موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مناقشة قول ابن العثيمين في اشتراطه الاستحلال لكفر من بدل شريعة الرحمن

0 1٬065

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
فقد وردني سؤال من أحد الإخوان يقول فيه: قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في جواب على سؤال وجّه إليه عبر الهاتف:” وأما إذا كان يشرع حكماً عاماً تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لُبس عليه فيه فلا يكفر أيضاً لأن كثيراً من الحكام عندهم جهل في علم الشريعة، ويتصل بهم من لا يعرف الحكم الشرعي وهم يرونه عالماً كبيراً فيحصل بذلك المخالف، وإذا كان يعلم الشرع، ولكنه حكم بهذا أو شرع هذا وجعله دستوراً يمشي الناس عليه، يعتقد أنه ظالماً في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا ” انتهى. ويمكنكم الرجوع للجواب كاملاً عبر هذا الربط في الإنترنت:
          فما تقييمكم للكلام السابق وفق معتقد أهل السنة والجماعة في مسائل التكفير .. وجزاكم الله خيراً ؟

          الجواب: الحمد لله رب العالمين . فقد اطلعت على كامل الفتوى كما وردت في الموقع  المشار إليه في السؤال .. فوجدت كلام الشيخ كما نُقل عنه في السؤال، وعليه فأقول: كلام الشيخ المتقدم ينقسم إلى قسمين: قسم أصاب فيه؛ وهو يبتدئ من أول كلامه إلى قوله: فيحصل بذلك مخالف ..!
          وقسم نرى أنه أخطأ فيه وحايد الصواب؛ وهو يبتدئ من قوله:” وإذا كان يعلم الشرع ..” إلى آخر كلامه.
          وبيان الدليل على ما اتفقنا عليه ليس مهماً لحصول الاتفاق؛ لذا سنقتصر على بيان الدليل على ما اختلفنا فيه، ونعتقد خطأ الشيخ فيه، وذلك في النقاط التالية:
          1- أن المشرع الذي يشرع التشريعات المضاهية والمغايرة لشرع الله تعالى ـ مع علمه بذلك ـ ثم يجعل من تشريعاته هذه دستوراً ملزماً للأمة أو لمن يحكمهم من الناس .. فهو كافر نصاً وإجماعاً، وهو طاغوت من أكبر وأشد عتاة الطواغيت .. لا ينبغي لمسلم أن يتردد في تكفيره، وذلك لأوجه منها: أن التشريع من أخص خصائص وصفات الله تعالى .. ومن يجعل لنفسه ـ مـن
دون أو مع الله تعالى ـ هذه الخاصية، فقد جعل من نفسه نداً لله تعالى في أخص خصائصه سبحانه وتعالى !
          قال تعالى:] إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه [ . وقال تعالى:] ولا يُشرك في حكمه أحداً [ . وقال تعالى:] أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [. فأثبت الله تعالى في الآية الأولى أنه تعالى وحده المتفرد بخاصية الحكم والتشريع .. ثم نفى عن نفسه سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في الحكم والتشريع .. كما أنه تعالى سمى الذين يشرعون للعباد بغير سلطان من الله ـ وبما لم يأذن به ـ شركاء وأنداد ..!
          والشرك لا يُطلق إلا لنوع عبادة تصرف لغير الله تعالى .. والشريك لا يُسمى شريكاً لله تعالى إلا عندما يزعم لنفسه خاصية من خصائص الله تعالى وحده !
          ومنها: أن الله تعالى قد سمى الذين يشرعون من دونه أرباباً .. ومن يطيعهم فيما يُشرعون، ويحللون ويحرمون عباداً لهؤلاء الأرباب، كما قال تعالى:] اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله [، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذهم أرباباً من دون الله تعالى بطاعتهم فيما يشرعون من الحلال والحرام بغير سلطان من الله تعالى، وبخلاف ما أمر وشرع سبحانه وتعالى.
          ومنها: أن ألوهية فرعون وغيره من الطواغيت جاءت من جهة إثباتهم لأنفسهم خاصية التشريع .. وأنهم السلطة الوحيدة التي يُرجع إليها فيما يجوز أو لا يجوز، كما قال تعالى عن الطاغية فرعون:] وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري [؛ أي ما علمت لكم من حاكم ومشرع ومرجع ترجعون إليه في جميع شؤون حياتكم غيري، وهذا المعنى قد صرح به بقوله كما قال تعالى عنه:] ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد [ ..
          وقال تعالى:] ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [؛ والذي يقول عن نفسه ـ من دون الله تعالى ـ أنه المشرع أو أن له أن يشرع للعباد .. وعلى العباد
طاعته فيما يُشرع .. فقد جعل من نفسه إلهاً .. وزعم لنفسه الألوهية علم بذلك أم لم يعلم ..وسواء
سمى ذلك ألوهية وربوبية أم لم يسمها !
          ومنها: أن كفر هذا النوع من الحكام قد نص عليه جميع علماء الأمة المتقدمين منهم والمتأخرين، ولا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي، كما يقول الشنقيطي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى:] ولا يُشرك في حكمه أحداً  [.
          وقال ابن كثير في تعليقه على ياسق التتار:” من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ” ا- هـ. ولو أردنا أن نتوسع بذكر أقوال أهل العلم في المسألة لطال بنا المقام، ولاستغرق ذلك منا مصنفاً كاملاً !
          ومنها: أن هذا المشرع الذي يشرع ويسن القوانين قد سماه الله تعالى طاغوتاً لا يستقيم إيمان
المرء إلا بالكفر به، كما قال تعالى:] ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً [. 
          2- قول الشيخ أن هذا المشرع للدساتير الوضعية والتي يحكم بموجبها الناس إن اعتقد أنه ظالم وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا .. هو خطأ كبير نرد عليه من وجهين:
          أولهما: أن هذا الشرط للتكفير ـ شرط تعجيزي خيالي لا واقع له ـ ما أحد يأتي به .. ولا أحد يصرح به .. بل ما من أحد إلا ويعتبر تشريعه ودستوره هو الأمثل، وهو النموذج الذي أحاط بالخير من جميع جوانبه .. وهو الحق الذي يجب أن يتبع .. وما سواه فهو الباطل، وإن لم يعترف بلسانه بذلك فلسان حاله وعمله كله يدل على ذلك ..!
          آتوني بمشرع واحد على ممر التاريخ وإلى يومنا هذا يعترف أنه ظالم أو أنه يُشرع الظلم للعباد .. وأن تشريع ما سواه حق وتشريعه باطل .. لا يوجد ؟!!
          لذا فإن إقحام مسألة ” أن يعتقد أنه ظالم .. ” في هذا الموضع هو للمشاكلة .. ولتأخير أحكام الله تعالى من أن تأخذ طريقها إلى هؤلاء الطواغيت الأنداد .
          ثانياً: ثم على افتراض اعتقد وأقر أنه ظالم فيما يُشرع للعباد .. وفيما تقمصه من خصائص وصفات الألوهية .. ماذا ينفعه هذا الاعتقاد أو الإقرار ؟!!
          فهو مثله مثل من يقول: أنا إله وعلى العباد طاعته وعبادته .. وفي المقابل يعتقد أنه ظالم في دعواه هذا .. ماذا ينفعه هذا الاعتقاد مع هذا الكفر البواح ؟!!
          اليهود كانوا يعتقدون أن النبي حق .. وأن ما جاء به من عند ربه هو الحق .. وأنهم ظالمون
بمعاداتهم له صلى الله عليه وسلم  .. ومع ذلك لم ينفعهم شيئاً .. لعدم متابعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ورضاهم بحكمه وشرعه .. وهم كفار بالنص والإجماع .
          وأذكر هنا توسع بعض الإخوان في الجزيرة في استخدامهم لحرف العطف ” ثم ” الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم:” قل ما شاء الله ثم ما شئت ” .. فأنزلوها في غير منزلها الصحيح حيث تراهم يستخدمون ” ثم ” في مواضع الشرك وهم لا يدرون؛ ظناً منهم أن “ثم” تتشفع لهم في كل شيء، وفي كل تعبير أو إطلاق: كأن يقول أحدهم: أوالي في الله ثم في فلان .. أطيع الله تعالى ثم فلان .. أقاتل في سبيل الله ثم في سبيل فلان .. وهو نفس القول: أعبد الله ثم فلان ..!
          وهكذا أرى أن بعض الشيوخ قد توسعوا في استخدام قيد الاعتراف بالظلم إلى أن اعتبروه عذراً لمن يدعي الإلهية إن اعتبر نفسه ظالماً .. ومانعاً له من تكفيره !!
          3- نسأل الشيخ ـ والشيخ قد مات رحمه الله! ـ كيف نوفق بين اعتقاده في قلبه أنه ظالم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة هو الحق، وما سواه هو الباطل، وأنه يجب عليه أن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وأن لا يقدم عليهما حكماً .. ثم هو لا يحكم بالكتاب والسنة .. بل يحكم العباد بشرائع سنها من عند نفسه .. تضاهي وتغاير ما شرعه الله تعالى .. وجعلها دستوراً ملزماً للناس .. كيف نوفق بين ذلك وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بأنه: اعتقاد وقول وعمل، يزيد وينقص .. وبين العلاقة المتبادلة بين الباطن والظاهر، وأن كلاً منهما يؤثر ويتأثر بالآخر .. كما جاء ذلك في نصوص عديدة من الكتاب والسنة.
          كيف نوفق بين باطنه السليم المؤمن المحب لله تعالى ولشرعه وحكمه .. وبين ظاهره المتمرد على حكم الله تعالى وشرعه .. وكيف نوفق بين باطنه الذي يقول أنه عبد لله تعالى وبين ظاهره الذي يقول أنه ند لله تعالى .. ؟!!     
أم أن الباطن يسير في اتجاه .. والظاهر يسير في اتجاه معاكس ومخالف ؟!!
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:” ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ” ..! 
4- ليس للشيخ فيما قاله سلف واحد من علماء الأمة .. وأرجو أن لا يُقال هنا كفر دون كفر كما قال ابن عباس .. فما قاله ابن عباس t في واد .. وما قاله ابن عثيمين في وادٍ آخر، ولا أرى مقولة لسلفنا الصالح ظُلمت، كما ظلمت مقولة ابن عباس هذه: كفر دون كفر ..!!
5- إذا لم يكن هذا الحاكم المتأله، المشرع، والمبدل لشرع الله تعالى ودينه كافر .. فمن يكون الكافر، ومتى يكفر الحاكم ..؟!
يجيب الشيخ ابن العثيمين على هذا السؤال بعد أن نفى الكفر عن المشرع والمبدل لشرع الله تعالى، فيقول: وإنما نكفر من يرى أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه، أو مثل حكم الله U، فإن هذا كافر لأنه مكذب لقوله تعالى:] أليس الله بأحكم الحاكمين [ .. ا- هـ.
أقول: هذا حصر باطل معلوم بطلانه من ديننا بالضرورة؛ ومفاده أن الشيخ لا يكفر من الحكام إلا من يرى أن حكم غير الله أولى أو مثل حكم الله؛ لأنه مكذب .. فقط!!
ولنا أن نتسأل: إذا كان الدافع والباعث للحاكم على الحكم بغير ما أنزل الله الكره لدين الله تعالى، ولما أنزل الله من أحكام وشرائع ـ مع انتفاء التكذيب ـ لا يكون هذا كافراً عندكم .. أيكون هذا عندكم مؤمناً..؟!!
فإن قلتم نعم ـ ولا بد لكم من ذلك ـ فأين تذهبون بقوله تعالى:] ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم [. وبقوله تعالى:] إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر[. فإذا الذين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ـ وليس كله ـ قد ارتدوا على أدبارهم وكفروا .. فما بالكم وقولكم في الذين كرهوا ما نزل الله ذاتهم .. لا شك أنهم أولى بالردة والخروج من الدين . 
إذا كان دافع هذا الحاكم على الحكم بغير ما أنزل الله الحقد، والعداوة والبغضاء لله ولرسوله وللمؤمنين ـ وليس التكذيب ـ فهذا لا يكفر عندكم ..؟!!
إذا كان دافعه على الحكم بغير ما أنزل الله تعالى الكبر والاستعلاء على ما أنزل الله تعالى من أحكام وشرائع، وليس التكذيب .. فهذا لا يكفر عندكم ؟!! 
          إذا كان دافعه على الحكم بغير ما أنزل الله تعالى موالاة اليهود والنصارى، والسعي في إرضائهم عليه وعلى حكمه .. فهذا لا يكفر عندكم ؟!!
          إذا جعل من نفسه إلهاً مشرعاً للعباد يلزم العباد ـ بالحديد والنار ـ على الدخول في دينه وشرعه المضاهي لشرع الله تعالى .. فهذا لا يكفر عندكم حتى يأتي بلفظ التكذيب ؟!!
          أقول: هؤلاء الحكام بأوصافهم الآنفة الذكر كلهم كفار كفراً أكبر مخرجاً عن الملة وبالنص والإجماع .. لا ينبغي التردد أو التوقف في تكفيرهم .. ولولا خشية الإطالة وعدم سماح المقام لذلك لفصلنا في كفر كل حاكم ممن تقدم ذكرهم مع ذكر الأدلة الشرعية الدالة على ذلك  وأقوال علماء الأمة من سلفنا الصالح .
          ثم أن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله قد عد أنواع الذين يكفرون من الحكام في ستة أنواع أو أصناف، فعلام الشيخ ابن العثيمين يحصرهم في صنف واحد أو صنفين ..؟!!
          قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: الطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة: منهم الحاكم الجائر المغير لأحكام الله .. والحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله !!
          فعدهم ـ رحمه الله ـ من كبار ورؤوس الطواغيت .. فعلام مشايخنا في هذا الزمان يعدونهم من المؤمنين الموحدين .. ويكثرون الجدال عنهم ؟!!
          ثم لماذا لا يُذكر كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ عند التطرق لهذه المواضيع الهامة .. رغم أنه قد فصل وأسهب في هذه المسائل .. أم أن اسمه يُذكر فقط للتبرك والاستقطاب المحلي .. أم أن كلامه الحق لا يرضي طواغيت الحكم ولا يروق لرغبات وأطماع ساسة هذا العصر ..؟!!
          6- ومما يؤخذ على الشيخ كذلك قوله في الفتوى: التكفير مسألة كبيرة عظيمة، ولا ينبغي إطلاق القول فيها إلا مع طالب علم يفهم، ويعرف الكلمات بمعانيها ويعرف العواقب التي تترتب على القول بالتكفير أو عدمه، أما عامة الناس فإن إطلاق القول بالتكفير أو عدمه في مثل هذه الأمور يحصل فيه مفاسد، والذي أرى أولاً أن لا يشتغل الشباب في هذه المسألة وهل الحاكم كافر أو غير كافر، وهل يجوز أن نخرج عليه أو لا يجوز، على الشباب أن يهتموا بعباداتهم التي أوجبها الله عليهم أو ندبهم إليها ..! ا- هـ.
          أقول: لا نسلم للشيخ بصواب ما تقدم من كلامه؛ ونسجل عليه المآخذ التالية:
          أولاً: أن تكفير الطواغيت والبراء منهم ومن دينهم وكفرهم وشركهم .. هو من الدين، بل من أعظم ما جاء به الدين وأمر به، ودين المرء لا يستقيم ولا يصح إلا بعد الكفر بالطاغوت وبعد تكفيره والبراء منه، كما دلت على ذلك شهادة التوحيد .. وغيرها عشرات النصوص من القرآن والسنة !
          وما كان كذلك لا يجوز أن يُمنع عن عامة المسلمين .. أو يُقتصر تلقينه لطلاب العلم فقط كما يريد الشيخ .. فالدين ـ كل الدين وبخاصة منه التوحيد ـ للجميع .. يُعطى للجميع ولا يُحجب شيء منه عن أحد .. فليس من هديه صلى الله عليه وسلم أن يحجب العلم ـ حاشاه ـ عن الناس، فيمنحه لأناس دون أناس .. خشية حصول المفسدة المزعومة!
          بل المفسدة كل المفسدة عندما يجهل الناس دينهم وتوحيدهم .. ويجهلون سبيل المجرمين وسبيل أئمة الكفر والطغيان .. مما يحملهم ذلك على الدخول في موالاة الطاغوت، والوقوع في الشرك وهم لا يدرون .. كما هو واقع كثير من الناس في هذا الزمان!
          فالدين الذي فيه شيء لا يجوز أن يعلمه إلا الخاصة .. وشيء يجوز للعامة أن يعلموه ويطلعوا عليه .. هو دين القرامطة الباطنيين الذين يخافون أن تُعرف حقيقتهم وحقيقة كفرهم .. مما يحملهم على حجب عقائدهم وأفكارهم عن عامة الناس من أتباعهم، ولا يُطلعون عليها إلا الخواص منهم، ممن يثقون بولائهم ومقدرتهم على استيعاب وفهم مصطلحاتهم ورموزهم .. وديننا ـ ولله الحمد ـ براء كل البراء من ذلك !!
          ولو قال الشيخ: ننصح عامة المسلمين بأن لا يخوضوا في حالات الكفر يكون فيها محتملاً ومتشابهاً، وغير بواح أو صريح .. فهذه حالات تترك لأهل الاختصاص والاجتهاد ليقولوا فيها قولهم الفصل .. لو قال الشيخ ذلك لكان كلامه صحيحاً .. ولكن ليس في كلامه ما يدل على ذلك !! 
          ثانياً: نهي الشيخ الشباب أن يشغلوا أنفسهم بتكفير طواغيت الحكم، ومعرفة من منهم يستحق التكفير ومن منهم لا يستحق ذلك .. ومن يجوز الخروج عليه ومن لا يجوز .. ونصحهم بأن يهتموا بما أوجبه الله عليهم أو ندبهم إليه .. يفيد أن تكفير طواغيت الكفر والردة الجاثمين على صدر الأمة بالحديد والنار .. ليس مما أوجبه الله عليهم ولا حتى مما ندبهم إليه .. وهذا خطأ ظاهر وهو مخالف لعشرات النصوص من الكتاب والسنة التي تلزم الكفر بالطاغوت والبراء منه .. كنا نود أن الشيخ لم يقع فيه !!
          ثم كيف نوفق بين قول الشيخ المتقدم وبين العمل بقوله تعالى:] وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين [ ؟!
          ثالثاً: من المستفيد من هذه التوجيهات والنصائح التي تلزم شباب الأمة بأن يجهلوا واقعهم .. وواقع طواغيت الحكم الذين يحكمونهم بقوانين الكفر والطغيان ..؟!
          من المستفيد عندما يجهل شباب الأمة حكم الله تعالى في واقعهم، ويجهلون واقع طواغيت الحكم وحقيقة أمرهم ..؟!
          من المستفيد عندما يجهل الشباب سبيل المجرمين .. فلا يحسنون التمييز بينه وبين سبيل المؤمنين الموحدين ..؟!! 
          فلا يحسنون التمييز بين من يجب عليهم أن يوالوه وبين من يجب عليهم أن يعادوه ويتبرءوا منه ..!!
          لا شك أن المستفيد الأول والأخير هم طواغيت الحكم .. هم مصاصي الدماء من الساسة الحاكمين .. المستفيد هي أنظمة الكفر الحاكمة في بلاد وديار المسلمين !!
          نقول ذلك وإن كنا نعتقد أن الشيخ لم يكن يقصد بنصائحه كل ذلك .. لكن هي من حيث لا يعلم الشيخ ولا يدري .. تصب في خدمة من تقدم ذكرهم!
لأجل هذه الأسباب مجتمعة نعتقد خطأ الشيخ ـ رحمه الله ـ فيما تقدمت الإشارة إليه، وأنه لا يجوز أن يتابع فيه .. والله تعالى أعلم.
          وإن كنت أعجب فأعجب لأناس يتصيدون زلات العلماء والشيوخ ليأخذوا منها رخصة لما هم عليه من التقصير والانحراف، والفهم الخاطئ .. وليستدلوا بكل حرف من حروفها ـ ليقاتلوا ويماروا بها الآخرين ـ  وكأنها قرآن منزل لا تقبل التعقيب أو الرد .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
          هذا ما أفيد به كجواب على السؤال .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 
          29/11/1421 هـ.                      عبد المنعم مصطفى حليمة
          22/2/2001 م.                                     أبو بصير 
         
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.