجلها:” نحن نؤكد الحقائق الخمس الأساسية المتعلقة بجميع البشر بدون تمييز:
1ـ يولد جميع الناس على الحرية والمساواة في الاحترام والحقوق.
2ـ العنصر الأساسي للمجتمع هو الإنسان نفسه، ودور الحكومة الشرعي هو الحماية والمساعدة في تطوير الازدهار البشري.
3ـ من طبيعة البشر الرغبة في البحث عن الحقيقة من مقصد الحياة ومصيرها.
4ـ حرية الاعتقاد والحرية الدينية من الحقوق الغير قابلة للانتقاص لجميع البشر.
5ـ القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله وهو أعظم غدر لشمولية معنى الإيمان لدى البشر.
نحن نقاتل للدفاع عن أنفسنا، وعن هذه المبادئ العالمية ” ا- هـ.
أقول: لا أريد هنا أن أتوسع في نقاش هذه المبادئ الآنفة الذكر .. من منظور عقيدتنا السمحاء .. فهذا له مواضع أخرى .. وأكتفي هنا بتسجيل الملاحظات التالية:
1ـ قولهم بأن الناس يولدون أحراراً وهم متساوون في الحقوق والاحترام .. فإن أمريكا لم تعرف ذلك إلا منذ خمسين عاماً فقط؛ أي أنها قبل ذلك كانت قوانينها قائمة على التمييز العنصري بين الغني والفقير، وبين الأبيض والأسود، فلا يجوز للأسود أن يتزوج من الأبيض، ولا أن يدخل من الباب الذي يدخل منه الأبيض، كما لا يجوز للأسود أن يجلس في الحافلة والأبيض قائم إذ الأولوية للأبيض، كما لا يجوز له بأن يجلس أمام الأبيض حتى لا يتلوث نظر الآخر به .. هذا كان موجوداً منذ خمسين عاماً فقط .. وما قصة المرأة السوداء ” روزا باركس ” التي تعرضت للسجن والمساءلة ودفع الغرامة المالية بسبب عدم قيامها لرجل أبيض في الحافلة .. عن مسامع القوم ببعيدة!
هذا المعنى هم الموقعون على البيان أنفسهم يعترفون به عندما قالوا في بيانهم:” ومن أوضح التعبيرات الثقافية لهذا المعنى التي ظهرت في الأجيال المتأخرة في الولايات المتحدة التأكيد على الاحترام المتساوي للرجال والنساء ولجميع الأفراد بغض النظر عن جنسهم ولونهم “!
فقولهم ” الأجيال المتأخرة ” يعني أن الأجيال الأمريكية الأولى والمتقدمة لم تكن تسوي بين الناس في الاحترام .. وكانت تفرق فيما بينهم على أساس الجنس واللون .. هذا إذا علمنا أن أمريكا كلها ـ بالنسبة لامتداد الزمن ـ لا يزيد عمرها عن مائتي عام ..!
هذه هي أمريكا .. بينما الإسلام قبل أكثر من ” 1400 ” عام منذ أن بعث الله محمداً r .. يقرر أنه لا فرق بين عربي ولا عجمي .. ولا بين أسود ولا أبيض .. ولا بين غني ولا فقير .. ولا بين شريف ولا وضيع .. إلا بالتقوى والعمل الصالح .. وقد جسد تلك المعاني في واقع عملي لم يعرف التاريخ له مثيلاً ..!
والذي نريده مما تقدم أن نقول: أن الأمة الأمريكية ليست تلك الأمة العريقة في قيمها وأخلاقها ـ باعتراف هؤلاء المثقفين أنفسهم ـ فهي لا تزال حديثة عهد مع القيم والأخلاق .. وهي في كثير من الأحيان تناقض تلك القيم بلسان الحال أو القال .. وبالتالي لا يحق لها أن تستشرف وتقارن نفسها بما حققته حضارة الإسلام الضاربة الجذور عبر مئات القرون من الزمان .. من قيم وأخلاق .. فضلاً عن أن تزعم لنفسها الريادة في هذا المجال ..!!
نعم لو قالت أمريكا أنها الأولى عبر التاريخ في حضارة صناعة القنابل الفتاكة .. والآلة العسكرية الضخمة التي يكون ضحيتها .. الأطفال والنساء .. والناس الأبرياء بالدرجة الأولى .. لو قالت ذلك لكان صواباً .. فإننا نسلم بأن لها الريادة في هذا المجال .. أما في مجال الأخلاق والقيم .. فلا!! 
2ـ قولهم بأن حرية التدين والاعتقاد حق لجميع البشر .. كان يجب أن يستثنوا فيقولوا:” إلا المسلمين فلا حرية لهم ..! “.
نعم إلا المسلمين .. لا حرية لهم بأن يمارسوا دينهم وشعائرهم .. فلا يجوز أن تُقام لهم دولة .. حتى اللحى التي تُرخى تديناً يجب أن تُحلق .. وحتى النساء لا يحق لهنَّ أن يرتدين الحجاب امتثالاً لأوامر دينهن[[2]]!
ما من أمة أو شعب إلا له دولة بل ودول تمثله إلا المسلمين .. مليار ونصف المليار من المسلمين .. لا يحق لهم أن يحلموا بقيام دولة تمثلهم وتدافع عنهم وعن حقوقهم .. فضلاً عن أن يعملوا من أجل قيام هذه الدولة ..!
ولما تجرأت فئة من المؤمنين ـ ممثلة في الطالبان ـ في أفغانستان .. على أن تخطو خطوات عملية نحو هذا الهدف المشروع الذي هو من صميم عقيدتنا وديننا .. قام لها جميع العالم الصليبي المتحضر الراقي وعلى رأسهم أمريكا .. ليحاصروها من كل حدب وصوب .. وليمنعوا عنها كل شيء .. حتى الهواء لو استطاعوا .. ولما وجدوا أن ذلك قد يُطيل من أمد القضاء عليهم وعلى تجربتهم .. قاموا بإلقاء ملايين من أطنان القنابل والصواريخ .. الفتاكة والمحظورة .. لتحصد كل من تقع عليه من شعب أفغانستان المسلم البريء ..!!
وما أكثر الأدلة ـ لو أردنا الإحصاء ـ التي تدل على مطاردة أمريكا ـ إما بنفسها وإما بواسطة عملائها وعبيدها من الحكام ـ لكل حركة إسلامية جادة أو مسلم يريد أن يعيش دينه بحق ..!!
لعلكم أيها المفكرون المثقفون .. تقصدون هذا النوع من الحرية .. ؟!!
فإن قلتم: نعم .. فنحن نعترف لكم أنكم بحق ترعون حرية التدين للآخرين .. وأنكم الأسياد في هذا المجال!!
ولكي تتعلموا مزيداً من قيم وأخلاق ديننا الحنيف نطالبكم بأن تراجعوا تاريخ دولة الإسلام الذي امتد لأكثر من ثلاثة عشر قرناً .. والتي سادت في بعض أحقابها أكثر من نصف الكرة الأرضية .. وتتأملوا كيف كان تعاملها مع الرعايا من غير المسلمين ..!!
يكفي أن نزف لكم قول نبينا محمد r قبل أكثر من ” 1400 ” عام .. وهو يوجه الأمة نحو كمال الأخلاق والقيم:” إن الغادر يُنصب له لواءٌ يوم القيامة يُعرف به، فيُقال: هذه غدرة فلان بن فلان .. من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً .. من قتل رجلاً من أهل الذمة، لم يجد ريح الجنة وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين عاماً ..”.
فأين أنتم .. وأحباركم ورهبانكم .. وسيرتكم الماضية والحاضرة .. من هذه القيم والأخلاق .. وهذا التوجيه ؟!! 
3- قولهم :” القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله، وهو أعظم غدر لشمولية معنى الإيمان لدى البشر “.
وقالوا نحوه في موضع آخر من بيانهم:” نحن جميعاً متحدون في الإيمان بأن قتل الناس أو جرحهم بزعم التفويض من الله عمل مخالف للأخلاق وللإيمان بالله ..”!
أقول: هذا قول خاطئ لا يصح على إطلاقه، وبيان ذلك: أن استباحة حرمة أي شيء لا بد أولاً من استئذان مالكه .. فإن أذن وإلا فلا .. فهذا الذي يدخل بيوت الآخرين بإذن أصحابها ومالكيها .. ويأخذ منها بإذنهم ما يشاء .. لا يُقال له قد اعتدى على حقوق وحرمات الآخرين .. نعم لو فعل ذلك بغير إذنٍ منهم .. أو بإذن غيرهم من الناس .. يُقال له سارق ومعتدٍ ونحو ذلك.
وجميع الأديان السماوية متفقة على أن هذا الكون وما فيه هو ملك لله U وحده .. خاضع لسلطانه وأمره .. لا يحق لأحد أن يتصرف به أو بشيء منه إلا بإذنه ووفق أمره .. والإنسان هو من ملك الله U لا يخرج عن ذلك .. لا يحق لأحد أن ينال منه بشيء إلا باسم الله ووفق أمره .. كما لا يحق للإنسان ذاته أن ينال من نفسه بشيء ـ وهي نفسه! ـ إلا بإذن الله .. ووفق أمره.
من هنا تظهر الحكمة بعدم جواز قتل الإنسان لنفسه .. وتظهر الحكمة من وجوب ذكر اسم الله تعالى عند ذبح المواشي وغيرها .. وكذلك ذكر اسم الله عند تناول الطعام والشراب .. وعند الزواج والنكاح .. فكل ذلك يجب أن يتم باسم الله تعالى .. لا يجوز استحلال شيء منه إلا باسم الله .. لأن الجميع من ملكه لا من ملك أحدٍ سواه ..!
قال تعالى:) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (الإسراء:33. فمن الذي يحدد هذا الحق ..؟!
المثقفون الستون يقولون: الذي يحدد هذا الحق جورش بوش .. أمريكا .. قوانين الأمم المتحدة .. الأحبار والرهبان .. وغير ذلك من الأسماء التي من الممكن أن يذكروها ..!
والجواب عليهم: أن الذين ذكرتموهم لا يملكون الإنسان .. بل هم مملوكون لله .. فكيف يحق لهم أن يستبيحوا حرمة إنسان معصوم ـ لا يملكونه ـ وفق أهوائهم ونزواتهم .. ومصالحهم الذاتية؟!
كيف يصح عقلاً وشرعاً أن يُقبل من إنسان أن يُضحي ويُنفق مما لا يملك .. ولا سلطان عليه ..؟!!
فالإقرار للإنسان ـ أياً كان هذا الإنسان .. وكانت الجهة التي تمثله ـ بأن له الحق في أن يُحدد ـ من تلقاء نفسه ـ من يجوز قتله ومن لا يجوز .. هو إقرار صريح بدخول العباد في ملكية وعبودية العباد ..!!
أما نحن المسلمون نقول: الذي يملك هذا الحق .. وتحديد هذا الحق .. هو الله تعالى وحده؛ لأن الله تعالى وحده هو الذي خلق الإنسان .. وهو وحده الذي له كامل الحق في أن يتصرف بهذا الإنسان وفق مشيئته العادلة .. فالله تعالى حرم على نفسه الظلم .. وجعله بين العباد محرماً .. وهو تعالى لا يشاء لنفسه إلا العدل المطلق والرحمة المطلقة .. ولا يرضى من عباده إلا العدل الذي أمرهم به .. كما أن الإنسان لا يجوز أن يكون عبداً إلا لله تعالى وحده الذي خلقه.
نعم .. يمكن القول: بأنه لا يجوز قتل النفس باسم الله ظلماً وعدواناً .. وبغير سلطانٍ من الله .. فمن فعل ذلك يكون قد ارتكب جرمين: جرم قتل النفس بغير حق .. وجرم أنه فعل الظلم
باسم الله .. ونسبه إلى الله .. والله تعالى منه بريء ..!
فهذا المعنى لا شك أنه مذموم عقلاً وشرعاً .. نبرأ إلى الله تعالى منه ومن أهله .. والإسلام
حذّر أشد التحذير من الغلاة أهل الإفراط والجور ..!
كما حذر من الكذب على الله والقول عليه بغير علم، كما في قوله تعالى:) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (هود:18.
وقال تعالى:) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (الأنعام:21.
وقال تعالى:) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ (الزمر:32.
إضافة لهذا الوعيد المخيف الذي ترهبه النفوس المؤمنة .. فديننا محفوظ .. قد تكفل الله بحفظه .. وهذه حقيقة تمنع العلماء والأحبار من أن يُضيفوا أو يحذفوا منه شيئاً .. ولو تجرأ بعضهم على ذلك .. لعُرف ما أحدثوه في الدين .. وعُرفوا .. وسرعان ما يُنكر عليهم وعلى ما أحدثوه في الدين .. وهذه خصلة تفرد بها الإسلام .. ليست لأمة أو دين غير دين الإسلام .. إذ ما من دين أو أمة إلا تلاعب بها أحبارها ورهبانها .. فحللوا لهم ما حرم الله .. وحرموا عليهم ما أحل الله .. ووقعوا عن الله بالكذب والزور .. وشعوبهم قد تابعتهم على ذلك .. إلا ملة الإسلام.  
لذلك فإن ظاهرة القتل باسم الله ظلماً وعدواناً .. هي ألصق بالأمم الأخرى من أمة الإسلام .. أما ملة الإسلام فهي براء من هذا الخلق .. براءة الذئب من دم يوسف .. والتصرفات الشاذة التي صدرت عن الخوارج ومن تابعهم من الغلاة .. فهي تصرفات شاذة حصل إجماع الأمة على بطلانها وذمها .. والإسلام هو أول من حاربها وأنكرها عليهم .. وأخذ على أيديهم بالضرب والزجر.   
4ـ قولهم:” نحن نقاتل للدفاع عن أنفسنا، وعن هذه المبادئ العالمية “، هو إقرار صريح منهم أن قتالهم لا يقتصر على حدود الدفاع عن النفس .. بل يتعدى ذلك إلى الطلب .. والهجوم على كل من يعتدي أو يتجاوز هذه المبادئ العالمية .. وفي أي مكان أو بلد كان!
وإذا جاز لهم ذلك .. تحت شعار الدفاع عن المبادئ الخمس الآنفة الذكر .. جاز لغيرهم ذلك كذلك .. وتحت شعار مبادئ عالمية أخرى .. والسؤال: علام يُحرمون على غيرهم ما يُجيزونه لأنفسهم ..!!
علام يُحرمون على غيرهم جهاد وقتال الطلب .. ويجرِّمونهم عليه مهما عظمت غاياته
ومقاصده .. ويُحلونه لأنفسهم في أقبح صوره .. كما حصل ولا يزال يحصل في أمصار عدة؟!
ثم ما الذي يضمن للشعوب أن تتحول هذه المبادئ إلى صنم .. وتكون ذريعة لتحقيق الأطماع، والتوسع والاعتداء على حرمات وحقوق الآخرين .. كما زعمت أمريكا أنها ذهبت إلى أفغانستان من أجل الحرية .. وحقوق الإنسان .. فقتلت الحرية وحقوق الإنسان معاً .. وأهلكت الحرث والنسل!!
وكذلك في العراق .. زعمت أنها تقاتل من أجل هذه المبادئ الخمس .. فقتلت مليون وخمسمائة ألف طفلاً تحت وطأة الحصار والجوع .. وما أكثر الجرائم الأمريكية التي حصلت في العالم باسم هذه المبادئ الخمس .. لو أردنا الإحصاء!
قالوا:” نحن متحدون في اعتقادنا الجازم أن الاحتجاج بأية سياسة خارجية محددة لن تبرر أو حتى تفسر التذبيح الجماعي للأبرياء ..”.
أقول: ونحن كذلك ـ كمسلمين .. جميع المسلمين ـ متحدون في اعتقادنا أن ما حصل لأمريكا في / 11 سبتمبر / .. لا يبرر لأمريكا مطلقاً أن تتجاوز في الرد لتقوم بذبح وقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء .. وغيرهم من الأبرياء ..!
لا يبرر لها مطلقاً أن تتجاوز في الرد .. لتعتدي على حرمات شعب بكامله .. لتقتل شعباً بكامله .. لتسقط نظاماً ارتضاه أكثر أهل بلده ..!
منطق العدل المطلق الذي تقره جميع العقول السليمة .. يؤكد أنه لا تزر وازرة وزر أخرى .. وأن المرء لا يؤخذ بجريرة أو فعل غيره ..!
بينما منطق العدالة الأمريكية .. كما هو مشاهد وملموس ومسموع .. يقرر أن شعوباً ودولاً بكاملها تؤخذ وتعاقَب .. بجريرة فرد أو أفراد ..!!
هاهو كبيركم ” بوش ” يصرح بملء فيه: فمن لم يكن معه في حربه الصليبية .. فهو ضده .. وهو مستهدف من حربه ضد الإرهاب .. كما زعم!
ثم اعتداء أمريكا على الشعوب .. والدول الأخرى .. لم يقتصر على المواقف السياسية كما ذكرتم .. بل تعداها إلى ممارسة القتل والإبادة الجماعية للأبرياء .. وتدمير المدن .. وهدم البيوت والمنازل على أهلها .. وهي تارة تمارس ذلك بنفسها .. وتارة عن طريق عملائها .. الذين لولا تأييد أمريكا وحمايتها لهم لما تجرءوا على ارتكاب جرائمهم بحق الأبرياء .. كما حصل ولا يزال يحصل في فلسطين .. وأفغانستان .. والشيشان .. والعراق .. وكشمير .. وما أطول القائمة لو أردنا الإحصاء ..!
لذا ينبغي أن تتوقعوا ردة الفعل من الآخرين .. بغض النظر عن هذا الرد هل هو في
حدود المشروع أم لا .. وهل حصل فيه نوع إسراف وتجاوز أم لا .. وبالتالي لا تتظاهروا ـ كالثعالب ـ بأنكم أبرياء .. كالقطط الوديعة .. لا تعرفون لماذا الآخرين يستهدفونكم .. ويستهدفون أمريكا .. وتقولون أنهم يريدون قتلكم لمجرد الرغبة في القتل فقط .. كما ذكرتم في بيانكم ..!!
ما أصابكم .. ويصيبكم ـ باتفاق جميع العقلاء ـ  هو من عند أنفسكم .. أنتم المسؤولون عنه بالدرجة الأولى قبل غيركم .. لو كنتم تعلمون!
وقالوا عن قيمهم كذلك:” الجزم بأن الأفراد يملكون حرمة ذاتية كحق مكتسب بمجرد وجوده كإنسان، ومن ثم يجب أن يُعامل كل إنسان كغاية لا كوسيلة .. “. 
أقول: بغض النظر عن مدى دقة وصحة هذا التعبير .. فهلا قلتم ذلك لقادتكم .. وحكام بلادكم ..؟!
المسألة لا تنتهي عند حدود التنظير وإطلاق العبارات المثالية البراقة .. والخدّاعة .. لا بد من عمل .. لا بد من واقع .. لا بد من برهان يثبت صحة وواقعية هذا التنظير وهذا الكلام ..!
فأين أمريكا .. وقادتها .. وسياساتها .. ومواقفها .. التي تثبت بأن الإنسان غاية لا وسيلة ..؟!!
لعلكم تقولون .. لدينا البرهان .. وبرهاننا: أننا قتلنا ـ والقتل مستمر ـ ما يزيد عن مليون ونصف المليون طفل من أطفال العراق ..!
برهاننا أننا قتلنا وشردنا عشرات الآلاف من نساء وأطفال أفغانستان .. دمرنا المنازل والمساجد على الآمنين الأبرياء منهم!
برهاننا أننا ندعم ـ ولا نزال ـ الآلة العسكرية الصهيونية المحتلة لفلسطين وشعب فلسطين .. لتقتل الأبرياء .. وكان آخر مسلسل هذا الدعم أننا سمحنا لهم بأن يرتكبوا مجازر جماعية بحق أهالي ” جنين ” .. وغيرها من المدن والمخيمات الفلسطينية ..  ومنعنا المجتمع الدولي من إرسال وفد لتقصي الحقائق هناك .. أو حتى مجرد توجيه إدانة لشارون وعصابته ..!!
برهاننا .. أننا دمرنا مصانع الأدوية في السودان .. وحاصرنا أهله لسنين عديدة .. ولا نزال!
برهاننا .. أننا ما من نظام طاغٍ في العالم ـ وبخاصة العالم الإسلامي ـ يسوم أبناء شعبه القتل، والظلم والعذاب .. إلا ونحن ندعمه ونؤيده .. ونمنحه الغطاء لجرائمه بحق الإنسان ..!
فإن كانت هذه أدلتكم وبراهينكم .. وهذا الذي تعنونه من قولكم بأن الإنسان عندكم غاية لا وسيلة .. فقد صدقتم .. ونحن نسلم لكم بأن لكم الريادة والسبق في ذلك!!
          قالوا:” الإيمان بوجود حقائق أخلاقية شمولية التي عبر عنه مؤسسو الولايات المتحدة بـ “ قوانين الطبيعة وقوانين إله هذه الطبيعة ” وأنها في تناول جميع الناس .. “.
          أقول: قولهم ” قوانين الطبيعة وقوانين إله هذه الطبيعة ” وكأن الطبيعة إله لها قوانينها المغايرة والمختلفة لقوانين إله هذه الطبيعة .. فقوانينها لا تخضع لقوانين الله .. فقوانين الله شيء .. وقوانين الطبيعة شيء آخر ..!!
          وهذه عقيدة وثنية شركية مغايرة لعقيدة جميع الأنبياء والرسل الدالة على أن الطبيعة .. والكون كله وما فيه خاضع لقانون الله U .. ولحكمه وأمره .. لا يخرج شيء ـ مهما دق أو عظم ـ عن سلطانه وحكمه ..!
          وقولهم عن الطبيعة وقوانينها ” أنها في تناول جميع الناس ” .. قول يكذبونه في قوانينهم العديدة ـ الصادرة عن أممهم المتحدة ـ  التي تبيح لهم ما لا يجوز لغيرهم .. كاستثمارهم واحتكارهم للطبيعة في تصنيع الأسلحة النووية الفتاكة .. دون غيرهم .. وبخاصة إن كان هذا الغير .. من المسلمين .. أو ممن ينتمي إلى العالم الإسلامي ..!
          فالويل كل الويل لمن ينشط ـ من العالم الإسلامي ـ لاستثمار الطبيعة في تصنيع الأسلحة النووية أو غيرها من الأسلحة المتطورة .. أما هم فلهم كامل الحق في تصنيع جميع الأسلحة النووية الفتاكة .. التي لا تبقي ولا تذر .. ومن غير رقيب ولا حسيب!!
          قالوا عن قيمهم كذلك:” بسبب أن الأفراد والجماعات لا يقدرون على الوصول إلى الحق الكامل، فإننا نعتقد أن أكثر الاختلافات حول القيم تُلزم الاتجاه إلى المدنية والانفتاح لآراء الآخرين والمناقشات السليمة في سبيل البحث عن الحقيقة “.
          أقول: لو قلتم نحن كأمريكيين تقوم دولتنا ومجتمعاتنا على الشك، والإلحاد والكفر والشرك .. وعبادة الأهواء .. والأحبار والرهبان .. لا نستطيع أن نصل إلى الحقيقة .. وسنظل نبحث عن الحقيقة .. وكأنها لغز معقد يصعب اكتشافه ومعرفته .. لو قلتم ذلك لكان قولكم مستساغاً ومقبولاً .. أما أن تعمموا ذلك على جميع شعوب الأرض .. وكأنها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش .. فهذا مرفوض .. ولا يُقبل منكم ولا من غيركم ..!
          وسبب ذلك أننا نحن المسلمين .. أتباع جميع الأنبياء والرسل .. قد عرفنا الحقيقة المطلقة .. ووصلنا إلى الحق المطلق منذ أن آمنا بالله تعالى .. واتبعنا منهج الأنبياء والرسل .. وسلكنا طريقهم القويم ..!
          نحن كمسلمين .. لا توجد عندنا مشكلة مع الحقيقة .. ومع البحث عن الحقيقة .. عن الوجود .. وعن غايات الوجود .. وما بعد الوجود .. لأننا لا نعاني من الشك والشرك، والكفر
ـ مصدر كل شر ـ الذي تعانون منه أنتم وشعوبكم ..!
          لو سألتم عجائز نسائنا ورجالنا .. لوجدتم عندهم اليقين .. والأمان النفسي .. والتفسير الصحيح لكل شيء .. مالا تجدونه عند كبار علمائكم، وأحباركم، ورهبانكم ..!
          لذا نقول لكم وبكل وضوح: ما دمتم قد تنكبتم طريق الأنبياء والرسل في البحث عن الحقيقة المطلقة .. فإنكم أولاً لن تصلوا إلى إدراك الحق المطلق .. وثانياً ستظلون تعيشون مرض الشك، والبحث، والشرك، والتساؤل .. إلى أن يُدركم الموت .. فحينئذٍ ستدركون الحقيقة مع الندم الشديد فيما فرطتم في جنب الله .. ولات حين مندم!
          فمثلكم في كتاب الله .. مع الحق والحقيقة .. قوله تعالى:) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ . قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (إبراهيم:9-10. وقوله تعالى:) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (الدخان:9.
          ومثلنا .. مع الحق والحقيقة .. قوله تعالى:) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (البقرة:285. 
          فأي الفريقين أحق بالأمن .. وأولى بالحق والحقيقة .. نحن أم أنتم ؟!!
          وقالوا عن قيمهم الأمريكية كذلك:” حرية القيم والحرية الدينية هما مترابطتان، يُعترف بهما في دولتنا وخارجها كانعكاس للاحترام الأساسي للبشر، وكشرط مسبق للحريات الفردية الأخرى .. فيأتي الناس من جميع أنحاء العالم إلى دولتنا ليتنسموا الحرية كما ينادي بها تمثال الحرية في ميناء نيويورك ..”. 
          أقول: قد تقدمت الإشارة إلى أن الحرية الدينية ـ بمعناها العام والشمولي ـ غير مسموح بها للمسلمين .. حتى وهم في بلادهم .. فأمريكا تتابع ـ بنفسها .. وتارة عن طريق كلاب الحراسة العملاء الذين زرعتهم في بلاد المسلمين ـ كل ظاهرة نمو وصحوة للمسلمين لتقوم بوأدها وضربها قبل أن تبزغ أو تشب .. وما أكثر الأمثلة الدالة على ذلك .. وهي لا تتورع من أن تحاصر شعباً بكامله .. لتمنع عنه جميع أسباب الحياة .. إن شعرت أن هذا الشعب يفكر بجدٍ في استئناف حياته الإسلامية .. على مستوى الحاكم والمحكوم!
          ولكن الذي أريد إضافته هنا .. هو أنني أزعم أنه لا توجد في أمريكا حرية إلا لقيمها
المهترئة القائمة على الشك والمجون، وحب الاستعلاء .. والزعم بأنه توجد حرية دينية للآخرين هو زعم كاذب لا حقيقة له .. والواقع يشهد بذلك ..!
          فإن قيل: من السهل أن تزعم ذلك .. لكن أين الدليل والبرهان .. وبخاصة أننا بحق نلمس في أمريكا الحرية ونعيشها ..؟!!
          أقول: الإكراه على اختيار شيء دون سواه .. والذي يُنافي الحرية .. يُمارس من خلال صورتين كلاهما تؤديان لنتيجة واحدة؛ وهي إكراه الإنسان على المسير في اتجاه معين دون سواه .. واختيار شيء دون غير .. قد يكون في الأصل لا يريده ولا يرضاه: صورة تقوم على الضرب، والزجر، والإجبار .. والتخويف .. والإرهاب الجسدي .. وهذه صورة واضحة للجميع لا تحتاج إلى مزيد بيان .. وهي غالباً ما ينهجها الديكتاتوريون من الحكام على مدار الزمان.
          وصورة تقوم على الإغواء، والترغيب، والترف، والمجون .. ونثر المثيرات .. وطريقة الكسب والعيش ..  والسخرية من كل من يخالف .. وهي الصورة التي تمارسها أمريكا .. وتقوم عليها القيم الأمريكية .. ومن سار على نهجها من دول الغرب وغيرها!
          وهذه صورة غامضة تخفى على كثير من الناس ـ ممن يزعمون  أنهم أحرار وهم في حقيقة أمرهم عبيد للعبيد ـ لكنها لا تقل أثراً على حرية الاختيار من الصورة الأولى .. وما أكثر الأمثلة الدالة على ذلك.
          منها: أنهم يقولون للإنسان لا نمانع من أن تكون متديناً .. وتمارس شعائر دينك وبكامل الحرية .. فأنت حر في ذلك .. لكنهم في نفس الوقت يُحيطون به ـ على مدار الساعة ـ بالوسائل، والأعمال، والقوانين، وبكم هائل من الإغواء .. والشهوات .. والدعاية المكثفة المسموعة والمقروءة، والمرئية التي تجرئه على الإدمان على الزنى والفجور والمجون .. فيجد نفسه تلقائياً قد ابتعد عن الدين .. وعن التدين .. اختياره الأول الذي كان يُحبه ويرضاه .. ليختار ضده من طرق ونمط الحياة!
          وإلا فقولوا لي: ما قصة هؤلاء الشباب الذين يُسافرون إلى بلادكم مؤمنين ومتدينين .. ثم ما إن تمضي عليهم سنوات قليلة .. وربما أشهر معدودات .. إلا وينقلب أحدهم ضد الدين وضد التدين وكأنه شيطان يدب على رجلين .. كيف حصل له ذلك .. ومن الذي أزّه إليه .. وكيف تم له هذا الاختيار الجديد .. الذي هو أصلاً كان لا يحبه ولا يريده ..؟!!
          كم من إنسان يريد أن يختار شيئاً معيناً .. ثم هو تحت ضغط مؤثرات الإعلام .. والدعايات المكثفة تراه يضطر لاختيار شيء آخر ..؟؟!!
          ما الذي يجعل الشعب الأمريكي .. يدفع لعصابات بني صهيون مليارات الدولارات
كضرائب تؤخذ منهم .. وبنفس راضية ومقتنعة .. ليقتلوا بها الأطفال والأبرياء في فلسطين؟؟!
          ما الذي يجعل أكثرية الشعب الأمريكي .. يُصوت لصالح الحرب ضد شعب أفغانستان .. وقتل شعب أفغانستان .. وغيره من الشعوب المستضعفة في الأرض ..؟؟! 
          ما الذي يجعل الشعب الأمريكي يعتقد أن خلع حاكم العراق عن سدة الحكم .. يبرر لهم قتل مئات الآلاف من الأطفال ..؟!!
          هل هو حرية الاختيار ـ كما يزعمون ـ بعيداً عن جميع الضغوط والمؤثرات .. أم أنه مكر الليل والنهار .. والتوجيه المكثف .. والكم الهائل من الدعايات .. التي تُسخّر لها جميع وسائل الإعلام .. التي تجعله ـ رغماً عن أنفه ـ يختار هذا دون ذاك .. ويمشي في هذا الاتجاه دون غيره ..؟!!  
          لأجل ذلك قلنا ونقول: أنه بالتأمل اليسير يدرك الإنسان العاقل .. أن هذه الحرية الموجودة في أمريكيا .. والتي يتشدقون بها ويزعمونها لأنفسهم .. ما هي في حقيقتها إلا وهماً وخيالاً .. لا وجود لها!!
          وأن صنمهم .. صنم الحرية في نيويورك كما زعموا .. ما هو في حقيقته إلا صنم يدل على حرية الشهوات والمنكرات .. وحرية التحرر من قيود الفضيلة والأخلاق .. والدخول الصريح في عبودية الشهوات .. وعبودية العبيد للعبيد ..!!  
          قالوا عن الله:” ماذا عن الله .. منذ 11سبتمبر سأل ملايين الأمريكيين أنفسهم وبعضهم بعضاً، ماذا عن الله .. فإن أزمات من هذا الحجم الهائل أجبرتنا على التفكير من جديد بالمبادئ الأولية ..“.
          أقول: أي أمة أنتم .. لا تتذكرون الله إلا بعد أن تنزل بكم الخطوب .. وتتساقط على رؤوسكم المصائب .. وكأنكم قبل 11 سبتمبر كنتم قد أعرضتم عن الله تعالى إعراضاً  إلى حدٍّ جعلكم تنسون الله .. وتنسون أن لكم رباً فوقكم قاهر لكم ولغيركم .. يعلو ولا يُعلى عليه .. فجاءت أحداث 11 سبتمبر لتذكركم بالله .. وأن لهذا الكون خالق يجب أن يُعبد ..؟!!
          ثم لماذا السؤال عن الله بعد 11سبتمبر .. هل هو لشعوركم ـ كما صرح بذلك بعض أحباركم ورهبانكم ـ أن الذي نزل بكم من دمار ما هو إلا بسبب تفريطكم بحق الله تعالى عليكم .. ونسيانكم لكثير من حظوظ مما ذُكِّرتم به على لسان الأنبياء والرسل ..؟!!
          فقد ذكّرتمونا بالمشركين الأوائل؛ حيث كانوا لا يذكرون الله إلا إذا نزلت بهم الشدائد والمصائب .. فإذا أزالها الله عنهم عادوا إلى سيرتهم الأولى من النسيان، والكفر، والإعراض .. كما قال تعالى عنهم:) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (الأنعام:63-64. أي تعودون إلى الكفر والشرك، والجحود .. من جديد ..!
          قالوا كذلك:” موقعي هذه الرسالة ينتسبون إلى فئات دينية وأخلاقية مختلفة بما فيها الفئات العلمانية .. ويعتقد كثير منا أننا تحت حكم الله .. “.
          أقول: إذا كان كثير منكم يعتقد أنه تحت حكم الله .. فهذا يلزم أن بعضكم يعتقد بكل وقاحة أنه فوق حكم الله .. وأن حكمه هو الأعلى .. وحكم الله تحته ..؟!! 
          وهذا يعني أننا نتحاور مع طواغيت .. مستكبرين .. زعموا الربوبية والألوهية لأنفسهم من دون الله تعالى .. وقالوا عن أنفسهم كما قال فرعون موسى عن نفسه، كما قال تعالى عنه:) فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (النازعـات:23-24. وقال تعالى:) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (القصص:38. وهذا مهم للقارئ ليعرف أي شريحة هؤلاء المثقفون الأمريكيون .. الذين يمثلون الطبقة المثقفة للمجتمع الأمريكي .. وليعرف كذلك مع أي شريحة من الطواغيت والجبابرة نحن نتحاور ..؟!!
          وقالوا عن الله كذلك:” في خطاب التنصيب الثاني في عام/1865/ قال أبراهام لينكولن الرئيس العاشر للولايات المتحدة بوضوح: لله شؤونه الخاصة .. “. 
          أقول: يريدون من قولهم ” لله شؤونه الخاصة ” أي ليس من خصائصه وحقه أن يتدخل في شؤون غيره من خلقه وعباده .. فهو له شؤونه الخاصة، ولقيصر شؤونه الخاصة .. وما كان لله فهو لله وما كان لقيصر فهو لقيصر .. وما يحق لقيصر لا يحق لله التدخل فيه .. ولا يصل إليه ..  وهذا عين الكفر والإلحاد .. كما قال تعالى عنهم:) فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (الأنعام:136.
          أما نحن المسلمون الذين أمنا بالله تعالى رباً، وبمحمد r نبياً ورسولاً، وصدقنا وآمنا بجميع الأنبياء والمرسلين لا نفرق بين أحد منهم .. نعتقد أن الأمر كله لله تعالى وحده .. فكما أن الله تعالى له الخلق .. فكذلك له الحكم والتشريع، كما قال تعالى:) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (يوسف:40. وقال تعالى:)  وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (الكهف:26.
          فالله تعالى لم يخلق عباده عبثاً .. من غير غاية .. ولا تشريع ينظم شؤون حياتهم وفق إرادته ومرضاته I .. كما يظن ذلك العلمانيون الملحدون .. فإنهم يظنون ظن السوء .. وظن
الجاهلية .. تعالى الله عما يقولون ويظنون علواً كبيراً.
          قال تعالى:) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون:115-116.
          وقال تعالى:) يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (آل عمران:154.
          قالوا:” فإن تأسيس الحكومة على دينٍ واحد قد يقع في معارضة الحرية الدينية التي هي حق أساسي للإنسان ..“.
          أقول:لو قرأ هؤلاء المثقفون الأمريكيون الإسلام بعين الإنصاف والعدل للزمهم أن يستثنوا الإسلام من قولهم الآنف الذكر .. ولعلموا أن الدولة التي تقوم على دين الإسلام، والتي تعتقد بقوله تعالى:) لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة:256. لا يمكن أن تزيل بالقوة والإكراه من كان يتدين فيها بدينٍ آخر .. وسيرة دولة الإسلام عبر تاريخها كله مع أتباع الديانات الأخرى من أهل الكتاب وغيرهم .. تشهد بكل ذلك.
          نعم نحن نعتقد أنه لا حرية للمسلم ـ سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو الجماعة ـ أن يرتد عن دينه، ويخرج على ثوابت وعقيدة الأمة .. وهذا حق نرى جميع الأمم قديماً وحديثاً يمارسونه بطريقة أو أخرى؛ حيث ما من أمة إلا ولها ثوابت وكليات لا تسمح لأفرادها وأتباعها ـ مهما تظاهرت تلك الأمة بالحرية وتنادت بها ـ من الخروج على تلك الثوابت أو الاعتداء عليها .. إذ للحرية حدود .. كل أمة تجتزئ منها ما يناسبها، ويناسب أبنائها وعاداتها، وظروفها، وثقافتها .. ومنها المكثر الذي يقع في الإفراط .. ومنها المقل الذي يقع في التفريط ..!
          لا توجد دولة ولا أمة على الإطلاق ـ قديماً ولا حديثاً ـ تمارس وتدعو إلى الحرية المطلقة .. من غير قيود ولا موانع على الإطلاق .. إذ لا بد من وجود شيء ـ تقتضيه سلامة المجتمع والجماعة ـ يمنع من ممارسته .. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: من الذي يُحدد الحد المسموح به من الحرية من الحد الذي لا يُسمح به من الحرية ..؟؟!! 
          المثقفون الأمريكيون وغيرهم يقولون: الذي يملك هذا الحق هم مؤسسو وحكام أمريكا .. أو المشرعون من الأحبار والرهبان .. أو الأمم المتحدة .. أو غيرها من مؤسسات القضاء والتشريع الوضعي .. وهذه أجوبة كلها تكرس عبودية العبيد للعبيد .. وظلم العبيد للعبيد .. إذ بأي حق يُقال للعبد شرع لعبد مثلك ما يُسمح له من الحرية وما لا يُسمح له منها .. وليس للعبد الآخر إلا أن يُطيعك ويلتزم بالحد الذي أمرته به ..؟!!
          أما نحن المسلمون فنعتقد أن الذي يملك هذا الحق .. هو الله تعالى وحده .. فالله تعالى
وحده هو الذي يُشرِّع حدود الحرية التي يجوز للعباد أن يُمارسوها، من الحدود التي لا يجوز لهم أن يُمارسوها .. لأن الله تعالى من حقه وحده ـ كخالق ورب للكون وما فيه ـ أن يُشرع للعباد ما يشاء .. وأن يُلزم عباده بما يشاء .. فتحديد المباح ومساحته، والمحظور ومساحته .. هو من خصوصيات الله تعالى وحده!   
          من حق كل إنسان أن يرفض الطاعة لما يُشرعه له الإنسان .. لأنهما يستويان في الخصائص والصفات .. ولكن لا يحق للإنسان أن يرفض الطاعة لما يُشرعه الله تعالى .. لأن الله تعالى ربه .. ورب العالمين أجمعين .. فمقامه الذي يليق به I أنه الرب المعبود بحق .. أما الإنسان فمقامه لا يجوز أن يتعدى حدود أن يكون عبداً لله U .. وهذا شرف عظيم له.
قالوا:” نحن كأمة .. يقوم أفرادها قائلين في عهد الولاء: ( أمة واحدة تحت رعاية الله )، ونحن أمة تعلن في كثيرٍ من محاكمها وتنقش في كل نقد من نقودها العبارة: ( نتوكل على الله ) “.
أقول: هذا هو حظ الله تعالى منكم .. ومن أمريكا .. فقط .. أن تقولوا توكلنا على الله .. ونحن أمة تحت رعاية الله .. ؟!!
وبقية حياتكم، ونشاطاتكم، وأعمالكم، وعباداتكم .. لمن تصرفونها .. ولمن تقدمونها .. أأرباب مع الله؟!!
انظروا ماذا يقول الله تعالى عنكم أنتم النصارى لما نسيتم حق الله تعالى عليكم وما أمركم به:) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (المائدة:14.
فها أنتم .. أيها المثقفون الأمريكيون .. تؤكدون في بيانكم هذا من جديد هذا النسيان لحظوظ الدين وما كان الله تعالى قد أمركم به ..!!
ثم ما أدراكم أنكم كأمة تحت رعاية الله .. وأن الله تعالى يرعاكم .. وأنتم تحاربون الله ورسوله .. وتحاربون أتباعه وأولياءه .. وتعلنون الحرب والفساد في عدد كبير من البلاد ..؟!!
لا تُزكوا أنفسكم .. ولا تتألوا على الله .. فقد قلتم كما قال بنو إسرائيل من قبل .. كما في قوله تعالى:) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (المائدة:18.
قالوا تحت عنوان حرب عادلة:” فإنا نعلم بمقتضى العقل، ومن خلال التأمل الدقيق في الأخلاق أن في بعض الأحيان يكون أول وأهم ما يُقام به لمواجهة الشر هو إيقافه، وفي بعض الأوقات لا يكون الشروع في الحرب جائزاً فحسب بل واجباً أخلاقياً ..
          إن مبادئ الحرب العادلة تعلمنا أن الحروب القائمة على الاعتداء والاستعلاء مرفوض بالكلية، فلا تُشرع الحرب لتعزيز الوطن، أو للانتقام لما مضى من الظلم، أو لأخذ الأراضي، أو لأي غرض آخر سوى الدفاع “. 
          أقول: نرد على قولهم هذا من أوجه:
          منها: أنهم اعترفوا أن الشر لا حرية له .. وأنه لا بد من أن يوقف .. بل ويُحارب .. وهذا الذي تقتضيه الحرب العادلة كما زعموا!
          ومنها: أننا كمسلمين نختلف معهم في تحديد الشر الذي ينبغي أن يُحارب، ونختلف معهم كذلك في تحديد الجهة التي تملك حق تحديد الشر الذي ينبغي أن يُحارب.
          المثقفون الموقعون على البيان يقولون: عقولنا هي التي تحدد الشر .. القانون الوضعي .. إلى آخر القائمة التي من الممكن أن يذكروها .. والتي كلها ترد هذا الحق للمخلوق العاجز الجاهل ـ مهما أوتي من علم ـ الذي يحتمل الوقوع في الخطأ ..!
          أما نحن المسلمون نقول: أن الذي يملك حق تحديد الشر الذي يجب أن يُحارب هو الله تعالى وحده؛ لأن الله تعالى لا يجوز أن يرد في حقه الخطأ .. فهو لا يقول ولا يحكم إلا بالعدل المطلق والحق المطلق، كما قال تعالى:) وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة:216. وقال تعالى:)وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (الإسراء:85.
          فكم من مرة يقول الإنسان عن شيء بأنه شر يجب أن يُحارب وهو في ميزان الحق المطلق خير يجب أن يُبارك ويُعمل به، وكم من مرة يقول عن شيء بأنه خير .. وهو في ميزان الحق المطلق شر يجب أن يُحارب ويُنكر ..!
          لذا نحن نطالب هؤلاء المثقفين .. وكل مثقف في أمريكا وغير أمريكا .. أنه لا بد أولاً من النقاش حول من الذي يملك حق تحديد الشر الذي يجب أن نحاربه .. قبل أن نعلن أننا سنحارب الشر .. وندخل في صفوف المحاربين للشر .. ثم يظهر لنا فيما بعد أننا من المحاربين للخير مع الشر .. ونحن ندري أو لا ندري ..!!
          ومنها: أنهم يُدينون أنفسهم بأنفسهم عندما يقولون بعدم مشروعية القتال من أجل الاستعلاء أو تعزيز الوطن أو الانتقام، أو أخذ أراضي الآخرين ..!
          هذا الذي تفعله أمريكا في أفغانستان .. وبحق شعب أفغانستان .. أليس من الاعتداء، والاستعلاء والظلم، واحتلال أراضي الغير ..؟!!
          هذا الذي يفعله غرباء الصهاينة اليهود في فلسطين .. من تقتيل للأبرياء .. تحت الغطاء الأمريكي .. والفيتو الأمريكي .. وعن طريق السلاح الأمريكي .. ماذا يُصنف عندكم أيها
المثقفون .. أليس هو احتلال صريح لأراضي الآخرين .. واعتداء سافر على حقوق وحرمات الآخرين ..؟!!
          هل هذا الذي يفعله الصهاينة في فلسطين باسم أمريكا .. وشعب أمريكا .. يُعتبر من قبيل محاربة الشر .. أم محاربة من أجل الشر والاعتداء على الخير .. وعلى أراضي وحرمات الآخرين ؟!!
          هذا الذي تفعلونه ضد العراق .. وشعب العراق .. ولا تزالون .. على مدار أكثر من خمسة عشر عاماً هو من قبيل الدفاع عن النفس .. أم الاعتداء ..؟!!
          ألم نقل لكم أننا نختلف معكم في تحديد الشر الذي يجب أن يُحارب ..؟!!
          آتوني بدولة في العالم .. ليس لأمريكا فيها قواعد عسكرية .. تمارس دور وصلاحيات المستعمر المحتل للأرض التي يحتلها .. أهذا عندكم من الدفاع عن النفس ..؟!!
          ألم تعتقلوا أسراكم من الطالبان وغيرهم .. في كوبا .. في أرض لا تملكونها ..؟!!
          هذه القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة في الجزيرة العربية .. وغيرها .. هل هي من قبيل الدفاع عن النفس .. أم من قبيل الاحتلال لأراضي الآخرين .. والسيطرة على مقدرات الآخرين .. ؟!!
          راجعوا عقولكم أيها المثقفون .. وما تقولون .. قبل أن تقولوا أو تقرروا شيئاً .. وحتى لا يُقال عنكم أنكم طرف أساسي في حملة القتال مع الشر .. ومن أجل الشر!!
          ما من حرب إجرامية يُقتل فيها الإنسان البريء ـ وبخاصة إن كان هذا الإنسان مسلماً ـ إلا وأمريكا .. تقف وراءها بالدعم والتأييد .. وما أطول قائمة الحروب القذرة التي تدعمها أمريكا لو أردنا التعداد أو الإحصاء ..!
          فإن قلتم: نحن نلاحق أفراد القاعدة .. وهذا من حقنا ..!
          نقول لكم: هل أفراد القاعدة ـ على قلتهم .. الذين لا يتعدون بضعة مئات .. كما تذكر وسائل إعلامكم على لسان قياداتكم ـ يبررون لكم أن تغزوا الأرض كلها .. وتنتهكوا حرمات شعوب الأرض بكاملها .. وتهددوا دولاً بكاملها بضرب القنابل النووية .. التي تقتل مئات الآلاف من الأبرياء والأطفال قبل غيرهم ..؟!!
          وهل هؤلاء الذين قتلهم شارون ـ رجل أمريكا وعينها الساهرة .. ورجل السلام الأمريكي  كما يصفه كبيركم ” بوش ” ـ في مخيم جنين وغيره .. ودمر عليهم منازلهم .. لتحصد وتقتل الأبرياء والأطفال .. هم من أفراد القاعدة ..؟!!
          ما من دولة إلا ولها معارضة .. وبعضها تكون معارضة مسلحة .. لكن لا توجد دولة
فعلت ما فعلتم .. واستباحت الحرمات التي استبحتموها ؟!
          قالوا:” لا يجوز إقامة الحرب ضد غير المقاتلين؛ الخبراء بفكرة الحرب العادلة من كل زمان
ومكان، ومن كل ملة سواء كانوا يهوداً أو نصارى، أو مسلمين وغيرهم، يعلموننا أن غير المقاتلين لا يجوز قصدهم بالهجوم، وعلى ذلك فإن قتل المدنيين انتقاماً أو حتى بقصد ردع المتعاطفين مع المعتدين عن الاعتداء باطل من ناحية الأخلاق، ومع أن القيام بعمليات عسكرية يتوقع منها قتل المدنيين عن غير قصد أمر جائز في بعض الحالات وفي إطار ضيق، فإن قصد المدنيين بالقتل غير جائز أخلاقياً كهدف للعملية العسكرية ..“.
          أقول: أود أن أسجل هنا أن الإسلام كان له السبق ـ قولاً وعملاً .. ومنذ أكثر من 1400 عاماً ـ في تقرير حرمة قصد الأطفال والنساء وغيرهم من الأبرياء بالحرب أو بأي نوع من أنواع الأذى والاعتداء .. والتاريخ كله يشهد لنا بذلك.
          فهذا أمر من مسلمات وبدهيات ديننا الحنيف .. وكان أحرى بالمثقفين الأمريكيين أن يوجهوا نداءهم هذا لقياداتهم التي تمارس ـ بكل وضوح وسفور ـ الاعتداء على الأبرياء من الأطفال والنساء، والشيوخ وغيرهم من المدنيين .. كما هو حاصل ولا يزال يحصل في فلسطين، وفي أفغانستان، والعراق، والشيشان .. والهند .. وغيرها من البلدان ..!
          عندما أنتم تتوسعون هذا التوسع .. وتهددون دولاً بكاملها بضربها بالقنابل النووية .. مع علمكم المسبق أن هذه القنابل ستقتل الأبرياء من المدنيين قبل المحاربين .. وتُدخلون أكثر من أربعين دولة في قائمة الدول الإرهابية أو الداعمة للإرهاب .. التي يجب أن تُحارَب .. وتعتبرون كل من اتصل أو جالس أو رأى ” أسامة بن لادن ” .. ولو كان ذلك قبل عشر سنوات .. هو محارب .. ويجب قصده .. وقتله .. وترويعه وترويع أهله وأطفاله .. ولو كان يعيش مع أهله وأطفاله ـ بعيداً عن الأحداث ـ في ” جزر القمر ” .. ويجب احتلال وضرب الدولة التي يعيش فيها هذا الإنسان .. إن استعصى عليكم اعتقاله .. عندما تفعلون ذلك .. وتتوسعون في تحديد هوية المحارب هذا التوسع .. ينبغي أن تتوقعوا من الآخرين أن يُعاملوكم بنفس التوسع والمنطق .. من قبيل العين بالعين والسن بالسن .. وإن كنا نعتقد أن الخطأ لا يبرر الوقوع في الخطأ .. وأن الظلم لا يجوز أن يُقابل بالظلم .. وإنما بالعدل الذي أمر الله تعالى به.
          قالوا:” فإننا باسم الأخلاق العالمية للبشر مع الوعي التام بقيود ومقتضيات الحرب العادلة نقوم بتأييد قرار حكومتنا ومجتمعاتنا في القيام ضد هؤلاء بالقوة المسلحة .. ونعتقد أننا نقاتل من أجل حرمتكم الإنسانية وحقكم في الحياة الطيبة على حد ما نقاتل من أجل هذه الأمور لأنفسنا “. 
          أقول: كنا نود من هؤلاء المثقفين أن يُظهروا شيئاً من الحيادية والاستقلالية .. ولكن أوبوا إلا أن يرتكبوا إثم ووزر الحرب .. ويكونوا طرفاً داعماً ومؤيداً لهذه الحرب الظالمة التي تقودها أمريكا ضد الإسلام والمسلمين بزعم محاربة الإرهاب ..!!
          عجباً لهؤلاء المثقفين .. هم أنفسهم يصفون قياداتهم وحكومتهم .. بأنهم لا يلتزمون بالأخلاق والقيم .. ولا بمبادئ الحرب العادلة .. ثم هم مع ذلك يقولون: نؤيد وندعم ونبارك .. هذه الحرب ..؟!
          انظر مثلاً ماذا يقولون عن السياسة الأمريكية وعن قياداتهم وأخلاق قياداتهم:” نعترف أن أمتنا في بعض الأحيان قد تصرفت بالاستكبار والجهل تجاه مجتمعات أخرى، وفي بعض الأحيان مارست سياسة مضللة وغير عادلة، ونحن كأمة فشلنا في أحيانٍ أكثر مما ينبغي في التعايش مع قيمنا، لا نستطيع حض المجتمعات الأخرى للخضوع للمبادئ الأخلاقية بدون الاعتراف بفشل مجتمعنا في بعض الأحيان بالامتثال بنفس المبادئ .. تستند السياسة أو جزء منها على الأقل إلى الثقافة والقيم والأولويات للمجتمع ككل ..“!
          يقولون كل هذا عن أمتهم .. وعن سياساتهم .. التي  تستند إلى جزء فقط من الثقافة والقيم ـ كما يقولون! ـ وفي أجزائها الأخرى تستند إلى الظلم والعدوان .. وإلى ما ينافي القيم والأخلاق ..!!
          يقولون كل ذلك .. ثم هم مع ذلك يقولون: نؤيد وندعم السياسة الأمريكية في حروبها .. مع علمهم المسبق بأن ساستهم لا يلتزمون بمبادئ الحرب العادلة كما يصفونها ..!!
          لذا نرجو أن تتفهموا مرادنا عندما نرميكم بأنكم أنتم المثقفين جزء من هذه الحرب الظالمة القذرة التي تشنها أمريكا على الشعوب المستضعفة .. وبخاصة منهم المسلمين .. بزعم محاربة الإرهاب ومطاردته .. تتحملون جميع تبعاتها ومسؤولياتها الأخلاقية .. والأجيال القادمة ستحاسبكم وتسألكم عن كل ذلك!
          بيانكم هذا نقطة سوداء في تاريخ الثقافة الأمريكية .. ولو صدر باسم جنرالات الجيش الأمريكي لكان أليق وأكثر انسجاماً من أن يصدر عنكم كمثقفين تمثلون شريحة عريضة من ثقافة ومثقفي أمريكا!
          ـ من نحن ومن أنتم ..؟؟
          هذا سؤال لا بد من أن نجيب عليه لكي يعلم كل فريق منا أين هو من الحق .. وأي الفريقين أولى بالأمن .. والحق والعدل.
          ـ أنتم أشركتم بالله .. واتخذتم بعضكم بعضاً أرباباً ومشرعين من دون الله ..!
          ـ ونحن وحدنا الله تعالى .. ولم نشرك به شيئاً ..!
          ـ أنتم شتمتم الخالق .. لما قلتم هذا لله .. وهذا لشركائه ..!
          ـ ونحن نوقر ونعظم الخالق أيما تعظيم .. ونرد الأمر كله له I ..!
          ـ أنتم كفرتم بجميع الأنبياء والرسل .. وأحسنكم الذي صدق ببعض الرسل وكذَّب بالبعض الآخر .. مع العلم أن من يكذب رسولاً واحداً يلزمه أن يكذب جميع الرسل بما في ذلك الرسول الذي صدق به ..!
          ـ ونحن آمنا وصدقنا بجميع أنبياء الله ورسله .. لا نفرق بين أحد من رسله .. الذين كان آخرهم وخاتمهم محمد r . 
          ـ أنتم تجعلون شتم محمدٍ r والدين الذي جاء به من عند ربه قربة تتقربون بها إلى الله .. وإلى الأحبار والرهبان!
ـ ونحن نجعل الذي يشتم عيس أو موسى عليهما السلام .. أو يشتم الدين الحق الذي جاءا به من عند ربهم .. كافراً خارجاً من ملة الإسلام بلا خلاف ..!
ـ أنتم تحاربون الشر الذي يخالف القيم الأمريكية .. وأطلقتم العنان والحرية لجميع الشرور الأخرى .. ما دامت لا تتعارض مع القيم الأمريكية .. والمصالح الأمريكية!
ـ ونحن نحارب الشر الذي يُخالف قيم الله U .. التي جاء بها جميع الأنبياء والمرسلين من عند ربهم!
هذا نحن .. وهذا أنتم .. فأي الفريقين أحق بالأمن .. وأولى بالعدل والحق .. والدخول في سلم الآخر ؟!!
ـ ماذا تريدون منا وماذا نريد منكم ..؟!
          ـ أنتم تريدون منا أن ندخل في طاعة الأحبار والرهبان .. وغيرهم من زعماء السياسة ودهاقنة الحكم .. من دون الله .. وأن نتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله U ..!
          ـ أما نحن فإننا نخاطبكم بخطاب السماء الذي خاطب به الأنبياءُ أقوامَهم .. وندعوكم إلى ما دعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران:64.  
          ـ أنتم تريدون منا أن نكون طرفاً معكم في هذه الحرب القذرة الظالمة ضد الإسـلام
والمسلمين .. ضد المستضعفين من أهل الأرض .. تحت شعارات كاذبة واهية .. أول من ينقضها ويكذبها أنتم وزعماؤكم ..!
          ـ ونحن نريد منكم أن تكفوا أيديكم عن القتال .. وعن مشاركة الظالمين في ظلمهم وعدوانهم ..!
          نريد منكم أن تقولوا ـ وبصوت قوي ـ لزعمائكم .. الذين يحكمونكم بأهوائهم ونزواتهم الشخصية .. كفوا أيديكم عن القتال .. كفوا أيديكم عن قتل الأبرياء .. كفوا أيديكم عن تدمير المدن والبيوت على ساكنيها .. كفوا أيديكم عن محاصرة الشعوب المستضعفة الجائعة .. واتقوا الله .. لا تسيئوا لنا .. ولا لأمريكا .. ولا لشعب ومستقبل أمريكا .. مع الشعوب الأخرى ..!
          نريد منكم أن تقولوا لقادتكم .. هذا الذي تفعلونه بحق الشعوب الأخرى لا تبرره غاية .. ولا يقره خلق شريف .. الدفاع عن النفس شيء .. والذي تفعلونه شيء آخر!
          أعلم أن صوت الحكمة والعقل يخفت في أجواء دق الطبول من أجل الحروب الظالمة .. ولكن نتطلع إلى أن يخرج منكم رجل رشيد .. يقول الحق ولو على نفسه وأمته! 
          وبعد: هذه وقفات وملاحظات سريعة لم نرد منها التعقيب على كل ما ورد في بيانهم المذكور ” على أي أساس نقاتل ” فالمقام لا يتسع لذلك .. وإنما هي مجرد وقفات وإشارات سمح بها الوقت .. أردنا منها النصح .. والتعقيب على بعض ما أخذ على بيانهم المذكور .. وبخاصة أن الأمة قد شُغلت به رداً ومناقشة، وتحليلاً  .. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
                                                                                 كتبها 
          24/2/1423 هـ.                          عبد المنعم مصطفى حليمة
          6/5/2002 م.                                         أبو بصير 
          ملاحظة: من استطاع أن يقوم بترجمة هذا المقال إلى الإنكليزية .. فله ذلك، وجزاه الله خيراً.
           

 


[1]  اعتمدت النسخة العربية للبيان الصادرة عن قسم الترجمة في موقع ” الإسلام اليوم “.
[2]   أصدر مجلس كير للعلاقات الإسلامية الأمريكية ـ وهي هيئة تهتم بشؤون وقضايا المسلمين في أمريكا ـ تقريراً سنوياً بتاريخ 30/4/ 2002، أفاد فيه أن ” 60 ” ستين ألفاً من المسلمين الأمريكيين  تعرضوا ـ خلال هذا العام ـ لأضرار وأعمال عنصرية من قبل الآخرين .. وأن التحرشات والاعتداءات العنصرية على المسلمين زادت في هذا العام ثلاثة أضعاف ما كان يحصل في الأعوام السابقة .. فتأمل حرية التدين الموجودة في المجتمع الأمريكي .. كما يزعمون!!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.