موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

بَذلُ النُّصحِ في الجوابِ عمَّا سألَ عنه أهلُ الثُّغُور ( معَ تعليقات علميَّة على ميثاقِ الجماعة السَّلفيَّة )

0 631
بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          عملاً بواجب النصح وبذله للآخرين .. وعدم كتمان العلم وحجبه عن الناس .. أجد نفسي شرعاً ملزماً بنصح كل من يطلب النصح .. كما أجد نفسي ملزماً بالجواب عن كل ما يردني من أسئلة .. أياً كانت طبيعة هذه الأسئلة، والجهة المرسلة لهذه الأسئلة؛ ما دام صاحبها يلتمس من أسئلته الاسترشاد، وطلب الهداية ومعرفة الحق .. لا الفتنة والخداع والمكر! 
          وقد وردتني مجموعة من الرسائل والمسائل من الأخوة المجاهدين في ” الجماعة السلفية للدعوة والقتال “، يسألونني النصح، والتوجيه، والإرشاد .. وهذا حقهم لا مناص إلا أن نجيبهم لما سألوا عنه .. والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل.

 

          وقبل أن أشرع في الإجابة عن أسئلتهم .. أعرض رسائلهم ومسائلهم كما وردتني .. لأجيب عنها ـ إن شاء الله ـ بعد ذلك رسالة رسالة، ومسألة مسألة.
ـ الرسالة الأولى:
          بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و صلّ اللهمّ على محمّد و آله و صحبه و سلّم
الجماعة السّلفيّة للدّعوة والقتال
إلى فضيلة الشيخ: أبي بصير ـ حفظه الله ـ
السّلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
قال تعالى :(و اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).الآية.
استضاءة بهذه الآية الكريمة و إقتداء بسلفنا الصّالح في الاستعانة بأهل العلم     -الصّادقين والمعروفين بسلامة العقيدة و المنهج- في معرفة الحق و التوّصل إليه و الرّجوع إليهم في النوازل التي تلمّ بالأمّة.
ومن هذا المنطلق و ما علمناه عنكم من نصرة للحق و حفاظ على الأمّة من الزيغ والانحراف و محاربة البدع و الضلالات توجّهنا إليكم بهذا الطلب راجين من المولى تعالى أن يجعلنا و إيّاكم حماة لهذا الدّين فنقول وبالله تعالى التوفيق:
إنّ الجماعة السّلفيّة للدعوة و القتال وضعت لها برنامجا علميا وعمليّا أسمته (الميثاق) هادفة من وراء ذلك الحفاظ على منهجها من الزيغ و الانحراف وعلى نظامها  من الخلل، فكان هذا الميثاق -كما يلاحظ ذلك كل من اطّلع عليه- يحوي الكثير من الإجمالات التي تحتاج إلى تفصيل و مسائل تحتاج إلى بحث ودراسة وبسط مع طلب الكثير من الأخوة إصدار ونشر مطبوع مفصّل لهذا الميثاق.
ولتحقيق ذلك نرجو أن تعينونا عليه و تفيدونا بملاحظاتكم و نصائحكم جزاكم الله عنّا و عن الإسلام خير الجزاء.
وقد أرفقنا طلبنا هذا إليكم بنسخة من الميثاق.
وفي انتظار ردّكم نسأل الله العليّ القدير أن يحفظكم و يديم نصرتكم للمجاهدين و خدمتكم للدّين و جزاكم الله عنّا و عن المسلمين خير الجزاء.
حرّر يوم 20 شوّال 1424هـ
الجماعة السّلفية للدّعوة و القتال.
          ـ الجواب:
          الأخوة مجاهدي الجماعة السلفية للدعوة والقتال .. حفظهم الله ورعاهم من كل ما يُسيئهم، ويُسيء جهادهم في الدنيا والآخرة.
          وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد.
          نزولاً عند رغبتكم وطلبكم .. وعملاً بما يوجبه علينا ديننا الحنيف من بذل النصح .. فقد قمت بمراجعة ميثاق الجماعة المسؤول عنه .. فألفيته بعمومه جيداً ولله الحمد .. مع وجود بعض الهفوات والثغرات .. والإجمالات المبهمة .. تحتاج إلى شيء من التوضيح والتصحيح .. أتعرض لذكرها ومناقشتها ـ إن شاء الله ـ بالتسلسل بحسب ورودها في نص وصفحات الميثاق .. بحسب الاستطاعة وما يسمح به الوقت، والله المستعان.
          قلتم:” لمّا كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه، والاستعداد لمعاده، وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التّمانع و التّعاون، حتّى يحصل بالتّمانع ما هو أهله، و يحصل بالتّعاون ما ليس له . فصورة الاجتماع على هذه الهيئة  هي  الملّة .. “ا- هـ.
          أقول: الملة إذا أطلقت فهي تعني الإسلام .. تعني التوحيد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:” كل مولود يولد على الملة “؛ أي على الإسلام والتوحيد.
          والسؤال: هل صورة اجتماع الإنسان مع بني جنسه على الهيئة الغامضة الواردة في الفقرة أعلاه تكون هي الملة؛ بمعنى هي الإسلام والتوحيد ..؟!
          ليس بمثل هذه العبارات المشكلة والغامضة تُستفتح المواثيق والدساتير ..!
          ثم عزوتم الكلام أعلاه لكتاب ” الملل والنحل ” .. فأي الملل والنحل تعنون وأنتم تعلمون أنه يوجد أكثر من كتاب لأكثر من مؤلف بهذا العنوان ..؟!
          أما من حيث الصياغة فلو قيل:” لمّا كان نوع الإنسان محتاجا إلى الاجتماع مع الآخر من بني جنسه .. “. لكان أجود وأحسن. 
          قلتم:” ولما كان من طبيعة الإسلام ومنهجه أنه شامل لمناهج الحياة كلها .. “ا- هـ.
          أقول: لو قلتم أنه شامل لمناحي الحياة كلها .. بدلاً من قولكم ” أنه شامل لمناهج الحياة كلها ” لكان أصوب وأحسن؛ إذ المناهج منها الحق ومنها الباطل .. فكيف يكون الإسلام شاملاً لها كلها ..؟! 
          قلتم:” اقتضى أن تكون هناك جماعة ، السّنّة هي منهجها في العقيدة، و العبادة و المبادئ و الحقوق و المعاملات و الدّعوة و الأخلاق، والسّياسة والاقتصاد … ا- هـ.
          أقول: لو قلتم الكتاب والسنة أو اتباع الكتاب والسنة .. لكان أحسن وأفضل .. وقد تكرر هذا اللفظ؛ لفظ السنة منفرداً في مواضع عدة كان يُستحسن أن يُقرن بالذكر مع الكتاب .. والله تعالى أعلم. 
          قلتم:” وهو لا يقوم ـ أي الجهاد ـ إلا بالجماعة .. “ا- هـ.
          أقول: لو قيل: بجماعة منظمة بصيغة النكرة .. لكان أحسن وأصوب؛ لأن إضافة أل التعريف إلى كلمة ” الجماعة ” يُفيد أن الجهاد لا يقوم إلا بجماعة محددة ومعلومة .. وهذا حصر خاطئ لا يُسلم به .. إذ أن الجهاد يمضي بها وبغيرها!  
          قلتم:” وبناء عليه وُجد هذا الميثاق الذي وضعته الجماعة السّلفيّة للدّعوة والقتال نظاما خاصّا بها ينشر مفاهيمها و يذبّ عنها ويمكّن لها ويحافظ على كيانها واستمراريتها .. “ا- هـ. 
          أقول: الميثاق مجموعة من المبادئ والأفكار .. فكيف يتسنى له أن ينشر مفاهيم الجماعة ويذب عنها، ويُمكِّن لها، ويُحافظ عليها وعلى استمراريتها ..؟!
          والصواب هو العكس؛ أن الجماعة هي التي تعمل على نشر مبادئ الميثاق، وهي التي تذب عنه، وتعمل على تفعيله، وتحافظ عليه ..!
          الأفكار وكذلك المبادئ ـ مهما كانت جميلة وبراقة ـ تظل راقدة ذابلة لا حراك لها ولا أثر .. إلى أن يحتضنها صفوة من الرجال .. فيعيشونها في أنفسهم ووجدانهم .. ومن ثم يتحركون بها للآخرين .. ويُضحون في سبيلها كل غالٍ ونفيس!
          قلتم:” عقيدتنا هي عقيدة السّلف الصّالح من الصّحابة الكرام و تابعيهم و تابعي هؤلاء  وعلى رأس السّلف رسول الهدى محمّد صلى الله عليه وسلم ا- هـ.
          أقول: لا يكفي هذا الإجمال في مسائل الاعتقاد إذ لا بد من ذكرها وتناولها على وجه التفصيل والبيان الذي يميز المجاهد السني المتبع لنهج النبي صلى الله عليه وسلم عن البدعي المنحرف؛ حيث كثير من الجماعات المبتدعة والمنحرفة تزعم أنها ـ فيما هي عليه من البدع والانحرافات ـ تتبع النبي صلى الله عليه وسلم وتسلك نهجه وطريقته .. ولكنها ما إن تتناول الحديث عن عقائدها ومنهجها بشيء من التوسع وعلى وجه التفصيل إلا ويظهر كذب زعمها في كونها تتبع النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم .. وتسلك طريقته ومنهجه! 
          ثم لو قلتم وتابعي تابعيهم .. لكان أحسن من قولكم ” وتابعي هؤلاء “! 
          قلتم:” و لا يجوز أن يفهم الإسلام إلاّ بفهم السّلف الصّالح لأدلّة كثيرة تُنظر في كتب شيخ الإسلام عامّة و بخاصّة في: ” نقض المنطق له ص 3 و ما بعدها “ا- هـ.
          أقول: ليس كل فرد عنده كتاب ” نقض المنطق ” .. فليس بمثل هذا العزو ـ وبخاصة عند كتابة دستور أو ميثاق ـ يُستدل على العقائد والمناهج .. وتُقام الحجة على العباد والمخالفين .. والذي أراه إما أن تستدلوا على المسألة بأدلة الكتاب والسنة وما أكثرها وأيسرها .. وإما أن تمسكوا عن الاستدلال .. وتحذفوا العزو الذي عزوتم عليه! 
          قلتم:” والواجب على كلّ مسلم ومسلمة أن يحكّم الكتاب و السّنّة الثّابتة في جميع مسائل ا العقيدة والأحكام و الأخلاق و عدم ردّ شيء منها أو تأويله “ا- هـ.
          أقول: حصر الاحتكام إلى الكتاب والسنة فيما ذُكر وحسب فيه مشكل؛ لذا لو قيل: يجب تحكيم الكتاب والسنة في جميع مسائل الدين والدنيا .. وعدم تأويل شيء منها التأويل المخالف لقواعد وضوابط وأصول الشريعة .. لكان أحسن وأصح.
          قلتم:” الواجب الأخذ بما ورد عن الصّحابة في بيان المسائل الدّينية عامّة ومسائل العقيدة و الإيمان خاصّة، مثل علوّ الله على خلقه “ا- هـ.
          أقول: الصحابة اتفقوا في مسائل واختلفوا في مسائل؛ فما اتفقوا عليه يجب اتباعهم؛ لأن
اتفاقهم وإجماعهم حجة لا تجوز مخالفته، وما اختلفوا فيه تُرد أقوالهم إلى الكتاب والسنة ويُنظر أيها أقرب إلى الحق فيُتبع، لقوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء:59.
          كذلك حصر اتباع الصحابة والأخذ عنهم فيما له علاقة بالمسائل الدينية دون الدنيوية فيه نظر ومشكل لا يُسلم به.
          قلتم:” لا يجوز الخوض في المسائل الاعتقادية إذ لا مجال للعقل فيها ..”ا- هـ.
          أقول: مسائل الاعتقاد تشمل مسائل الإيمان والكفر، ومسائل الغيب، ومسائل الوعد والوعيد، ومسائل القضاء والقدر .. وغيرها من المسائل .. فإطلاق عبارة ” لا يجوز ” الخوض في كل ذلك إطلاق غير دقيق .. لأن الخوض منه ما يكون على سبيل التفسير والفهم لدلالات النص .. ومراد الشارع ..!
          ولو قيل: الإمساك عن طلب العلم المحجوب .. والاقتصار عما ورد في ذلك من نصوص عن طريق النقل .. لكان أحسن وأدق.
          أما إن كان مرادكم أنه لا يجوز تقرير شيء من مسائل الاعتقاد بالعقل من غير نص .. أقول كذلك المسائل الفقهية التعبدية لا يجوز تقرير شيء منها بالعقل من غير نص ولا دليل .. فاستثنائكم لمسائل الاعتقاد يوهم أنه يمكن تقرير المسائل الفقهية التعبدية عن طريق العقل من غير نص .. ولا أظنكم تقصدون ذلك!  
          قلتم:” والعودة بهم إلى المنهج السّلفيّ العلميّ الصّحيح ..”ا- هـ.
          أقول: لو قيل: العودة بهم إلى المنهج السلفي العلمي العملي الصحيحين لكان أحسن وأصح.
          قلتم:” والواجب توقير العلماء الرّبّانيين والاستفادة منهم دون تقليد أحد منهم بعينه ..”ا- هـ.
          أقول: قولكم ” دون تقليد أحد منهم بعينه ” فيه مشكل إذ أن الناس إما مجتهد ـ وما أقلهم ـ وإما مقلد متبع لمجتهد .. ولو قيل: من دون التعصب إلى أحد منهم على حساب الحق .. لكان أحسن وأدق!
          ولو قيل كذلك: لا بأس بتقليدهم واتباعهم على بينة وبصيرة بأدلتهم الشرعية .. من غير تعصب لأحدٍ منهم على حساب الحق .. لجاز ذلك، وهو حسن. 
قلتم:” وكلّ بدعة ضلالة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه البدع  الطّرق الصّوفية والمعتزلة والرافضة ، الشّيعة والجهمية والخوارج المارقون والمرجئة وغيرهم “ا- هـ.
أقول: استدللتم على البدع بالمبتدعة والفرق الضالة .. وهذا ليس بحسن؛ إذ يكون الاستدلال على البدع بذكر البدع ذاتها، كقولهم بخلق القرآن، وكقولهم بالتكفير بالمعاصي والذنوب التي هي دون الكفر والشرك، وقولهم بأن الإيمان هو التصديق .. ونحو ذلك .. أما عندما يكون الحديث عن المبتدعة لا البدعة، حينئذٍ يُستحسن ذكر أهل البدع بأعيانهم وذكر أسماء الفرق التي ينتمون إليها!
ثم ذكركم لهذه الفرق الخبيثة الضالة تحت عنوان ومسمى البدعة فيه إجمال مخل؛ إذ أن من هذه الفرق التي ذكرتموها ما تكون كافرة باتفاق أهل العلم، ومنها ما اختلف على كفرها .. ومنها ما أُمسك عن كفرها كفرقة وطائفة مع تكفير بعض من يقول بقولها ويعتقد باعتقادها .. وهذا التفصيل مبسوط في كتب الاعتقاد والفرق المعتمدة عند أهل السنة والجماعة .. لذا أعود فأقول: ذكركم لهذه الفرق الضالة المضلة تحت مسمى البدعة .. تبسيط مخل لحقيقة وواقع هذه الفرق!
قلتم:” ولا نكفّر مسلماً بكل ذنب كبير أو صغير ما لم يستحلّه ..”ا- هـ.
أقول: إطلاق عبارة ” بكل ذنب كبير أو صغير ” مشكل؛ إذ قد يُفهم منه عموم الذنب بما في ذلك الذنب الذي يرقى إلى درجة الكفر والشرك .. وهذا فهم خاطئ طالما اتكأ عليه أهل التجهم والإرجاء!
لذا الصواب أن يُقال: لا نُكفر مسلماً بذنب ـ دون الكفر والشرك ـ ما لم يستحله؛ لأن الكفر والشرك كفر بذاته يُكفِّر صاحبه من دون أن يُشترط له الاستحلال!
قلتم:” ومن وقع في الكفر لا يكون كافرا بمجرّد ذلك حتّى تقوم عليه الحجّة، إذ التّكفير له شروط وموانع كما قرّره الأئمّة ..”ا- هـ.
أقول: هذا ليس على إطلاقه؛ إذ أن قيام الحجة تُشترط لمن يقع في الكفر لعجز لا يقدر على دفعه .. أما من يقع في الكفر من غير عجز ولا عذر معتبر فهذا يكفر بعينه ولا يُشترط لتكفيره قيام الحجة عليه؛ لأن الحجة قائمة عليه أصلاً .. وهو الذي يرفضها ويُعرض عنها .. واشتراط قيام الحجة في مثل هذه المواضع ضرب من العبث والتفريط بأحكام الله تعالى من أن تأخذ طريقها إلى مستحقيها!
والصواب أن يُقال هنا: من وقع في الكفر لمانع شرعي معتبر لا يكون بذلك كافراً بعينه حتى تقوم عليه الحجة التي تدفع وتُذيل عنه ذلك المانع، والله تعالى أعلم. 
قلتم:” ونقول أنّ الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالعلم النّافع والعمل الصّالح، وينقص بالذّنوب والمعاصي ..”ا- هـ.
أقول: قبل ذلك كان يُستحسن أن تبينوا بأن الإيمان: اعتقاد، وقول، وعمل .. كما هو عليه اعتقاد أهل السنة والجماعة .. ثم بعد ذلك تخوضوا في الحديث عن الزيادة والنقصان!
قلتم:” ونعوذ بالله من رأي الخوارج وفكرهم .. “ا- هـ.
أقول: لو قلتم نبرأ إلى الله تعالى من معتقد الخوارج وأهوائهم .. لكان أحسن وأصوب .. وكذلك لو قلتم: نبرأ إلى الله من معتقد المرجئة وأهوائهم .. بدلاً من القول: من رأي المرجئة .. فهو أحسن، والله تعالى أعلم.

قلتم:” قتال المرتدين مقدم على قتال غيرهم من الكفار الأصليين .. “ا- هـ.

أقول: هذا ليس على إطلاقه؛ فالمسألة مرتبطة بالنظر إلى أيهما أشد خطراً وضرراً على أمة الإسلام والمسلمين .. وبتقديرات أمراء الجهاد والثغور، والله تعالى أعلم.

قلتم:” فلا تُعقد لهم ـ أي للمرتدين ـ ذمة، ولا أمان، ولا عهد، ولا صلح، ولا هدنة، ولا يُقبل منهم إلا التوبة أو السيف “ا- هـ.

أقول: أيضاً هذا ليس على إطلاقه فالمسألة مرتبطة بمدى قوة وشوكة المسلمين .. ومدى قوة وشوكة المرتدين .. ومدى تحقيق المصالح ودفع المفاسد من تقديم هذا وتأخير ذاك .. ثم ما يُمكن أن يُقال من أحكام في مراحل القوة والشوكة والمنعة، ووجود السلطان والدولة .. لا يُمكن أن يُقال ويُعمل به في مراحل الاستضعاف، والمطاردة، والتخفي .. وما يُمكن أن يُقال من فقه في قتال الجبهات المتباينة المنفصلة جغرافياً لا يُمكن أن يُقال في قتال الشوارع المتداخلة التي يعيش فيها المحارب والآمن معاً .. هذا فقه لا بد من أن يُتنبه له .. وإلا وقعنا بالزلل وبالتشبع بما لم
نُعط وما ليس فينا!

وفي الحديث:” ليس بمؤمن من أذل نفسه؛ يُعرِّض نفسه للبلاء ليس له به طاقة “.

فلو مثلاً: خُيرت جماعة من الجماعات بين الاستئصال المحقق لجميع أفرادها .. وبين هدنة مؤقتة مع المرتدين تضمن لهم الانسحاب الآمن ونحوه .. لا أظن في مثل هذه الحالة فقيهاً يُفتي هذه الجماعة بعدم جواز عقد مثل هذه الهدنة لكون الطرف المتعاقَد معهم من المرتدين!
وفي الأثر الذي أخرجه البخاري وغيره عن طارق بن شهاب، قال:” جاء وفد بُزاخة من أسَدٍ وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح، فخيَّرهم بين الحرب المجلية، والسلم المخزية ..”.  

قال الشوكاني في نيل الأوطار: وقد استدل بالأثر المذكور على أنه يجوز مصالحة الكفار المرتدين على أخذ أسلحتهم وخيلهم، ورد ما أصابوه من المسلمين .. ا- هـ.

قلت: والشاهد من الأثر ومن كلام الشوكاني ثبوت وجواز مبدأ الصلح مع الكفار المرتدين إن قضت الضرورة والمصلحة ذلك، والله تعالى أعلم.

قلتم:” موقفنا من المبتدعة كجماعة التّكفير، وجماعة الإنقاذ، والجزأريين الضّالّين، هو البراء منهم ومن بدعهم حتّى يتوبوا و يعودوا إلى منهج السّلف ولا نحكم بكفرهم “ا- هـ.

أقول: ما داموا مسلمين لم تحكموا بكفرهم، كان ينبغي أن يقتصر البراء من أفعالهم وأقوالهم ومواقفهم المخالفة للشرع من دون البراء منهم؛ لأن المسلم ـ مهما كان عاصياً ومنحرفاً ـ يبقى له حق الموالاة على المسلمين .. وإن كان ولا بد، لكم أن تُشيروا إلى نوع مجافاة وبغض لهم بحسب ما هم عليه من بدع ومخالفات شرعية، ولكن ليس لكم أن تعلنوا البراء منهم مطلقاً كما تتبرءوا من الكافرين، والله تعالى أعلم.

قلتم:” والمرتد إذا أسلم قبل القدرة عليه وحسنت توبته وأقبل على الله فهو آمن بإيمانه مسلم بإسلامه ..”ا- هـ.

أقول: مفهوم كلامكم أن المرتد إذا تاب بعد القدرة عليه لا تقبل توبته، وهو غير آمن، وهذا بخلاف السنة التي دلت على أن المرتد يُستتاب ثلاثاً .. أما الذي لا يُستتاب هو المرتد ردة مغلظة .. وكذلك الزنديق .. إلا إذا تاب قبل القدرة عليه، فإن توبته تُقبل.

قلتم:” ومن قاتل دون هذا الطّاغوت المرتدّ فحكمه حكمهم ..”ا- هـ.

أقول: أي طاغوت تعنون وتقصدون .. من قولكم هذا الطاغوت ؟!

ثم الذي يُقاتل دون غيره من الطواغيت المرتدين لا يكون مرتداً مثلهم ..؟!

لذا لو قلتم: من قاتل دون الطواغيت المرتدين الظالمين وفي سبيلهم .. فحكمه حكمهم، لكان أحسن وأصوب.

قلتم:” فلا كلام لأحد قبل كلام الله، ولا هدي لأحد قبل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم “ا- هـ.

أقول: مفهوم العبارة أن لأحد كلام مع كلام الله، ولأحد هدي مع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النفي اقتصر على القبلية وهو لا يشمل نفي أحد مع الله أو بعده .. فالعبارة مشكلة من هذا الوجه!

          قلتم:” لا يجوز ترك التعلق بأدلة الكتاب والسنة .. للتعلق بفلان .. “ا- هـ.
          أقول: لو قيل لا يجوز رد أدلة الكتاب والسنة .. لكان أحسن وأصح!
          قلتم:” من خالف أحكام الكتاب والسّنّة من أهل الكبائر  متّبعا في ذلك هواه متعدّيا حدود الله فهو الظّالم لنفسه و هو من أهل الوعيد “ا- هـ.
          أقول: لو قيل: هو من أهل الوعيد؛ لكن لا نجزم له بعفو ولا عقاب، فأمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، لكان أحسن وأكمل، لقوله تعالى:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (النساء:48. ولكي تتميزوا عن الخوارج الغلاة الذين يُكفرون بالكبائر ويوجبون الوعيد بها!
          قلتم:” ومن خالف أحكام الكتاب والسّنّة وهو يبطن الكفر والحقد للمسلمين فهو المنافق الزّنديق، كزنادقة القرامطة الباطنية، والشّيوعيين والعلمانيين ..”ا- هـ. 
          أقول: ليس المنافق الزنديق الذي ذكرتم؛ وإنما المنافق من يُبطن الكفر والجحود ويُظهر الإسلام والإيمان.
          أما الزنديق هو الذي يُبطن الكفر والجحود ويُظهر الإسلام والكفر معاً، فإذا ما أقيمت عليه البينة القاطعة بأنه يُظهر الكفر أنكر وجحد وأعلن أنه لا يزال من المسلمين المؤمنين!
          ومن ذكرتم من الفرق منهم من ينطبق عليهم وصف وحكم الزندقة، ومنهم من ينطبق عليه حكم ووصف المرتد .. وحكم ووصف الردة المغلظة بحسب ما يظهر منهم، والله تعالى أعلم.
          قلتم:” بدع اختلف العلماء في تكفير أصحابها كالخوارج المارقة والرّوافض “ا- هـ.
          أقول: لا أعرف من توقف ـ من أهل العلم المعتبرين ـ عن تكفير الشيعة الروافض ـ كطائفة ـ وما عُرف عنهم من تكذيب، وطعن، وجحود، وغدر، وخيانة، وعمالة .. إلا بعض المتأخرين المغفلين ممن لا يُعتد بقولهم!
          قلتم:” ولا مانع في إجابتهم ـ أي إجابة أهل البدع ـ إلى ما يعود بالمصلحة للإسلام بشرط أن لا يفضي ذلك إلى تقوية شوكتهم “ا- هـ.
          أقول: الكلام مبهم وغير واضح؛ إجابتهم إلى ماذا .. ولماذا ..؟!!
          قلتم:” حكم الشورى: غير ملزمة “ا- هـ.  
          أقول: وهذا خطأ كبير .. يترتب عليه أخطاء كبيرة وعديدة، وهو مخالف لدلالات قوله تعالى:) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (الشورى:38. وقوله تعالى:) وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (آل عمران:159. وهذا الأمر بالشورى نزل على سيد الخلق الذي لا ينطق عن الهوى ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (النجم:4. فما بالكم بمن هم دونه .. فما بالكم في زماننا الذي فشى فيه الكذب .. والغدر والخيانة .. وحب التسلط والاستعلاء، وضعفت الأمانة؛ حتى يُقال في بني فلان رجل أمين ..؟!!
          فالعاصم لكثير من الانتكاسات .. والصفقات .. والخيانات .. والانحرافات .. الشورى عندما تكون ملزمة!
          ثم ما فائدة الشورى .. وفائدة مجلس الشورى المعلن عنه في الميثاق .. إذا لم تكن الشورى ملزمة؟!
          ستقولون: المسألة فيها خلاف ..؟!
          أقول: ولكن أيهما أرجح وأسلم وأنفع .. وأقرب للصواب؟!
          ثم ما هي المساوئ والأضرار عند العمل بالشورى على أنها ملزمة .. لا شيء .. بل ما خاب من استشار.
          بينما هناك أخطار ومساوئ عديدة جداً ـ لا مجال لبسطها هنا ـ تنتج عند العمل بالشورى على اعتبار أنها غير ملزمة؛ وبخاصة عند الإقدام على القرارات الهامة والكبيرة والمصيرية!
          فالشورى الملزمة لو لم يُنظر إليها إلا من هذا الوجه .. لكفى!
          ثم أجدني تقولون:” إذا اتفق أغلب الأعيان يأخذ أمير الجماعة السلفية برأيهم وإن لم يكن هناك ترجيح يأخذ بالأصلح “ا- هـ.
          والسؤال: كيف نوفق بين قولكم هذا بأن الأمير ملزم بأن يأخذ برأي أغلبية أعضاء مجلس أعيان الجماعة .. وبين قولكم الآخر بأن الشورى غير ملزمة؟!!
          مبدأ الشورى دين .. وأخلاق يجب أن نربي أنفسنا عليه على جميع المستويات، وفي جميع المجالات .. وإلا لا ينبغي أن نُساء بما نواجهه من انتكاسات وصفعات .. وصفقات!!
          قلتم:” الموارد المالية للجماعة السلفية: الغنيمة والفيء، الزكاة، صدقات التطوع، الضرائب الإلزامية، الأوقاف “ا- هـ.
          أقول: تلزمون مَن بهذه الضرائب .. وما الدليل على جوازها .. ألم يبلغكم قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن:” إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك  وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب “.
فكل ما زاد عن مال الزكاة فهو من كرائم أموال الناس لا يجوز الاقتراب منها أو سؤالهم إياها من غير طيب نفس أو رضى منهم، والله تعالى أعلم.
إلى هنا ينتهي ـ بفضل الله تعالى ومنته ـ التعليق على بعض ما ورد في ميثاق الجماعة السلفية للدعوة والقتال من نقاط .. راجياً للإخوان الانتفاع منها .. والحمد لله رب العالمين.
وفي ختام هذه التعليقات ـ وقبل أن أنتقل للجواب عن الرسالة الثانية ـ إتماماً للفائدة أود أن أسجل بعض الملاحظات العامة ذات العلاقة بموضع الميثاق.
ـ ملاحظات عامة:
1- التعليقات على الميثاق الآنفة الذكر لا تشمل الجانب اللغوي لمادة الميثاق، كما لا تشمل كل كلمة من كلماته.
2- يلاحظ في الميثاق إدراج بعض المسائل الفقهية الفرعية بشيء من التوسع، والتعامل معها على أنها من الثوابت والقطعيات التي لا تقبل الخلاف .. والغفلة عن كثير من القواعد والمسائل الكلية الجامعة التي ينبغي إدراجها في الميثاق .. ومثل هذا لا ينبغي أن يكون!
3- ملاحظة الإجمال المخل عند الحديث عن العقيدة أو المسائل العقدية الهامة التي تستحق شيئاً من التفصيل والإسهاب .. والتي تميز أهل السنة والجماعة عن غيرهم!
4- ملاحظة كثرة المجالس وما يتفرع عنها من لجان وفروع تستهلك عدداً كبيراً من كوادر وأفراد الجماعة في غير مكانهم المناسب، ومن دون تلك الحاجة الماسة إلى ذلك؛ كمجلس الأعيان، ومجلس الديوان، ومجلس الشورى .. وغيرها الكثير من المجالس واللجان والفروع المذكورة في الميثاق .. ربما لا توجد ضرورة لوجود كثير منها .. وبخاصة في هذه المرحلة العصيبة، والله تعالى أعلم.
5- أنصح بإعادة كتابة الميثاق .. وترتيب أفكاره .. وصياغته من جديد .. مع استدراك ما تمت الإشارة إليه في التعليقات الآنفة الذكر أعلاه.
* * *
ـ نص الرسالة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و صلّ اللهمّ على محمّد و آله و صحبه و سلّم
الجماعة السّلفيّة للدّعوة والقتال
فضيلة الشيخ :أبي بصير ـ حفظه الله ـ
السّلام عليكم و رحمة الله و بركاته
فإنّ من المسائل الشّائكة التي تعترض المجاهدين بالجزائر اليوم والتي أصبحت محلّ اهتمام وتساؤل المجاهدين.
1)ـ مسألة الجنود الاحتياطيين:
فالجيش الجزائري كغيره من الجيوش في العالم يحتوي صنفين من الجنود، احتياطيون ومتعاقدون، أمّا الاحتياطيّون محلّ التساؤل والاهتمام فهم الشّباب الذين يبلغون سنّ التجنيد وهو العشرون من العمر فيستدعون لإجراء الخدمة العسكرية الإجباريّة و التي تدوم سنتين ثمّ يسرّحون ليبقوا محلّ الإحتياط متى احتيج لهم بعد ذلك يتمّ استدعاؤهم من جديد.
وبعد انطلاق الجهاد بالجزائر أصدرت الجماعة الإسلامية المسلّحة آنذاك بيانا تحذيريّا من باب إقامة الحجّة تمنع فيه الشّباب من الالتحاق بالجيش لأداء هذه الخدمة وبعد انقضاء مدّة البيان شرع في قتل كل من تقع عليه يد المجاهدين من هؤلاء.
وأصبح منذ ذلك الحين حكم الجندي الاحتياطي عند المجاهدين هو القتل سواء منهم من هو محلّ الخدمة أو من أنهى خدمته العسكريّة على أساس أنّ هذا الجندي حكمه حكم الطّائفة المرتدّة لأنّ هذا الجندي عند التحاقه بالخدمة العسكريّة فإنّه يشارك في كلّ الأعمال التي تستهدف المجاهدين من تمشيطات و أكمنة و غيرها فيتسبّب في قتل المجاهدين إمّا بالمباشرة أو عن طريق الرّدء، فانتشر هذا الأمر عند الأمّة و صار معروفا عند العّام والخّاصّ، وامتنع الكثير من الشباب عن الالتحاق بالجيش خشية الموت خصوصا وأنّ الجماعة كانت محلّ قوّة ونشاطها متوزّع على جلّ تراب الجزائر.
وبعد مرور حوالي عشر سنوات من إصدار البيان و العمل به حدثت أحداث متعدّدة جعلت الكثير يتساءل عن الحكم الشّرعي الصّحيح لهذه الطّائفة و نلخّص هذه الأمور فيما يلي:
   1.    كثرة عدد هؤلاء الاحتياطيين الذين أنهوا الخدمة وأصبحوا محلّ الاحتياط والذين يعيشون وسط الشعب وهؤلاء يعدّون اليوم بمئات الآلاف.
      2.         ضعف المجاهدين وعدم قدرتهم على الوصول إلى الكثير منهم.
   3.    أنّ هؤلاء قد يكونون من أبناء الأقارب المناصرين للمجاهدين وقد يؤدّي قتلهم غالبا إلى انقطاع تعاملهم مع المجاهدين و نفورهم عن الجهاد.
      4.         أحيانا يؤدّي قتلهم إلى تأليب سكّان القرى والمداشر على المجاهدين و ذلك بحملهم السّلاح و مناصرتهم للطاغوت.
هذا عن حال هؤلاء اليوم ونذكّر الشيخ أنّ الجماعة الآن تجري على هؤلاء الأحكام التي قرّرها الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في كتابه الجامع في طلب العلم الشريف وهذا ملخّصها من الكتاب المذكور:( و يدخل في هذا المرتدّون المحاربون لله ولرسوله صلّى الله عليه و سلّم المجاهرون بعدائهم للإسلام و المسلمين كالحكام الطواغيت الحاكمين بغير شريعة الإسلام وجنودهم وأعوانهم من الكتاب والصّحافيّين وغيرهم في شتّى بلدان المسلمين اليوم، فديارهم ديار حرب لحكمها بشرائع الكفر وهؤلاء حكمهم حكم المرتدّ الممتنع بدار الحرب والتي لا يؤاخذ فيها بجريمة الردة التي لا تجرّمها القوانين الوضعية، فالمرتد في هذه البلاد يحتمي بقوانينها وبجنودها الموكّلين بالدّفاع عن هذه القوانين، فهو ممتنع بدار الكفر، ولهذا يجوز لكل أحد من المسلمين قتل أمثال هؤلاء الذين استفاض العلم بكفرهم، وتخطّي مرحلة الإثبات الشرعي، وهذا من الجهاد في سبيل الله، ولا يبقى نظر هنا إلاّ النظر في المصلحة والمفسدة المترتبة على قتلهم، ومع أنّ قتل المرتدّ والكافر هو في ذاته مصلحة خاصّة إذا كان قد جمع بين الكفر والصدّ عن سبيل الله وإيذاء المسلمين وفتنتهم، ففي قتله مصلحة عظيمة، ولكن إذا ترتب على قتله مفسدة أعظم على المسلمين من هذه المصلحة فيؤخّر قتله إلى أن يحين الظّرف المناسب، لأنّ (درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح)، ولأنّ (إذا تعارضت مفسدتان احتملت أخفّهما لدفع أعظمهما)، وإذا كانت المصلحة في قتل هذا أرجح من المفسدة المترتّبة على ذلك قدّمت المصلحة .إهـ (الجامع في طلب العلم الشريف ص 572).
مع الملاحظ أنّ الجماعة لا تفرّق في الحكم بين من هو محلّ الخدمة ومن أنهى خدمته.
ونظرا لخطورة هذا الأمر لكون المجاهد يعيش يوميا بملاقاته بهؤلاء الشّباب عند تنقّله أو خلال عمله نرجو إجابتنا على التساؤلات التّالية:
   1.    يرى البعض أنّ إجبار هؤلاء على الخدمة العسكرية وتهديدهم بمنعهم من الحقوق المدنيّة وربّما بسجنهم إكراه لهم على ذلك، فما الضّابط في مسألة الإكراه في حال هؤلاء ؟
   2.    هل مجرّد إعفائهم بعد إنهاء الخدمة يعتبر توبة أو مانعا من قتلهم و إنزال حكم الطّائفة عليهم، وهل مجرّد إظهار شعائر الإسلام من صلاة وصيام وغيرها يعتبر توبة لهم؟ وما هي شروط التوبة في حق هؤلاء ؟.
   3.    من أنهى الخدمة العسكرية ثمّ أبدى توبة ورغبة في التعامل مع المجاهدين والالتحاق بهم فهل يجوز إلحاقه بصفّ المجاهدين ؟ و ما الضّابط في التعامل معه؟.
      4.         هل المفاسد المذكورة سابقا معتبرة شرعا في تأخير حكم القتل في حقّهم.
2)ـ حكم من دخل ديار المسلمين من الكفّار الأصليّين:
          أصدرت اللّجنة الشّرعية للجماعة السّلفيّة للدعوة و القتال مؤخّرا رسالة تحت عنوان (حكم من دخل ديارنا من الكفّار) ذكرت فيها حكم الكفّار الأصليّين المتواجدين بأراضي المسلمين على اختلاف أصنافهم.
نرجو منكم ـ جزاكم الله خيرا ـ أن تفيدونا بتعليقاتكم على هذه الرسالة، ونطلب منكم مزيد النصح و الإرشاد حول هذا الموضوع.
وقد أرفقنا طلبنا هذا إليكم بنسخة من الرسالة المذكورة.
3 )ـ مسألة التصوير(شريط الفيديو):
من المعلوم أنّ من وسائل الدّعوة اليوم الشّريط البصري الذي ينقل صورا للمتفرّج عليه،و هذا النوع من الوسائل هو من الأمور الحادثة التي لم تكن على عهد السّلف ـ رضوان الله عليهم ـ فاختلفت أقوال العلماء المعاصرين في استعماله بين التحريم و الإباحة بضوابط لأنّ الأصل في التصوير التحريم لثبوت النّصوص الدّالة على ذلك كقوله صلّى الله عليه و سلّم )إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون ).رواه الشيخان و اللّفظ لمسلم.
والمعمول به عند المجاهدين في الجزائر منذ بداية الجهاد هو عدم استعماله إلاّ للضّرورة الملحّة أو المصلحة التي لا تتحقق بغيره، ولعلّ من مظاهر ذلك أنّكم ترون أنّ الجماعة السّلفية للدعوة والقتال لم تصدر منذ نشأتها سوى شريطا مرئيّا واحدا، وتبقى هذه المسألة محلّ التساؤل والاهتمام، لذا نرجو منكم أن تفيدونا ببحث شامل في هذه المسألة مع بيان الأوجه والضوابط التي يمكن استعماله في حدودها.
وجزاكم الله عنّا وعن المسلمين خير الجزاء.
حرّر يوم:20 شوّال 1424هـ.
الجماعة السّلفيّة للدعوة والقتال.
          ـ نص الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم  

          الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
          أجيب ـ بإذن الله ـ عن الأسئلة الواردة أعلاه بحسب ورودها وتسلسلها في الرسالة .. سائلاً الله تعالى السداد والتوفيق.
          ـ الجواب عن السؤال الأول: الحمد لله رب العالمين. قبل أن أشرع في الجواب كنت أود أن أعلم من المراد بقولكم ” ونذكّر الشيخ أنّ الجماعة الآن تجري على هؤلاء الأحكام التي قرّرها الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز ..”، هل هي الجماعة السلفية أم الجماعة المسلحة ..؟!
          أيّاً كان فأقول: قد تقدمت الإجابة عن هذا السؤال في مقالنا المنشور ” إرشاد ذوي البصائر .. “، والمفاسد الوارد ذكرها في السؤال قد أشرنا إليها في المقال المذكور .. وكانت كتابته بتاريخ 9/4/1422 هـ، كجواب على رسالة موجهة إلينا من ” الجماعة السلفية للدعوة والقتال “، فأنصح بمراجعة المقال والوقوف عليه من جديد.
          وأعود فأقول هنا: بلادنا ـ والجزائر منها ـ محكومة من قِبل قلة قليلة من الطواغيت المجرمين الحاقدين .. وبالحديد والنار .. والإرهاب .. والفقر والتجهيل والتجويع .. وبلاد هذا وصفها وحالها يصعب فيها ـ إلى حد كبير ـ فرز الناس بشكل دقيق وصحيح، ومعرفة من معنا ومن علينا .. من مع الإسلام والمسلمين .. ومن ضد الإسلام والمسلمين .. ومن مع الطاغوت الظالم بحق ومن ضده بحق .. ومن أظهر الكفر تقيَّة .. ومن كفر صراحة ويقيناً!
          في مرحلة من المراحل ترون ـ لأسباب عديدة منها الظاهر ومنها الخفي ـ ملايين من الجماهير والناس تهتف باسم الطاغوت .. وتصوت للطاغوت .. وفي اليوم التالي ـ لانعدام تلك الأسباب التي حملتهم على الهتاف باسم الطاغوت ـ تراهم يلعنون الطاغوت .. ويتبرءون منه .. وربما يُقاتلونه .. كما حصل لعبد الناصر .. والسادات من بعده .. وما حصل لصدام حسين عنكم ببعيد .. وما يحصل عندكم اليوم في الجزائر من حصار وحظر لنواب حزب ” جبهة التحرير الوطني ” الذي حكم الجزائر بالكفر والحديد والنار .. لعدة عقود .. سام بها العباد والبلاد سوء العذاب شاهد على ذلك؛ فنفس الجند الذين كانوا يُقاتلون في سبيل طواغيت الحزب هم نفسهم اليوم الذين يقومون بمحاصرة ومنع نوابه وقياداته من العمل!
          لذا أقول: لا بد للمجاهدين في أمصارنا ـ كل أمصارنا ـ إن كانوا جادين في عملية التغيير .. والذود عن حرمات الدين والعباد والبلاد .. من أن يحصروا المعركة مع هذه القلة القلية من الطواغيت، ومن دخل في نصرتهم من ذوي الكفر المغلظ العقائديين الحاقدين؛ الذين لا يخفى حالهم ووصفهم على أحد .. سواء كانوا من العسكر أم من غيرهم .. وكذلك من يباشر قتال المجاهدين وصدهم عن هدفهم هذا .. فيجوز للمجاهدين صدهم وقتالهم من قبيل الدفاع عن النفس .. وأيما معركة تخرج عن هذه الدائرة فهي إما أنها تقع بالمحظور الصريح .. وبالتالي تقع بالإثم والحرج .. وإما أنها ترعى وتحوم وتقاتل حول الحمى والمتشابهات .. ونحن أمرنا ـ وهذا من التقوى والاستبراء للدين ـ أن نجتنب المتشابهات، وأن لا نحوم حول الحمى، كما في الحديث الصحيح:” إن الحلال بيِّنٌ، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مُشتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حولَ الحِمى يُوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه “. ومن محارم الله قتل النفس التي حرم الله ..!
          وإني لأعجب لفريق من الناس يتورع ـ من قبيل عدم الوقوع في الشبهات والاستبراء للدين والعِرض ـ من أن يأكل طعاماً لا يعلم صاحبه أو من قام على ذبحه .. ثم هو في المقابل تراه يتجرأ على قتل الأنفس مع ورود الاحتمالات .. والظنون .. والشبهات .. والاعتراضات!!
          والله تعالى يقول:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (النساء:94.
          نعم جيوش هؤلاء الطواغيت جيوش كفر وردة .. هذا حكمها العام .. وهكذا تُعامل كطائفة محاربة ومقاتلة .. ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون كل جندي أو فرد من أفراد تلك الجيوش كافراً مرتداً بعينه؛ لاحتمال وجود التقية والإكراه، ولاحتمال الجهل والتأويل، ولاحتمال أن يكون عيناً للمسلمين .. كما بينا ذلك في بحثنا ” مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة “.
          واحد من الأمة يُفتي بعدم جواز الانخراط في هذه الجيوش الظالمة التي لا همَّ لها سوى حماية الطاغوت وظلم الطاغوت .. وفي المقابل مئات من المشايخ والعلماء ـ منهم كثير من السنيين السلفيين ـ يُفتون الناس بخلاف ذلك، ويأتونهم بالأدلة على جواز ذلك .. على اعتبار أن كفر هؤلاء الطواغيت كفر دون كفر، كما يقول ابن عباس .. زعموا .. والناس بين حيص بيص .. تائهة بين هؤلاء وهؤلاء .. كثير منهم قد لُبث عليهم الحق .. ومثل هذا التلبيس على الناس من قبل بعض الشيوخ والعلماء .. لا بد من مراعاته واعتباره عند الحكم على الناس،
والتعامل معهم!
          هذه الأعذار والموانع التي سقناها إن لم تكن سبباً كافياً ـ عند بعض المتشددين ـ تمنع من تكفير مطلق العسكر والجند .. وكل من يرتدي البزَّة العسكرية .. وبالتالي قصد قتلهم وقتالهم أينما وجدوا .. فهي على الأقل تُدخلهم في خانة وساحة الشبهات .. والاحتمالات .. ومن الاستبراء للدين والعِرض ـ كما تقدم ـ أن نجتنب القتال في ساحة الشبهات، وأن يكون الجهد كله مصبوباً للعمل في ساحة المحكمات التي لا يختلف عليها مسلمان عاقلان!
          يوجد فرق بين قتل المرتد وتطبيق حكم حد الردة عليه كحد من الحدود الشرعية .. وبين قتال الطائفة المرتدة الممتنعة المقاتلة والمحاربة التي تقف عقبة كأداء أمام استئناف حياة إسلامية راشدة.
          إقامة حد الردة ـ كغيره من الحدود الشرعية ـ يحتاج لسلطة وشوكة ومنعة تقدر على تنفيذ الحد من دون فتنة أو ردة فعل لا يُقدر على احتوائها وضبطها .. ويحتاج كذلك إلى قضاء عادل وآمن يُثبت بالبينة القاطعة ردة المرتد .. كما أن السنة في المرتد ردة مجردة أن يُستتاب ثلاثاً، ويُعطى فرصة لمراجعة النفس .. وهذا مالا تقدرون عليه في هذه المرحلة .. كما أنكم لا تُطالبون به شرعاً في هذه المرحلة من الاستضعاف والمطاردة .. بخلاف قتال الطائفة المرتدة المقاتلة والممتنعة والمعلنة لكفرها البواح والصريح .. فهي لا تحتاج إلى جميع ما تقدم ذكره .. ولا يخلط بينهما إلا جاهل!
          قلتم في الميثاق:” تُقام الحدود على المجاهدين باستثناء حد السرقة .. أما أفراد الشعب فمن رفع الأمر مختاراً طُبق عليه الحد “!
          وإطلاقكم هذا نُخالفكم في كثير من جوانبه .. فجمهور أهل العلم على أن الحدود لا تُقام في دار الكفر والحرب؛ خشية أن يُفتن الناس عن دينهم .. وينحازوا إلى صفوف أهل الكفر والشرك .. هذا مع وجود الشوكة والقوة والمنعة .. فكيف إذا ضُم إلى دار الكفر والحرب الاستضعاف .. والتخفي .. والمطاردة .. وعدم الوقوف على أرض معينة محددة وثابتة .. كما هو الحال؟!
          قال سيد سابق في كتابه فقه السنة:” وذلك أن هذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو شر منه. وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه، والأوزاعي، وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تُقام في أرض العدو، وعليه إجماع الصحابة ..”ا- هـ. واستدل بقصة أبي محجن الثقفي رضي الله عنه لما شرب الخمر في وقعة القادسية من دون أن يُحد .. وإنما اكتفى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بحبسه وتقييده!
          ليس الغرض هنا أن أناقش هذه المسألة .. فهي مبحوثة في كتب الفقه بشكل مفصل .. وإنما أريد أن أستدل بقولكم ” أما أفراد الشعب فمن رفع الأمر مختاراً طُبق عليه الحد ” .. والسؤال: علام تردون إقامة جميع الحدود إلى رغبة واختيار الشعب .. باستثناء أغلظ الحدود وأشدها ألا وهو حد الردة، فلا تستأذنون به أحدا ..؟!!
          وقلتم في الميثاق كذلك:” المجاهدون السلفيون جزء من الشعب المسلم وإخوان لهم في الدين “.
          وقلتم في سؤالكم أعلاه: أن عدد المنسوبين للجيش .. والمتقاعدين .. والاحتياطيين .. يُعدون بمئات الآلاف .. وهؤلاء لا شك أن لهم أهل وأقارب يعدون بالملايين ..!
          والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن التوفيق بين قولكم أنكم جزء من الشعب الجزائري المسلم .. وأنهم أخوة لكم في الدين .. وبين قتلكم وقتالكم واستعدائكم لهؤلاء الملايين من الشعب المسلم الجزائري .. في حال تعاملتم معهم على أنهم مرتدون؟!!
          أكبر خدمة تقدمونها للطاغوت وحزبه .. عندما تجعلون معركتم مع الشعب وليس معه .. فالمسألة حينئذٍ لا تعدو عند الطاغوت وفي موازينه سوى أرحام تدفع .. وجيوش تبلع .. لكن أنتم كدعاة إلى الله وإلى الحق والعدل والرحمة .. على ما أنتم عليه من إمكانيات .. قد تكلفكم الكثير الكثير .. وربما تكلفكم وجودكم كله!
          لذا أعود فأقول وأكرر: أرى أن ينصب التوجه والاهتمام ـ في هذه المرحلة ـ على قتال الطائفة المرتدة المحاربة والمقاتلة .. وعلى قادة وزعماء هذه الطائفة؛ أئمة الكفر والطغيان .. وليس على قيام وتطبيق الحدود الشرعية على الناس؛ كحد الردة، والسرقة، والزنى، وشرب الخمر، وغيرها من الحدود .. هذا ما تُلزم به قواعد الشريعة، وما يقتضيه العمل بالسياسة الشرعية، والله تعالى أعلم.
          واعلموا ـ يا إخواني ـ أن الشعب المسلم الجزائري قد سُلط عليه سيف وسوط الطاغوت الظالم منذ عقود .. فحذاري ثم حذاري أن تضموا سيفكم إلى سيفه في تعذيب هذا الشعب الذي قتله الفقر والجوع ..!
          فأنتم تجاهدون ـ في سبيل الله ـ الطاغوت وعصابته من أجل الذود عن دين وحرمات وحقوق هذا الشعب المسلم المستضعف والمغلوب على أمره، وليس من أجل أن تنتهكوا حرماته وحقوقه بالظن والشبهات ..!!
أقيلوا عثرات الناس وضعفهم ما استطعتم .. ووجدتم لذلك سبيلاً .. ولا تضعوهم في خيارين لا ثالث لهما: إما سيف الطاغوت وإما سيفنا .. فإن اختارونا فما قدرنا على حمايتهم من الطاغوت وجنده، وإن تظاهروا مكرهين وتقية بنوع مجاملة ومداهنة للطاغوت الظالم .. ليدفعوا عن أنفسهم شره .. هممنا بقتلهم وقتالهم .. مستسهلين استهدافهم!!
مشكلة الجهاد في الجزائر ـ كما ذكرتم في رسالتكم ـ أنه محاط بإجرام النظام وزبانيته من جهة .. وإجرام الخوارج الغلاة من جهة أخرى .. حتى أن كثيراً من المراقبين لا يستطيعون أن يميزوا بين ما يقوم به المجاهدون وبين ما يقوم به الآخرون .. وهذا يستدعي من المجاهدين جهداً مضاعفاً ومميزاً ليقنعوا الناس ـ وبخاصة الشعب الجزائري المسلم ـ أن جهادهم ليس على طريقة هؤلاء المجرمين .. وإنما جهادهم يختلف .. فهو جهاد مضبوط بضوابط الشرع وأحكامه لا مجال فيه للغلو ولا للإفراط أو التفريط .. وهم ما جاهدوا إلا لدفع الظلم والكفر عن الشعوب المضطهدة في دينها ومعاشها .. من قِبل فريقي الطغيان والإجرام الآنفي الذكر!
أما سؤالكم: هل مجرّد إعفائهم بعد إنهاء الخدمة يعتبر توبة أو مانعا من قتلهم وإنزال حكم الطّائفة عليهم، وهل مجرّد إظهار شعائر الإسلام من صلاة وصيام وغيرها يعتبر توبة لهم؟ وما هي شروط التوبة في حق هؤلاء ؟
ومن أنهى الخدمة العسكرية ثمّ أبدى توبة ورغبة في التعامل مع المجاهدين والالتحاق بهم فهل يجوز إلحاقه بصفّ المجاهدين ؟ و ما الضّابط في التعامل معه؟
أقول: نعم، كل من اعتزل الطاغوت وجيشه، سواء بإنهاء خدمته أو غير ذلك .. وعُرف عنه أنه من أهل الصلاة .. فهذا يكفيه لأن يُعامل معاملة التائبين المسلمين .. ما لم يُظهر لنا صراحة أنه لا يزال على ولائه للطاغوت وحزبه وجنده، لقوله صلى الله عليه وسلم:” من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذاك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله “البخاري.
ولا يُشترط لقبول توبته بأن يُعلن على الملأ بأنه قد تبرأ من الطاغوت وجنده .. فهذا غير ممكن في ظل أنظمة تحكم شعوبها بالحديد والنار .. ومطالبتنا له بأن يفعل ذلك يعني أننا نطالبه بأن يحكم على نفسه بالإعدام أو السجن المؤبد .. وهذا لا يجوز!

أما عن قبول أحدهم في صفوف المجاهدين ..؟

أقول: إن أُمِن جانب الغدر والخيانة عنده .. لا حرج من التحاقه بصفوف المجاهدين إن شاء الله .. وإلا فلا!
كما وأنني لا أرى مانعاً ـ من الناحية الشرعية إن دعت الضرورة لذلك ـ أن يكون للجماعة عناصرها داخل الجيش، وغيره من الفروع والمؤسسات العسكرية .. يعملون كعين للجماعة .. ويأتمرون بأمرها، وهذه مسألة تناولناها بشيء من التفصيل في بحثنا ” مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة ” فليراجعه من شاء. 
ـ الجواب عن السؤال الثاني: الحمد لله رب العالمين. فقد اطلعت على رسالتكم المعنونة بـ ” حكم من دخل ديارنا من الكافرين “. فتشكلت لدي الملاحظات التالية:
أولاً: أتيتم على ذكر بعض المقدمات لا علاقة لها بمادة وموضوع البحث؛ كالحديث عن جهاد الطلب وجهاد الدفع، ومتى يتعين الجهاد ومتى لا يتعين، وغيرها من المسائل .. وأغفلتم الحديث عن ذكر بعض المقدمات الضرورية ذات العلاقة بموضوع البحث؛ كالحديث عن أهمية الوفاء بالعهد في الإسلام، وما للغادر من وعيد يوم القيامة ونحو ذلك .. وهذا مما يؤدي إلى تشتيت ذهن وتفكير القارئ .. ويُضعف من قوة ومتانة البحث!
ثانياً: رغم ذكركم لبعض المقدمات الصحيحة إلا أنها توجد بعض الحلقات الضائعة التي تؤثر على ترابط الأفكار، ونتيجة وخلاصة البحث لم تأتوا على ذكرها؛ فقد ذكرتم الحديث الدال على أن ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وأتيتم على ذكر كلام ابن قدامة على أن الأمان يصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكراً كان أو أنثى حراً كان أوعبداً وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم ..
ثم ذكرتم عن أهل العلم أن من لوازم تأمين الكافر المحارب أن يُصان دمه وماله، وأن لا يتعرض له بسوء ..
ولكن الشيء الهام الذي لم تذكروه، ولم تتعرضوا لبحثه وهو القَدْر الذي به يتحقق الأمان للكافر المحارب .. والصفة التي لو أعطيت للكافر المحارب تجعله في أمانٍ، وتلزم المسلمين الوفاء بأمانهم، وهذا مما لا شك فيه يؤثر على قيمة البحث ونتائجه.
وللتذكير نقول: قد دلت الآثار والنصوص .. وكذلك أقوال أهل العلم على أن شبهة الأمان أمان، وأن أي عبارة أو كلمة أو إشارة، أو معاملة تعني التأمين أو تُفهم عند المؤمَّن على أنها أمان فهي أمان ملزم، يجب على المسلمين الوفاء به.
وكذلك لم تبحثوا مسألة هل العبرة ـ عند التأمين أو عدمه ـ ما يريده المؤمِّن أم ما يفهمه ويعتقده المؤمَّن من تأمين المؤمِّن له .. وهذا نقص مخل لا يليق بالبحث.
قال الشيباني في السير 1/183: ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أيما رجل من العدو أشار إليه رجل بإصبعه: إنك إن جئت قتلتك، فجاءه فهو آمن فلا يقتله.
          وبعد هذا نأخذ فنقول: إذا أشار إليه بإشارة الأمان وليس يدري الكافر ما يقول فهو آمن ا-هـ. 
          قال السرخسي في شرح السير : فهو آمن؛ لأنه بالإشارة دعاه إلى نفسه، وإنما يُدعى بمثله الآمن لا الخائف، وما تكلم به: إن جئت قتلتك، لا طريق للكافر إلى معرفته بدون الاستكشاف منه، ولا يتمكن من ذلك قبل أن يقرب منه، فلا بد من إثبات الأمان بظاهر الإشارة وإسقاط ما وراء ذلك للتحرز عن الغدر، فإن ظاهر إشارته أمان له، وقوله: إن جئت قتلتك؛ بمعنى النبذ لذلك الأمان، فما لم يعلم بالنبذ كان آمناً عملاً بقوله تعالى:] فانبذ إليهم على سواء[، أي سواء منكم ومنهم في العلم بالنبذ، وأشار إلى المعنى فيه فقال:] إن الله لا يحب الخائنين[ ، ومبنى الأمان على التوسع حتى يثبت بالمحتمل من الكلام، فكذلك يثبت بالمحتمل من الإشارة .
          وبيان هذا في حديث الهرمزان، فإنه لما أتي به عمر رضي الله عنه قال له تكلم، قال: أتكلم بكلام حي أم كلام ميت ؟ فقال عمر: كلام حي، فقال: كنا نحن وأنتم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لكم دين، فكنا نعدكم معشر العرب بمنزلة الكلاب، فإذا أعزكم الله بالدين وبعث رسوله منكم لم نطعكم، فقال عمر: أتقول هذا وأنت أسير في أيدينا ؟! اقتلوه . فقال: أفيما علمكم نبيكم أن تؤمّنوا أسيراً ثم تقتلوه ؟! فقال: متى أمنتك ؟! فقال: قلت لي تكلم بكلام حي، والخائف على نفسه لا يكون حياً، فقال عمر: قاتله الله، أخذ الأمان ولم أفطن به!
          فهذا دليل على التوسع في باب الأمان ا-هـ .
          ثالثاً: رغم ذكركم لبعض المقدمات الصحيحة إلا أنكم خرجتم بنتائج غير صحيحة ناقضتم بها تلك المقدمات الصحيحة!
          أما المقدمات الصحيحة فقد تقدم ذكرها، وأما النتائج الغير صحيحة؛ هو ما خرجتم به في نهاية البحث من أن أي كافر يدخل بلاد المسلمين على أي وصف كان فهو غير آمن، وبالتالي فهو حلال الدم والمال، وإليكم ما قلتموه كخلاصة لبحثكم:” فهؤلاء الداخلون لهم حالات نعرضها على النسق الآتي:
          1- منهم خبراء عسكريون وأمنيون واستخبارات، فهؤلاء محاربون وصفاً وفعلاً تحققت فيهم كل معاني الحرب من كونهم كفاراً في الأصل و مباشرين للحرب ضد الإسلام وأهله، ومن هنا ينبغي أن يعلم أن معنى الحرب أعم من المباشرة باليد ـ بالآلة العسكرية ـ فتشمل الحرب بالرأي والإشارة، وهؤلاء المتعاونون أمنياً مع طاغوت بلادنا محاربون لنا بالمعنى الفعلي أي بإعانته بالأسلحة وغيرها من آلات الحرب و محاربون لنا بالمعنى أي بالمعلومات والرأي الذي يسمى الخطة الحربية، فهذا الصنف من الكفار لا يشك مسلم في محاربته مع كونه محارباً بدخول بلادنا وغزو أرضنا ..
          2- ومنهم التجار أي المستثمرون وهؤلاء أصناف منهم من هو تابع للقطاع العام ـ الشركات العمومية ـ و منهم من يتبع القطاع الخاص ـ الشركات الخاصة ـ و هذان الصنفان لا يخلوان ممن هو عين لدولته يتتبع الأخبار، فهؤلاء من هذه الناحية محاربون بناء على المعنى العام للحرب، والبقية منهم دخلوا بغير أمان منا مع كونهم حربيين لأن الحربي هو كل كافر ذكر بالغ ليس له أمان ولا عهد مع المسلمين مع العلم أن أمان من أمنهم لا يلزمنا باعتباره صدر من كافر مرتد كما سبق بيانه.
3- ومنهم المتنزهة أي السواح، وهؤلاء أيضا لا يخلو أن يكون منهم الجواسيس وهم بهذا الوصف محاربون، أما بقيتهم فلا أمان لهم من المسلمين و أمان المرتد لا يلزمنا.
          4- ومنهم من دخل إلينا باستضافة بعض المسلمين فهؤلاء هم المستأمنون عندنا لكن لما كان لا يمكن معرفة هؤلاء وهم الأقل بالنسبة إلى ما ذكرنا ولا يمكننا التمييز إلا في أعسر الحالات فدمهم هدر إذا كانوا مجهولين عندنا لأن التفتيش عن كل واحد متعذر زيادة على أنهم في منعة منا على اعتبار أنهم محتمون بشوكة المرتدين ومع ذلك من علمنا حاله وأمكننا التمييز ميزنا لأن فقهاءنا نصوا على أن الكفار إذا أخرجوا مسلماً معهم كرهاً يجوز قتله معهم سواء كان معلوماً لنا أو مجهولاً لاسيما إذا كان في ترك قتله مفسدة الإضرار بالمسلمين “ا- هـ.
          أقول: لا أحد يُخالفكم في أن من دخل بلاد المسلمين محارباً غازياً أنه لا أمان له ولا عهد حتى لو أُمن من قبل بعض المسلمين إلا بعد أن يرمي بسلاحه ويتوقف عن القتال؛ لأن من شروط صحة الأمان أن يتوقف عن القتال والمحاربة .. وهو لا يزال محارباً مقاتلاً .. فكيف يؤمَّن وهو على هذا الوصف .. فهذا لا يستقيم .. وهذا واضح لا خلاف عليه إن شاء الله؟!
          ونحو المحارب من يأتي بلاد المسلمين قاصداً نشر البغاء والفاحشة بين المسلمين .. أو بيع المخدرات ونحوها .. وعُلم عنه ذلك يقينا .. فهذا كذلك لا أمان له ولو أُمِّن .. مادام مستمراً في التلبس بالجرم أو الجرائم الآنفة الذكر!
          أما الذي لا يوافقكم عليه أحد من أهل العلم المعتبرين، هو ما قررتموه وذكرتموه في النقاط الثلاث الأخرى؛ ووجه خطئكم فيها أنكم ضيقتم باب الأمان بخلاف الأصل الذي يقتضي ـ كما تقدم ـ التوسع في باب الأمان!
          حصرتم الأمان والرخصة على تأمين الآخرين في أنفسكم .. ومنعتم ملايين المسلمين الجزائريين من حقهم في أن يؤمنوا من وفَد إليهم من غير المسلمين .. ورفضتم أي أمانٍ لا يتم عن طريقكم وموافقتكم .. وناقضتم بذلك الحديث الدال على أن ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم .. وناقضتم كذلك ما ذكرتموه عن ابن قدامة وغيره من أهل العلم من أن الأمان يصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكراً كان أو أنثى حراً كان أو عبداً ..!!
          رددتم أمان من يفد إلى البلاد من غير المسلمين من الزائرين السائحين، وغيرهم من التجار العاملين على اعتبار أن الذي أمّنهم هو الطاغوت الحاكم، والحاكم مرتد، والمرتد لا أمان له .. وهذا خطأ مرده إلى أنكم لم تبحثوا الصيغ التي يتم بها الأمان للآخرين .. فالأمان لا يمكن أن يُحصر بأمان الطاغوت الحاكم .. بل أيما مسلمة أو مسلم يقول ـ وهو في الشارع، أو في المطار، أو في الفنادق، أو في المطاعم ـ للكافر الوافد: مرحباً .. لا عليك .. أهلاً وسهلاً .. أنت في ضيافتنا .. أنا هنا لأخدمك .. لا تخف .. صباح الخير .. مساء الخير .. السلام عليكم .. وعليكم السلام .. كل هذه العبارات وغيرها فهي أمان معتبر وملزم!
          لا نخالفكم في أن أمان المرتد غير معتبر .. ولكن هذا السائح الزائر أو العامل الوافد .. يمر منذ اللحظات الأولى من وصوله للبلاد ـ وربما قبل وصوله ـ وفي اليوم الواحد بعشرات بل ومئات التأمينات من قبل مئات المسلمين .. فأين تذهبون بها .. وكيف تستخفون بذمم هؤلاء المئات وربما الألوف ..؟!!
          ثم هذا الحاكم الذي تقولون عنه كافر مرتد .. هناك عشرات بل ومئات العلماء والشيوخ ـ وللأسف ـ يحكمون عليه بأنه مسلم .. وأن أمانه معتبر وملزم .. وهذه مسألة لم تُحسم بعد بين المسلمين .. فكيف تريدون من الكافرين السائحين وغيرهم أن يكونوا فقهاء  ويحسموها فيما بينهم .. وأن تكون واضحة لديهم .. وقد تقدم البيان أن العبرة في الأمان ما يعتقده ويفهمه المؤمَّن لا ما يريده ويقصده المؤمِّن؟!
          كذلك التأشيرة ( أو الفيزة ) التي أصبحت عرفاً متعارفاً عليه بين جميع الشعوب على أنها أمان معتبر .. وأنها الصيغة الجديدة المتعارف عليها في هذا العصر للحصول على الأمان والرخصة في الدخول أو الخروج إلى أي بلد كان .. والكافر المستجير ليسمع كلام الله أو ليعرف شيئاً عن الإسلام .. لا سبيل له للدخول إلى بلاد المسلمين إلا عن طريق هذه التأشيرة أو الفيزة .. لذا لا بد من التعامل معها على أنها أمان معتبر وملزم، ولا بد .. ولا أعرف عالماً معتبراً من المعاصرين يُخالف في ذلك!
          أما قولكم المكرر ” وهؤلاء لا يخلو أن يكون منهم الجواسيس وهم بهذا الوصف محاربون “، أقول: ليس بمثل هذا الظن الذي لا يُغني من الحق شيئاً تُسفك الدماء، وتُنتهك الحرمات ..!
          نعم، من ثبت بالدليل اليقيني الصريح أنه جاسوس لدولة محاربة فإنه يُعامل معاملة المحاربين .. أما أن نعمم هذا الحكم ـ من غير علم ولا بينة صريحة ـ على عشرات الآلاف من السائحين .. وأنهم كلهم جواسيس .. وأتوا على نية وقصد التجسس .. فهذا قول بلا علم ولا دليل .. وليس بمثله تُنتهك الحرمات، وتُزهق الأنفس، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً “.
وقال صلى الله عليه وسلم:” من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة “. وغيرها مئات
من النصوص الشرعية التي تلزم المسلمين الوفاء بالعهد .. وتنهى وتحذر من عواقب الغدر!
هذه معانٍ لا يليق بالمجاهد الصادق أن يغفل عنها أو يستخف بها .. وهو في غمرة الحماسة، أو الرغبة في القتل والقتال!!
أما قولكم:” لأن فقهاءنا نصوا على أن الكفار إذا أخرجوا مسلماً معهم كرهاً يجوز قتله معهم سواء كان معلوماً لنا أو مجهولاً لاسيما إذا كان في ترك قتله مفسدة الإضرار بالمسلمين “!
أقول: من هم فقهاؤكم الذين ينصون لكم بجواز قتل المسلم الذي يخرجه الكفار معهم كرهاً ..؟!!
هذا كلام غير صحيح، ولا دقيق .. وكنا نود أن نتعرف على هؤلاء الفقهاء!!
إلا إذا كنتم تعنون مسألة التترس .. ولكن مسألة التترس في وادٍ وما ذكرتموه ونقلتموه عن فقهائكم في وادٍ آخر ..!!
أعود وأقول: ليس بمثل هذا الفقه .. تُسفك الدماء .. وتُنتهك الحرمات .. فاتقوا الله .. رحمكم الله!!
خلاصة القول، وهذا الذي أراه وأوصي به: أن أي وافدٍ إلى بلاد المسلمين .. من غير المسلمين .. سواء كان سائحاً أو تاجراً أو عاملاً .. فهو آمن بأمان مئات من المسلمين .. وغير ذلك مما يدخل في الأمان العرفي كالفيزة والتأشيرة .. لا يجوز أن تُغفر ذممهم بحجة ردة الطاغوت الحاكم .. كما لا يجوز أن تُصادر حقوقهم الشرعية في تأمين من يريدون، وبخاصة في زمن غياب دولة الإسلام، وغياب السلطان المسلم الذي يحكم البلاد والعباد بالإسلام .. وأيما اعتداء عليهم فهو غدر .. ونقض للأمان والعهد .. لا يُمكن بحال الموافقة عليه، أو أن يُدرج كعمل جهادي مبارك!
كما لا يجوز أن نتعامل مع مئات الآلاف من السائحين والوافدين من غير المسلمين بالظن .. ونحكم عليهم أو على أكثرهم بأنهم جواسيس من غير بينة قاطعة ولا علم .. فإن ثبت بالدليل القاطع عن شخص بعينه أنه محارب أو جاسوس .. أو أنه أتى بلاد المسلمين لغرض نشر البغاء والزنى .. أو ترويج المخدرات وبيعها .. فهذا الذي ينتقض عهده وأمانه بعينه .. ويُعامل معاملة المحاربين .. وأمان المسلمين المغفلين له لا ينفعه مادام مستمراً في التلبس بالجرم والحرابة .. ومن دون أن يُعمم هذا الحكم على غيره من السائحين والوافدين؛ فشريعتنا قضت أنه لا يؤخذ المرء بجريرة غيره، كما قال تعالى:) وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الأنعام:164. ولمزيد من الفائدة، ننصح بمراجعة كتابنا ” حكم استحلال أموال المشركين لمن دخل في أمانهم وعهدهم من المسلمين “. 
ـ الجواب عن السؤال الثالث: الحمد لله رب العالمين. بالنسبة لمسألة التصوير فالأحاديث التي تنهى عن التصوير فهي محمولة على المجسمات ـ غير ألعاب الأطفال ـ ورسم اليد لكل ذي روح .. أما التصوير الفوتوغرافي فهو يقوم بتثبيت الصورة كما خلقها الله تعالى لا إبداع فيها للبشر شأنه شأن المرآة التي تظهر عليها الصورة كما هي .. والفرق بين التصوير الفوتوغرافي والصورة التي تظهر على المرآة؛ أن الأولى ثابتة بينما الثانية تزول بزوال الصورة عن المرآة .. ولا أعرف من يقول أن الصورة التي تظهر على المرآة حرام .. لذا فالراجح عندي الجواز، على أن لا تُصمد الصور أو تُعلق للتعظيم، والله تعالى أعلم.
والمسألة إذا راعينا فيها رأي المخالفين .. فهي لا ترقى درجة الشبهة .. وهذه الشبهة يهون أمرها ـ إن شاء الله ـ إذا صُرفت لما فيه خدمة الجهاد والمجاهدين.
فقد ثبت عن السلف أنهم أجازوا للمجاهدين لبس الحرير إذا كان لبسه يدخل الرعب على قلوب الأعداء .. ويكون سبباً في هزيمتهم .. والحرير محرم على رجال المسلمين بنص صريح .. ولكن لمصلحة الجهاد وغاياته جاز استخدامه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 28/27: أما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين، وذلك بأن لا يقوم غير مقامه في دفع السلاح والوقاية. وأما لباسه لإرهاب العدو ففيه للعلماء قولان: أظهرهما أن ذلك جائز، فإن جند الشام كتبوا إلى عمر بن الخطاب: إن لقينا العدو ورأيناهم قد كفروا ـ أي غطوا أسلحتهم بالحرير ـ وجدنا لذلك رعبا في قلوبنا. فكتب إليهم عمر: وأنتم فكفروا أسلحتكم كما يكفرون أسلحتهم، لأن لبس الحرير فيه خيلاء والله يحب الخيلاء حال القتال “ا- هـ.
لذا أقول: ما يجوز في الجهاد وللجهاد لا يجوز في غيره ولغيره؛ لأنه لا شيء يجلب المصالح، ويدفع المفاسد ـ بعد التوحيد ـ أكثر من الجهاد في سبيل الله .. فإن علمتم ذلك علمتم أنه لا حرج إن شاء الله من استخدام التصوير لشؤون وأغراض ومصالح الجهاد.
الإعلام عنصر فعال في عملية الجهاد والمواجهة مع الباطل وجنده .. والتصوير عنصر أساسي من عناصر الإعلام لا يمكن تجاهله!
ليس من الفقه أن يُضيّق المجاهد على نفسه في مساحة فقهية محدد .. مع توفر ووجود المساحة الأكبر والأوسع التي يقدر أن يتحرك ويستفيد منها!
سعة المعركة مع الباطل وحدتها .. تضطر المجاهد أن يستغل ويستفيد من كل جزئية من جزئيات الفقه الإسلامي .. والفقه الإسلامي من السعة واليسر والمرونة ـ ولله الحمد ـ ما يمنع المجاهدين من أن يقعوا في أي نوع من أنواع الحرج أو الهلكة!
أعجب لبعض الحركات الجهادية .. أراها تميل للتشديد على نفسها وأفرادها إلى درجة الوقوع في الحرج وربما الهلكة .. ولها في الفقه الإسلامي مندوحة وسعة تتفادى به ذلك التشدد أو الحرج!
إذا ما خيرت بين أمرين كلاهما جائز .. نظرت أيهما أكثر تشدداً فتلتزمه .. تزهد بكل قول فيه تيسير على العباد!
إذا بحثت في مسألة من مسائل الفقه والدين .. ونظرت في أقوال أهل العلم .. تراها تجنح لأكثر الأقوال تشدداً .. وهذا بخلاف السنة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام!
فديننا ـ يا إخواني ولله الحمد ـ دين يسر لا عسر فيه ولا شدة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ..”البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم:” يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا “البخاري.
إلى هنا تنتهي ـ بفضل الله ومنته ـ الإجابة عن أسئلة الأخوة المجاهدين في الجماعة السلفية للدعوة والقتال .. راجياً العلي القدير القبول .. وأن تكون لهم ولغيرهم من المسلمين والمجاهدين في الأرض .. مفتاح خير مغلاق شرٍّ .. إنه تعالى سميع قريب مجيب.
وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
          16/11/1424 هـ.                     عبد المنعم مصطفى حليمة
          8/1/2004 م.                               أبو بصير الطرطوسي
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.