موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

قتل المرأة لنفسها من أجل دفع الأسْر عن نفسها

0 1٬125
بسم الله الرحمن الرحيم
          سؤال: ما رأيك بالتالي: قال الشيخ عبد الله عزام رحمه الله: “لا يجوز للمرأة المسلمة أن تستأسر من عدو إذا علمت أنهم يهتكون عرضها، يجب أن تقاتل حتى تُقتَل، حتى يقتلوها، ولذلك في كونر ألقت كثير من النساء بأنفسهن في النهر عندما جاء الروس يأخذونهن إلى داخل الدبابات، رأساً ألقين بأنفسهن في النهر، هذا موافق للشرع الإسلامي، لأن الدفاع عن العرض مقدم على الدفاع عن النفس  .. لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبـــــه الدم.[في ظلال سورة التوبة، ص46] .
          وقال في مناسبة أخرى :اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمرأة أن تَستسلم للأسر وإن قُتِلَت، ولذا جاءني بعض الشباب يسألونني، أيجوز للنساء في كونر ولغمان أن يلقين بأنفسهن في نهر كُنر؟ قلت لهم يجوز، بل يجب لأن هذه شهادة وهي لا يجوز لها أن تستسلم للأسر ما دامت تخشى على عرضها، إذا كانت ترى أخواتها قد أخذن من خدورهن وحملتهن طائرات الهليوكوبتر فوق القرى وعرين من ثيابهن ثم انتهكت أعراضهن ثم ألقيت أجسادهن على قراهن، لا يجوز لها أبداً أن تستسلم للأسر أبداً وإن استسلمت فهي آثمة، يجب أن تلقي بنفسها في النهر”ا- هـ.
          الجواب: الحمد لله رب العالمين. هذا القول قد راجَ، ووجد له آذاناً صاغية عند كثير من المجاهدين والمرابطين في الثغور الشاميَّة، وغيرها .. حتى أصبح هذا القول عند كثير منهم من المسلَّمات التي لا تقبل النقاش .. لذا قد تعين التنبيه والبيان .. فأقول: لا خلاف أن المرأة إن استطاعت أن تدفع عن نفسها ــ ولو بالقتال ــ الأسر عند العدو .. أنه يتعين عليها، وبخاصة إن علمت أنهم سيعتدون على عِرضها، لقوله تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] التغابن:16. فإن قُتِلَت على يد العدو الصائل فهي شهيدة بإذن الله .. والرجل والمرأة في ذلك سواء .. واتفاق الفقهاء ــ إن صح النقل عنهم ــ فهو على هذا الجانب من المسألة وحسب.  
          لكن إن عجزت وضعفت عن الدفاع عن نفسها .. وخيرت بين الأسر وبين أن تقتل نفسها بنفسها، لتدفع عن نفسها الأسر .. ومن ثم الاعتداء على عرضها .. هل يجوز لها أن تقتل نفسها .. هنا الاشكال وموطن الخلاف .. فكلام الشيخ الوارد أعلاه في السؤال، يُفيد بأنه يجوز، بل يجب .. وهذا خطأ كبير .. ونرد على هذا الخطأ، من أوجه:
          منها: أن هذا القول ليس عليه دليل من الكتاب أو السنة .. ولا قول لصحابي أو تابعي معتبر .. بل الأدلة على خلافه، قال تعالى: [وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] النساء:29. وقال تعالى: [وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] البقرة:195.  
          وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “مَن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدتُه في يده يتوجَّأُ بها في بطنه في نار جهنَّمَ خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سَمَّاً فقتل نفسه فهو يتحسَّاه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردَّى من جبلٍ فقتلَ نفسه فهو يتردى في نار جهنَّم خالداً فيها أبداً” مسلم.  
          وقال صلى الله عليه وسلم: “من قتلَ نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة” مسلم. هذا هو المحكم من دين الله تعالى الذي لا يجوز أن يُعدَل عنه إلى المتشابه من الأقوال ..! 
          ومنها: أن الأسر نوع من البلاء .. والبلاء يواجه بالصبر والاحتساب، وليس بالانتحار وقتل النفس من أجل الخلاص والهروب منه، قال تعالى: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ] البقرة:155-156. ومصيبة الأسر لا تخرج عما خصته الآية من مصائب، وأنواع البلاء .. والذي يقتل نفسه ــ سواء كان رجلاً أم امرأة ــ دفعاً للوقوع في الأسر، ليس من الصابرين.
          وقال تعالى: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] العنكبوت:2-3.
          وقال تعالى: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] محمد:31.
          وقال تعالى: [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] آل عمران:186.
          وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا أصابت أحدكُم مصيبةٌ ــ أي مصيبة بما في ذلك مصيبة الأسر ــ فليقل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فآجرني فيها، وأبدل لي بها خيراً منها” مسلم. وكم من أسر انقلب على صاحبه ــ فيما بعد ــ خيراً كثيراً ..!
          وقال صلى الله عليه وسلم: “كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرحٌ، فجزِعَ، فأخذَ سكيناً فحزَّ بها يدَه، فما رقأ الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرَّمتُ عليه الجنة” البخاري. كذلك من يجزع من الأسر ــ كان رجلاً أم امرأة ــ فيقتل نفسه ليدفع عن نفسه بلاء وآلام الأسر، يُقال له الحديث القدسي: “بادرني عبدي بنفسه، حرَّمتُ عليه الجنة”.
          وقال صلى الله عليه وسلم: “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه ..” [صحيح سنن ابن ماجه:3249] .   
          وقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّا كذلك، يشتد علينا البلاء ويُضاعف لنا الأجر”، فقال: يا رسول الله ! أي الناس أشد بلاء ؟ قال: “الأنبياء، ثم الصالحون، وقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها، ويُبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء، من أحدكم بالعطاء” [ صحيح الأدب المفرد:395] .   
          وقال صلى الله عليه وسلم: “إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السَّخَطُ” [صحيح سنن الترمذي: 1954] . ومقابلة بلاء الأسر بقتل النفس، هو من السخط الذي يبطل الأجر.
          وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في جسده وأهله وماله، حتى يلقى الله عز وجل وما عليه خطيئة” [ صحيح الأدب المفرد: 380] . هذا ما لم يتسخّط البلاء، وأشد أنواع التسخط أن يقتل المرء نفسه هرباً وجزعاً من البلاء.
           ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “ما يُصيبُ المؤمنَ من نصَبٍ ــ تعب ــ، ولا وصَبٍ ــ مرض ــ ولا همٍّ ولا حزَنٍ، ولا أذىً ولا غمٍّ، حتى الشوكَة يُشاكها؛ إلا كفَّرَ اللهُ بها من خطاياه” البخاري.
          ومنها: أن الصحابة والسلف الصالح قد تعرّضوا للأسر والتعذيب الشديد .. ومنهم من عُذب في النار حتى الموت .. ومنهم من صُلِب حتى الموت .. فما عُرف عن أحدهم أنه رخص لنفسه أو لغيره أن يقتل نفسه بأي وسيلة، ليستريح ويدفع عن نفسه بلاء الأسر وعذابه وفتنته!
          كما في قصة الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، ومن معه .. مع الطاغية ملك الروم ومما جاء في قصته أنَّ الطاغية كان يعرضهم على القدور المغلية بالنار .. أو أن يرتدوا عن دينهم .. فيؤثرون القدور المغلية بالنار على أن لا يرتدوا .. وكانوا بإمكانهم قبل أن يتعرضوا لهذا النوع من البلاء الشديد أن يقتلوا أنفسهم بأنفسهم بطريقة أسهل وأرحم .. حاشاهم!
          وكذلك قصة أصحاب الأخدود .. حيث كان يُلقَى في الأخاديد من النيران الرجال والنساء والأطفال .. أو أن يرتدوا عن دينهم .. فآثروا أن يُلقى بهم في النار .. ولا أن يرتدوا .. ولا أن يقتل أحدهم نفسه بنفسه .. وهؤلاء قد نزلت فيهم آيات كريمات: [قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ] البروج:4-8.
          وقال صلى الله عليه وسلم: “كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتٍ، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ” البخاري. ما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ .. ولا يحمله على الانتحار .. فيقتل نفسه بنفسه .. لأجل ذلك حُمِدوا، وحُمِد صنيعهم. 
          ومنها: أن قوله”الدفاع عن العِرض مقدم على الدفاع عن النفس”، غير صحيح .. وهو مخالف لترتيب الأصوليين والفقهاء لمقاصد الشريعة بحسب أهميتها .. فمقصد الحفاظ على النفس جاء بعد مقصد الحفاظ على الدين .. وقبل الحفاظ على مقصد العقل، والعِرض، والمال.
          ومنها: أن الدفاع عن العِرض .. واجب لا خلاف فيه .. وهو من الجهاد في سبيل الله .. لكن القتال دون العِرض والأعراض شيء .. وأن يقتل المرء نفسه بنفسه ــ سواء كان رجلاً أم امرأة ــ تحت عنوان الدفاع عن العرض شيء آخر .. لا يجوز .. ولا ينبغي الخلط بينهما!
          ومنها: أن هذا القول مفاده أن أخواتنا المعتقلات في سجون الطغاة المجرمين .. واللاتي قد يتعرضن للاعتداء والفجور من قبل زبانية الطغاة .. آثمات ومخطئات .. ومرتكبات لفاحشة الزنى .. لأنهن بإمكانهن أن يقتلن أنفسهن بأنفسهن، وهنّ في سجونهن .. وما فعلن .. فهذا العمل متيسر لكل سجين لو كان مباحاً .. وهذا القول لا أعرف عالماً معتبراً يقول به .. وهو مخالف للمنقول، والمعقول، كما تقدّم.  
          وهنا يأتي سؤال آخر يفرض نفسه، ويتردد على ألسنة الناس: إن تمكّن فجّار العدو من المرأة المأسورة تحت الإكراه والتعذيب المحقق .. هل عليها حرج، وهل تُعتبَر زانية؟
          الجواب: لا؛ ليست زانية .. وليس عليها حرج .. ما دامت كارهة ومكرهة على ما يصنعون بها .. بل لها أجر عظيم على الصبر والاحتساب .. والذي يرميها بالزنى يُجلَد حد القاذف؛ الذي يرمي المؤمنات المحصنات بالزنى! 
          قال تعالى: [مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ] النحل:106. فالإكراه يعذر صاحبه لو أظهر الكفر الأكبر ما دام باطنه مطمئناً بالإيمان .. فلأن يعذره فيما دون ذلك من باب أولى .. وكل الذنوب والخطايا هي دون الكفر والشرك. 
          وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه” [صحيح الجامع:1731] . وفي رواية: “عُفِيَ لأمَّتي عن الخطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليهِ”. وفي رواية: “وُضِع عن أمتي الخطأُ، والنسيانُ، وما اسْتُكرهوا عليه”. وكلها روايات صحيحة تؤكد صحة المعنى الذي أشرنا إليه، والحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
“أبو بصير الطرطوسي”
28/8/2014
www.abubaseer.bizland.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.