موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مناقشة قول الشيخ حامد العلي في مسألة الخروج على أنظمة الكفر والردة

0 461

 بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
فقد وقفت على مقال ماتع لأخي الشيخ حامد بن عبد الله العلي، بعنوان ” مكانة رموز الجهاد، ونقد المشروع الجهادي لترشيده “، والمؤرخ بتاريخ 27/5/2007، فألفيته مقالاً نافعاً في بابه وغرضه إلا أنه قد استوقفتني فقرة من المقال تقول:” إنه ـ أي مشروع الجهاد ـ مشروع تغيير لأمّة تريد النهوض، فإذا لم يتوفر له بيئة حاضنة له، فليس هو مشروع تغيير ناجح، ولهذا لم تنجح مشاريع الصدام مع السلطات، بينما تنجح مشاريع مقاومة الاحتلال، كما أشرت في فتوى منشورة على هذا الموقع “ا- هـ.

هذه الفقرة كما استوقفتني استوقفت غيري من الإخوان، فسألوني مناقشتها وتحرير القول فيها .. وبخاصة أن فريقاً واسعاً من الناس ـ تعددت مشاربهم ومقاصدهم ـ قد يستدلون بالعبارة الآنفة الذكر ويتكئون عليها في المنع من الخروج على طواغيت الكفر والردة، وأنظمتهم الكافرة الفاسدة العميلة .. ويتقوون بها على تثبيط الأمة والشعوب عن الجهاد .. والنهوض .. والتحرر من الظلم والطغيان .. وانتزاع الحقوق المغتصبة والمهدرة من قبل تلك الأنظمة الطاغية .. إذ لا جدوى من الخروج عليها إذا كنا نعلم مسبقاً أنه لا يُكتب لهكذا جهاد أو عمل النجاح .. فالإقدام على شيء ـ وبخاصة إن كان مكلفاً ـ يُعلَم مسبقاً فشله وعدم نجاحه .. يُعد من السفه وخوارم العقل .. وضرب من ضروب الهلكة .. وهذا لا يجوز!!
لذا رأيت من الضروري أن أجيب الإخوان إلى ما سألوني إياه .. وأن أقتطع بعض الوقت للرد على ما تضمنته الفقرة الواردة في مقال الشيخ، والمذكورة أعلاه.
ألخص تعقيبي وردي في النقاط التالية:
1- مرد الحكم والنظر في المسألة المختلف عليها إلى النص، ونحن قد علمنا بنص الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة أن الحاكم ـ وكذلك نظامه الذي يحكم به ـ إذا طرأ عليه الكفر البواح، لنا فيه برهان ودليل من الكتاب والسنة، تعين على الأمة الخروج عليه ولا بد.
قال تعالى:) وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (النساء:141.
وقال تعالى:) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (الشعراء:151-152.  
وقال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (آل عمران:149.
وفي الحديث المتفق عليه، عن عبادة بن الصامت قال:” دعانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومَكرهنا، وعسرنا ويُسرنا، وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان “.
          قال ابن حجر في الفتح 13/7: إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا- هـ.
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم 12/229: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وقال وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها ا- هـ.
هذا هو نص الكتاب والسنة .. وهذا هو إجماع علماء الأمة المنعقد على وجوب الخروج على الحاكم الذي يطرأ عليه الكفر البواح .. والمؤمن ليس له سوى الرضى والتسليم والالتزام والعمل بمقتضى هذا الحكم.
قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الحجرات:1.
2- إذا علمنا أن الله تعالى قد قضى بالخروج على أئمة الكفر والردة والطغيان .. علمنا بالضرورة أن التخلف عن العمل بهذا الحكم، والعمل بخلافه .. وركون الناس إلى طواغيت الكفر والردة والظلم .. يؤدي ولا بد إلى الضرر الأكبر، والظلم الأكبر، والفتنة الكبرى، وما خشينا من وقوعه بسبب الخروج على أئمة الكفر .. سيحصل أضعافه في حالة عدم الخروج .. والضريبة التي ستُدفع حينئذٍ ـ من دين، وعِرض، ومال، وعزة وكرامة المسلمين ـ ستكون أضعاف أضعاف ما يُمكن دفعه في حالة الخروج .. والواقع المشاهد والمعاصر شاهد على صحة وصدق ما نقول.
قال تعالى:) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الأنفال:39.
وقال تعالى:) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (التوبة:39.
وبالتالي نقول لهؤلاء الذين يتباكون على الخسائر والفتنة التي يُمكن أن تتحصل بسبب عملية الخروج: الفتنة الأكبر تحصل عندما ترضى الشعوب بطواغيت الكفر والظلم والردة .. وتبارك أنظمة الكفر والردة والشرك .. لو كنتم تعلمون!
ها أنتم لم تخرجوا .. لكن انظروا الضرائب الباهظة التي تدفعونها من دينكم وعِرضكم .. وأمنكم .. وحريتكم .. وأعز ما تملكون!
ثم من أعلم أنتم أم الله .. ؟!
قال تعالى:) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة:216.
وقال رسوله صلى الله عليه وسلم:” إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم “.
3- الخروج على أئمة الكفر والطغيان ـ كما تقدم ـ هو حكم شرعي .. وبالتالي القول: بأن هذا الحكم ينجح في هذا المكان والزمان .. لكنه لا ينجح في هذا الزمان والمكان .. ينجح إن طبق على الكافر المحتل، لكنه لا ينجح لو طبق على الكافر المرتد .. ولو كان هذا الكافر المرتد قد سبق مسيلمة الكذاب سبقاً بعيداً في الكفر والمروق والطغيان .. هو كالقول: بأن حكم الله يصلح في زمان دون زمان .. وفي مكان دون مكان .. وعلى كافر دون كافر!
هذا المعنى خطير جداً .. نجزم بأن الشيخ لا يقصده ولا يريده .. لكن ظاهر العبارة .. لا يُمكن أن تُحمل أو تُفسر إلا على هذا المحمل والوجه!
4- قياس الخروج على أئمة الكفر والردة في هذا الزمان على خروج بعض الصحابة والتابعين على حكام زمانهم .. كخروج الحسين رضي الله عنه على يزيد بن معاوية وغيرها من التجارب .. قياس خاطئ لا يُسلم به؛ ففي زماننا المعاصر يخرج مسلم على كافر مرتد .. وخروج الحسين رضي الله عنه على حكام زمانه وخروج غيره من التابعين على حكام زمانهم .. هو خروج مسلم على مسلم .. باتفاق علماء الإسلام كلهم .. وإن كان للقياس مورد في هذه المسألة ولا بد .. فيُقاس خروج المسلمين في هذا الزمان على طواغيت الحكم والكفر والردة، على خروج المسلمين الأوائل على مسيلمة الكذاب ودولته المرتدة الشاسعة .. والذي كلفهم عشرات الآلاف من الشهداء!
كذلك تعليق سبب فشل التجارب القديمة منها والحديثة على شمَّاعة كونه قتالاً داخلياً .. وقتالاً للأنظمة أو السلطات الحاكمة المحلية ـ كما درج ذلك على ألسنة كثير من الدعاة المعاصرين ـ يُعد قراءة خاطئة للتجارب القديمة منها أو الحديثة .. وقراءة خاطئة لقوانين النصر والظفر والتمكين!
نجاح هذه التجربة أو تلك أو فشلها ..متعلق بالدرجة الأولى أو الأساس بمدى أخذ أصحاب تلك التجربة بقوانين وأسباب النصر والظفر من عدمه .. وليس من قوانين النصر أو الظفر أن ينحصر القتال مع العدو الخارجي بينما العدو الداخلي الأشرس والأشد كفراً .. يُسلم له .. وتُكفّ الأيدي عنه .. ويُكتفى بالنظر إليه!!
ثم ها هو عبد الملك بن مروان يخرج على الخليفة العادل ابن الزبير رضي الله عنه .. وهو قتال داخلي .. ومع ذلك ينجح خروجه .. وتقوم للمروانيين دولتهم وخلافتهم التي امتدت لأكثر من مائة سنة!
كذلك خروج العباسيين على الأمويين .. وقيام دولتهم وخلافتهم على أنقاض دولة الأمويين .. وهو خروج وقتال داخلي .. هناك تجارب عديدة جداً .. كُتب لها النجاح .. ولم يمنع من نجاحها كونها قامت على قتال داخلي أو قتال للنظام أو السلطات المحلية!
بل الأنظمة العربية الحاكمة في زماننا .. كيف وصلت إلى سدة الحكم .. أكثرها إن لم يكن كلها ـ وبخاصة منها الأنظمة الجمهورية التي جاءت على أنقاض الأنظمة الملكية ـ اعتمدت أسلوب الخروج بالقوة على الأنظمة التي كانت تحكم قبلها .. ومع ذلك كُتبت لتجاربهم النجاح لما أخذوا بأسباب الظفر والغلبة!
وبالتالي تعليق فشل كل تجربة من التجارب على شماعة كونه قتالاً محلياً .. ولسلطات محلية داخلية .. لا يُقبل .. وهو مردود عليه بالنقل والعقل.
5- عند فشل أي تجربة جهادية معاصرة .. العدل يقضي منا حينئذٍ أن نتهم أنفسنا .. وأن ننظر في أسباب الفشل .. وجوانب التقصير التي هي من عند أنفسنا الأمارة بالسوء .. لاستدراكها وتفاديها في حال استُؤنِف العمل من جديد، كما قال تعالى:) وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (الشورى:30.
وقال تعالى:) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران:165.[[1]].
هذا الذي يقتضيه الحق .. وهذا الذي يقتضيه الإنصاف .. أما أن نغض الطرف عن ذلك كله .. وننزه أنفسنا عن التقصير والخطأ .. ومن ثم نسيء الظن بالله .. ونوجه سهام النقد على الحكم الشرعي ذاته؛ الذي هو حكم الله .. فنقول: مبدأ الخروج على أنظمة الكفر والظلم والردة خطأ وفاشل .. لا ينجح .. ولا يُمكن أن يأتي بنتائج إيجابية ومُرضية .. لأنه قتال داخلي .. ولسلطات داخلية .. فهذا أولاً ظلم للحكم الشرعي .. وثانياً هروب من تحمل المسؤولية والنتائج .. والنقد الذاتي لمرارته!
لئِن نتهم أنفسنا ألف مرة .. ونراجعها ألف مرة .. خير من أن نتهم الحقَّ ولو لمرة واحدة!
6- عندما نتكلم عن مبدأ الخروج على طواغيت الحكم والكفر، لا يعني ولا يلزم منه بالضرورة أن يقوم بتبعات الخروج على الحاكم مجموعة أفراد قد لا يتعدون المائة نفر .. بينما بقية أفراد وشرائح المجتمع ساهون لاهون عن واجبهم، وعما يحتمه عليهم دينهم من مهام وأعمال يتعين عليهم القيام بها.
هذا المعنى لا نعنيه ولا نقصده .. وإنما الذي نعنيه ونقصده أن تقوم جميع شرائح وطبقات المجتمع ـ متكافلة بعضها مع بعض ـ بما يجب عليها شرعاً في هذا الشأن: العلماء .. والعمال .. والتجَّار .. والمدرسون .. والأطباء .. والطلاب .. والصحفيون .. النساء والرجال سواء .. الكبار والصغار سواء .. بما يجب عليهم شرعاً نحو دينهم وأمتهم ومجتمعهم .. كل بحسب موقعه .. وبالقدر الذي يستطيعه .. والمسلمون لهم أن يعبروا عن مواقفهم هذه بكل الوسائل المتاحة والممكنة والمشروعة .. ابتداء بالعصيان المدني والإضراب العام .. ونزع اليد من الطاعة .. إلى الإعراب من خلال المظاهرات الساخطة الغاضبة .. إلى استخدام القوة إن استعصى الطاغوت على إرادة الشعوب والأمة .. كل هذا ممكن القيام به .. لا حرج منه شرعاً .. وهو من أعظم الجهاد في سبيل الله!
عندما تتم عملية الخروج على طواغيت الحكم والظلم والكفر بهذه الصورة .. ويُصبح مبدأ الخروج هو ثقافة وهم وحديث الجميع ـ أو الغالبية ـ ستجدون أن الأمور أسهل بكثير مما تستصعبون وتتخوفون .. وأن تكاليف الخروج على الطواغيت الظالمين أقل بكثير من تكاليف الصبر عليهم .. والركون إليهم .. أما أن يقتصر العمل بمبدأ الخروج على مجموعة من الشبان المتحمسين .. قد لا يتعدون العشرات .. كما حصل لعددٍ من التجارب المعاصرة .. حينئذٍ وفق جميع الموازين والتقديرات ستكون النتائج كارثية ومؤلمة .. ومخيفة لكل من يفكر بهذا الأمر.
الطاغوت ومعه جنده وعسكره .. وما أوتي من قوة وبطش .. يحب أن يستشرف لمنازلته مجموعة من الأفراد أو الشباب .. دون بقية الناس .. ليُظهر أقصى مهاراته .. وطغيانه .. وما عنده من قوة بطش .. فيرهب من وراءهم من الناس .. وكل من تسول نفسه بالخروج عليه وعلى نظامه .. وهذه فرصة لا ينبغي أن يُعطاها!
أن تخوض الشعوب معركة واحدة مع الطاغوت .. تستغرق تعبئة وترويض الناس لها عدة سنوات .. تكون نتائجها نسبياً مضمونة ومحتملة النجاح .. خير ألف مرة من أن نجدد التجارب ألف مرة .. لكن في كل مرة تكون النتائج كارثية ودموية على أصحاب وأنصار تلك التجارب!
          لماذا طواغيت الحكم والكفر .. ترونهم يقلقون أشد القلق من انتشار مبدأ تكفيرهم .. وتكفير أنظمتهم الفاسدة الظالمة .. على ألسنة الناس .. لعلمهم أن تكفيرهم .. واعتقاد الناس كفرهم ومروقهم من الدين .. هي الخطوة الأولى والأساس نحو العصيان .. وتدمير وإزالة عروشهم وأنظمتهم الفاسدة .. ونحو المواجهة العامة مع الشعوب وجميع شرائح المجتمع .. لذا تراهم يجندون الآلاف من أبواقهم .. وعبيدهم .. وسحرتهم .. وينفقون عليهم مئات الملايين من الدولارات .. ويخصصون لهم المساحة الأكبر من وسائل إعلامهم .. من أجل مواجهة هذا التيار التكفيري .. كما يحلو لهم أن يسموه .. ومن أجل تزيين باطلهم وكفرهم في أعين الناس!
          7- القول بأن مقاومة العدو المحتل تنجح .. بينما مقاومة السلطات المحلية أو بالتعبير الأصرح والأوضح العدو الداخلي .. لا تنجح .. كلام نظري غير صحيح من الناحية العملية والواقعية!
          فالواقع المشاهد والملموس .. الذي لا يمكن تكذيبه أو رده .. يقول: إن العدو المحتل الخارجي، والعدو الداخلي المتمثل في طواغيت الحكم والكفر والظلم .. شيء واحد .. بعضهم أولياء بعض .. على الإسلام وأمة الإسلام .. وفي كثير من الأحيان يكون العدو الداخلي أشرس في عداوته وبطشه وظلمه من العدو الخارجي المحتل!
          إن فرقت بينهم بعض الأهواء والمصالح الذاتية الضيقة .. إلا أن شيئاً واحداً يجمعهم ويؤلف بينهم .. ألا وهو اجتماعهم على محاربة الإسلام والمسلمين .. كما هو حاصل الآن .. تحت مسمى وزعم محاربة الإرهاب .. زعموا!
          العدو المحتل الخارجي .. يمد هؤلاء الطواغيت الحاكمين وأنظمتهم وعروشهم بالحياة .. وبحبال التأييد والدعم والمباركة .. وبأدوات القمع والتعذيب .. وغض الطرف عن موبقاتهم وظلمهم .. وفي المقابل طواغيت الحكم والظلم يسهرون بإخلاص على مصالح ومطامع ومخططات العدو المحتل في بلاد المسلمين.
          من الذي يمنع مئات الملايين من الشعوب المسلمة من أن تقوم بواجبها نحو فلسطين .. وأهل فلسطين؟!
          من الذي يحمي ويحرس العدو المحتل في فلسطين .. وبإخلاص ككلاب حراسة أوفياء .. وعلى مدار أكثر من خمسين عاماً .. أليسوا طواغيت الحكم المحليين .. والأنظمة الطاغية المحلية
والمتمثلة بأنظمة الطوق المعروفة: مصر، وسورية، والأردن ..؟!
          كيف تصل ـ يا شيخ ـ إلى العدو الخارجي المحتل .. والعدو الداخلي المحلي ـ الذي سميته بالسلطات المحلية! ـ  يحرس العدو المحتل ومصالحه على مدار الوقت .. وهو يصطادك .. ويقتلك .. ويسجنك .. ويفتنك عن دينك .. قبل أن تصل إلى حدود مناطق العدو المحتل؟!
          من الذي يمنع قوافل الجهاد من أن تأخذ طريقها بأمان إلى طرد العدو المحتل في كل من العراق .. وأفغانستان .. والصومال .. وغيرها من البلدان المحتلة .. ويعتقل الآلاف من الشباب المسلم المجاهد .. قبل أن يصلوا إلى حدود مناطق العدو المحتل .. ولمجرد حديث النفس .. أليس هو العدو المحلي .. المتمثل بطواغيت الحكم .. وأنظمتهم الفاسدة العميلة؟!
          أعلم أن الحديث عن العدو المحتل .. هو الجانب الأسهل في المسألة .. والأكثر أماناً .. من الحديث عن العدو الداخلي الأشرس .. والمتمثل بطواغيت الحكم والكفر .. وأنظمتهم الفاسدة الخائنة .. لذا نرى كثيراً من الناس والنقاد .. والإعلاميين .. والثرثارين .. يهوون الحديث عن العدو المحتل الخارجي إلى درجة انتفاخ أوداجهم .. لأنه الجانب الأسهل من المعادلة .. بينما لو اقتربوا من جهة العدو الداخلي المحلي ـ والذي يكون في كثير من الأحيان الجانب الأشرس والأشد عداوة وكفراً ـ تراهم لا يجرؤون أن يتوجهوا بكلمة نقد واحدة؛ لأنه يمثل الجانب أو الطرف الأصعب من المعادلة! 
          أحياناً تقتضي مصلحة بعض الأنظمة المحلية .. أن يُعطوا لشعوبهم نسبة محدودة من الحرية في نقد العدو الخارجي المحتل .. فيُخيل للبعض بأن مقاومة العدو المحتل تنجح .. بخلاف مقاومة العدو الداخلي المحلي .. وهذا وهم وخيال .. وهروب من الواقع!
          ثم لو أردنا أن ندخل في غمار الجدال حول تعريف الاحتلال .. والبلد المحتل .. ومتى تكون دولة من الدول محتلة .. ومتى تكون غير ذلك .. لوجدنا أن غالب دول وبلاد العرب والمسلمين ينطبق عليها صفة البلد المحتل!
          هذا البلد الذي لا يقدر على مخالفة العدو المحتل الخارجي .. في قرار واحد هام واستراتيجي .. هل هو بلد حر أم بلد محتل؟!
          هذا البلد أو الدولة .. التي تسير وتتحرك .. وتعيش في جميع مجالات حياتها .. وفق قوانين وسياسات وتوجيهات .. وإرادة .. العدو المحتل الخارجي .. هي دولة حرة أم أنها دولة محتلة؟!
          هذا البلد أو الدولة التي لا تملك الحرية في استثمار خيراتها وثرواتها .. لصالح الأمة .. والشعوب المظلومة .. لأن العدو المحتل الخارجي يمنع من ذلك .. هل هذه الدولة حرة أم محتلة؟!
           هذا البلد أو الدولة التي تنتشر فيها القواعد العسكرية التابعة للعدو المحتل الخارجي .. وعلى مساحات شاسعة من أراضيها .. بمثابة المحميات الواسعة .. ثم يمنع المواطن المحلي من مجرد الاقتراب من حدود تلك القواعد والمحميات العسكرية .. ولو على مسافة عشرات الأميال .. فهي تعتبر مناطق محظورة على المواطنين المحليين .. بينما هي مستباحة للعدو المحتل الخارجي .. يسيح ويمرح فيها كيفما يشاء .. وينطلق منها لضرب الأهداف التي يشاء .. هذه البلدة أو الدولة .. حرة أم محتلة! 
          لو بحثنا في قواميس اللغة كلها عن معنى الاحتلال .. ومعنى البلد المحتل .. لخرج معنا أن جل أمصار المسلمين في هذا الزمان محتلة وللأسف .. وإرادتها أسيرة لإرادة العدو المحتل الخارجي .. وهي تحتاج إلى جهاد وتحرير من جديد!
          وبالتالي فإن الحديث عن هذا البلد بأنه محتل .. بينما البلد الآخر غير محتل .. هو ضرب من التشويش على الحقائق المعاينة والمعايشة .. ومضيعة للأوقات والطاقات .. ومحاولة يائسة لحجب الشمس في وسط النهار عن أعين الناس .. لا أرى منه طائل فائدة .. كما لا ألمس فيه الدقة وصدق المصارحة والمكاشفة!
          8- مع شيء من المتابعة وجدت الشيخ ـ حفظه الله ـ مضطرباً في المسألة؛ فهو من جهة يقول في رسالته الحسبة:” لا أريد أن أتعرض هنا لمظاهرات العنف فإن تحريمها ما لم تكن ضد عدو في أرض حرب مثل الأرض المحتلة في فلسطين وما يشبهها، وما في حكمها مثل الخروج على الحاكم الكافر، وتحريمها واضح لا يحتاج إلى بيان … أو كانت وسيلة للخروج على حاكم يجب الخروج عليه مع القدرة لظهور الكفر البواح، وهذه فيما يخص مظاهرات العنف، ويجب أن يراعى فيها أن لا تتعدى إلى الاعتداء على المسلمين أو تؤدي إلى ضرر عليهم راجح على مصالحها ” ا- هـ.
          ففي كلامه هنا يجيز الشيخ استخدام المظاهرات العنيفة كوسيلة للخروج على الحاكم الكافر الذي يُرى منه الكفر البواح .. وفي مقاله ” مكانة رموز الجهاد ” يقول:” لم تنجح مشاريع الصدام مع السلطات، بينما تنجح مشاريع مقاومة الاحتلال، كما أشرت في فتوى منشورة على هذا الموقع ..”!
          فكيف نوفق بين قوله بجواز استخدام مظاهرات العنف في الخروج على الحاكم الكافر، وبين قوله أن الصدام معه ومع نظامه لا ينجح ..؟!
          كيف يُجيز شيئاً ثم هو يعتقد أنه لا ينجح ..؟!
          لذا قلنا أن الشيخ مضطرب في المسألة .. مع تسجيل تحفظنا على استخدام مصطلح ” مظاهرات العنف ” في التدليل أو التعبير عن الخروج على طواغيت الكفر والردة .. لقصور المصطلح عن دلالات معنى الخروج .. ومعنى الجهاد في سبيل الله .. فالتعبير عن الجهاد في سبيل الله وما يدخل فيه .. بمصطلح العنف .. هو اختزال مخل .. كما أنه من أدبيات ومفردات العدو عندما يريد أن يتكلم أو يعبر عن الجهاد عند المسلمين.
          الشيخ حفظه الله حقه لدينا محفوظ .. ومكانته عندنا معلومة .. لكن الحق أحب إلينا مما سواه.
بهذا أجيب عما تقدم السؤال عنه .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي ”
1/6/1428 هـ. 16/6/2007 م.

 


[1] قد بينا بعض أسباب فشل الحركات الجهادية المعاصرة في مقالنا ” أسباب فشل بعض الحركات الجهادية في عملية التغيير “، لا داعي لتكرار ذكرها هنا، راجعها هناك إن شئت.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.