موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

الذي يَدعُو لِطَواغِيتِ السّعوديَّةِ يَدعُو لِطاغُوتِ باكستان

0 1٬914

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله، والصلاة والسلام على رسولِ الله، وبعد.
          فقد استُوقِفت على تسجيلٍ مُصوَّر .. يتضمن دعاء إمام الحرم المكي عبد الرحمن السديس لطاغية باكستان ” بَرويز مشرّف ” .. جاء في دعائه قوله:” اللهمَّ وفِّق إخواننا في باكستان، اللهمَّ وفقهم واحفظهم وأيِّد بالحق فخامةَ الرئيس برويز مُشرّف وسائر إخوانه وحكومته، ووزرائه وأعوانه “ا- هـ. وكان ذلك بعد استقبال رسمي وحافل بالودِّ من الطاغية للسديس!

          فقلت: الذي يدعو لطواغيت السعودية، ووزرائهم، وأعوانهم، وجندهم، ومخابراتهم الذين يسجنون العلماء العاملين، ويُطاردون الشباب المسلم المجاهد ليفتنوهم عن دينهم وجهادهم ـ في أقدس وأشرف مكان وفي العشر الأواخر من رمضان ـ يدعو لطاغية باكستان ” برويز مشرف ” ولوزرائه وأعوانه، وجنده .. الذين يُحاربون الإسلام والمسلمين في الباكستان، وعلى حدود أفغانستان .. وما أخبار مجزرة المسجد الأحمر ـ الذي ذهب ضحيتها المئات من طلاب العلم ـ عن مسامعنا ببعيد!
          الذي يهون عليه الدعاء لطاغوت .. يهون عليه الدعاء لغيره من الطواغيت!
          وإن كان التأويل ـ على مضض وبشيء من الحرج ـ قد يجد سبيله إلى موقفه من طواغيت السعودية ودعائه لهم .. إلا أنه من الصعب أن يجد سبيله إلى موقفه من طاغية باكستان ـ حليف الأمريكان في حربهم على الإسلام والمسلمين ـ ودعائه له بالتوفيق والتأييد .. إلا إذا أردنا أن نغلق عقولنا، ونُعطل مفردات اللغة ودلالاتها .. وننهج سبيل المحرِّفين والمزورين في الفهم والتأويل!
          وقوله ” وأيِّد بالحق .. ” لا يُغير من المعنى شيئاً .. فهو كقوله ” وأيده ..” من دون أن يُضيف كلمة ” الحق “؛ لأن الله تعالى لا يُؤيِّد بالباطل، فهو I لا يؤيد إلا بالحق .. ثم هل يجوز أن يُقال أو يدعو المرء فيقول: اللهم أيد بالحق مسيلمة الكذاب .. ومن كان أكفر وأطغى من مسيلمة الكذاب .. نعوذ بالله من الكفر والخذلان؟!
          الذي فعله إمام الحرم المكي السديس خطأ كبير وفق كل المقاييس: الشرعية منها، والسياسية .. لا يُمكن تحسين الظن به والنظر إليه ببراءة؛ على أنه صادر عن شيخ يريد ـ من كلماته ودعائه ـ الخير للآخرين، وكفى!
          من الأخطاء والمزالق الشرعية الناتجة عن فعله المذكور أعلاه: أن دعاءه لطاغية مرتد محارب للإسلام والمسلمين .. ومن ذوي الكفر البواح ..بأن يحفظه الله، وأن يوفقه، ويؤِّيده، وينصره ـ ومن معه من جنده وأعوانه المجرمين ـ في معركته الوحيدة المعلنة ضد الإسلام والمسلمين بزعم محاربة الإرهاب والإرهابيين .. ويصفهم بالإخوان له .. ثم يُتبع ذلك الدعاء بمجالسة الطاغية ومؤاكلته ومُشاربته .. ومُضاحكته .. ومُداهنته ـ كما هو ظاهر في التسجيل المصوَّر المشار إليه أعلاه ـ  فهذا يرقى إلى درجة الموالاة الكبرى، كما قال تعالى:) وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة:51. وقال تعالى:) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (هود:113.
وقال تعالى عن عالم من علماء بني إسرائيل:) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الأعراف:175-176.
فالقارئ السديس يعلم بمن نزلت هذه الآيات، ولماذا .. قال أهل التفسير: نزلت هذه الآيات في بَلْعَام بن باعُوراء .. وكان من كبار علماء بني إسرائيل .. وقد آتاه الله العلم والآيات والكرامات .. وكان دعاؤه مجاب لا يُرد .. فأخذته العزة بالنفس والإثم .. فدعا للجبارين الكافرين على موسى u ومن معه من المؤمنين .. فكفر ـ بسبب ذلك ـ وارتد .. وانسلخ من آيات الله، وما آتاه من الكرامات.
يحسب السديس ومن سار على نهجه من شيوخ وبلاعمة هذا العصر الذين لا يترددون في الدعاء ـ على المنابر وفي المحافل ـ للطواغيت الظالمين بالنصر والتمكين .. أن الدعاء للطواغيت الجبارين على المؤمنين المجاهدين الموحدين .. شيء سهل ويسير .. لا ضير فيه .. بينما هو عند الله عظيم، كما قال تعالى:) وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (النور:15. وقال تعالى:) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ (التوبة:74.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:” إن العبدَ ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ” البخاري.
وقال r:” إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار “[ صحيح سنن الترمذي:1884].
          وقال r:” من أتى أبوابَ السُّلطانِ افتُتِنَ، وما ازدادَ أحدٌ من السُّلطان قُرباً، إلا ازدادَ من اللهِ بُعداً “[رواه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1272 ].  
كنا نود من إمام الحرم المكي .. أن يحترم نفسه، وحِفظه لكتاب الله .. وعمله ومكانته بين الناس .. وأن ينأى بنفسه عن مجالس الطواغيت الظالمين وموائدهم .. وأغراضهم الباطلة الساقطة .. وعن موارد التهلكة والفتنة والشبهات .. ليجبَّ الغيبة عن نفسه .. وحتى لا يفتن الناس عن دينهم؛ فيصدهم عن الصلاة جماعة خلفه في المسجد الحرام وهو لا يدري!
نصارحه القول: أن كثيراً من المسلمين من يسألنا .. ويسأل غيرنا عن شرعية الصلاة خلفه .. لمواقفه من الطواغيت الظالمين .. وثنائه عليهم وعلى أنظمتهم وحكوماتهم خيراً .. ودعائه لهم بالنصر والتوفيق والتمكين .. فنُحَارُ جواباً!
نسألك بالله ـ يا سديس ـ أن تتق الله .. وأن لا تُعِن الشيطانَ على عباد الله .. وهذا سؤال عظيم إن رددته فلنا معك لقاء عند أعدل العادلين وأحكم الحاكمين .. فارتقبه وتجهَّز له!
أما المآخذ والمزالق السياسية من زيارة السديس لطاغية باكستان والدعاء له .. فهي كذلك كبيرة .. لا يُستهان بها.
الذي حصل .. أن طاغية باكستان ” برويز مشرف ” ـ في هذه الأيام ـ هو في محنة وخطر كبيرين .. وشعبه يكاد ينقلب عليه وعلى حكمه ونظامه .. وهو في المقابل حليف قوي لأمريكا والنظام السعودي في حربهما المسعورة على الإسلام والمسلمين .. بزعم محاربتهم للإرهاب والإرهابيين .. وأوراقه لم تنته بعد .. وفي نفس الوقت لا يوجد البديل الذي يمكن أن يقوم بالذي يقوم به من خدمات وتسهيلات للغزاة .. وأكثر من مرة يصفه الحاكم الأمريكي ” جورج بوش ” بأنه مقاتل جيد .. وشريك له في حربه وغزوه لأفغانستان .. ومطاردة الإرهابيين .. كما يحلو لهم أن يُسموا مناوئيهم من المسلمين!!
لذا لما أراد ” نواز شريف ” رئيس وزراء باكستان الأسبق .. أن يتوجه من منفاه إلى باكستان .. ليشارك شعبه معارضة حكم ” برويز مشرف ” أرسل النظام السعودي ـ على وجه السرعة .. وبإيحاء من السيد الآمر في أمريكا ـ أحد أمرائه وهو رئيس الاستخبارات السعودية مقرن بن عبد العزيز برفقة صنيعهم وعميلهم ” سعد الحريري ” ليثنوه عن قراره .. ويعودوا به ثانية إلى السعودية .. ليبقى تحت أنظارهم .. وليُقنعوا ” برويز مشرف ” بعدم السماح له بأن يدخل أرض باكستان لما في دخوله من زعزعة لنظام حكمه .. وهذا ما لا تسمح به أمريكا والسعودية .. وبخاصة في هذه الظروف والمرحلة .. وحتى لا يفقدوا حليفاً قوياً .. وعميلاً مخلصاً .. في حربهم المعلنة على الإسلام والمسلمين بزعم محاربة الإرهاب!
ولما سُئل النظام السعودي عن سبب تدخله السافر هذا في شؤون دولة أخرى وشعب آخر .. زعموا ـ كذباً وزوراً ـ أن الذي حملهم على فعلهم هذا هو حرصهم على سلامة وأمن باكستان .. وأن يجنبوا باكستان الفتنة والقلاقل .. بينما هذا الحرص المزعوم على تجنيب باكستان الفتنة والقلاقل .. لم نلمسه منهم لما دخلت الزنديقة الخائنة ” بناظير بوتو ” باكستان لتعيث في الأرض فساداً من جديد .. والسبب أنها تحقق المطالب والشروط الأمريكية السعودية وبخاصة منها الجانب المتعلق بحربهم المسعورة على الإسلام والمسلمين باسم محاربة الإرهاب .. بخلاف الآخر ” نواز شريف ” فعمّا يبدو لم يجدوا فيه ما وجدوا في بناظير بوتو .. وإلى أن يجدوا ربما قد يسمحون له بالعودة .. وأن يستأنف نشاطه السياسي الديمقراطي من جديد!
لكن حكم برويز مُشرف لا يزال في خطر .. وشعبه ـ يوماً بعد يوم ـ يزداد عليه سخطاً ونقمة .. وبخاصة بعد المجزرة الفظيعة التي ارتكبها بحق المئات من طلاب العلم في المسجد الأحمر في مدينة إسلام أباد .. وهو لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدعم والتأييد من حلفائه في أمريكا والسعودية .. وهنا يأتي الدور الخسيس للنظام السعودي والذي أدمن على القيام به ومنذ زمن .. وهو استغلال نفوذ الشيوخ والدعاة في تثبيت عروش الطواغيت الظالمين .. فأوحوا إلى قارئهم المحبوب، إمام الحرم المكي  ” عبد الرحمن السديس ” .. ليقوم بزيارة خاصة ورسمية إلى حاكم باكستان برويز مشرف .. ليؤمه في صلاة ركعتين يختمهما بالدعاء له ولحكومته وأعوانه وعسكره وجنده .. ليقوم الآخر ببث اللقاء والدعاء .. عبر جميع القنوات الباكستانية الرسمية .. ليقول لشعبه الذي كفَرَ به، وكفَّرَه .. أنا لا أزال مسلماً .. فها هو إمام الحرم المكي .. يزورني .. ويدعو لي ولحكومتي .. بالتوفيق والتأييد!
ما أحوج طاغية باكستان برويز مشرف في هذه الظروف العصيبة عليه .. لمثل هذه الزيارة .. ومثل هذا الدعاء من شيخ ينظر إليه غالبية الشعب الباكستاني بعين الاحترام والتوقير  .. فهو بدعائه له ولحكومته قد أعطاه دفعة لا يُستهان بها .. تُعينه على المضي فيما هو عليه من ظلم وطغيان!
لو كان النظام السعودي يحترم نفسه .. ويحترم رجال العلم والدين كما يزعم .. لنأى بهم عن هذه المعامع والأوساخ .. ولحفظ لهم مكانتهم وهيبتهم بين الناس .. لكنه يأبى إلا أن يُسمِّنهم ويربيهم على عينه .. ويُغدق عليهم بالأموال والعطاء .. ليستغلهم أسوأ استغلال في لحظات الشدة والحاجة .. لمصلحته ومصلحة عروش الطواغيت الظالمين .. وسياساتهم الباطلة .. فهل يتنبه الدعاة والشيوخ إلى ذلك؟!
طواغيت آل سعود .. طيلة فترة حكمهم .. يستحمرون الشيوخ والدعاة .. ويمتطونهم لغاياتهم وسياساتهم ومآربهم الخسيسة .. كما يمتطي الرجل حمارَه .. فهل يعقل الشيوخ والدعاة ذلك؟!
من الفوارق الملفتة للنظر .. أن طواغيت الحكم في السعودية يحرِّمون على الدعاة والعلماء العمل السياسي .. والتدخل في الشؤون السياسية للبلاد .. فهذا الأمر من جملة المحظورات والممنوعات عليهم .. يؤخذون عليه بالنواصي والأقدام لو تجرؤوا عليه .. لكن إذا كان تدخلهم في السياسة سيصب في خدمتهم .. وخدمة عروشهم وظلمهم وطغيانهم .. وفسادهم .. فالسياسة حينئذٍ مسموحة لهم .. ولهم أن يُمارسوها من كل أبوابها .. كما مارسها السديس في زيارته المشؤومة لطاغية باكستان .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي ”

3/11/1428 هـ. 13/11/2007 م.
   
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.