موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

أزمة المعارضة السورية وإشكالياتها

0 957

 بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          كثر الحديث عن المعارضة السورية للنظام السوري الطائفي الأسدي .. وعن مواقفها، ومؤتمراتها .. وتفرقها، وتنافرها فيم بينها .. وعن عدم قدرتها على اتخاذ موقف موحد يؤهلها لمواكبة الحراك الداخلي، وأهداف وتطلعات الثورة السورية، نحو التحرر الكلي من النظام الحاكم وحزبه .. فما هي الأسباب .. وما هو العمل .. وكيف الخلاص؟

          أجيب عن هذا السؤال ـ الذي يُلاحق كثيراً من المراقبين والإعلاميين ـ من وجهة نظري .. مستعيناً بالله تعالى، فأقول: أدرك الهالك الطاغية حافظ الأسد النصيري منذ الأيام الأولى من سطوه على حكم سوريا .. أن الإسلام هو أكبر خطر عليه وعلى نظامه الطائفي .. وأن الغالبية العظمى من الشعب السوري مسلمون متدينون .. يدينون للإسلام وعلمائه بالحب والولاء .. وهو جزء هام من حياتهم لا فكاك لهم منه .. فتحرك ـ لمواجهة هذا الخطر ـ على أربعة محاور، المحور الأول: محاربة الإسلام؛ كدين وعقيدة، ومبادئ وقيم ..!
المحور الثاني: محاربة علمائه ودعاته المخلصين؛ فتعامل معهم ـ ومع المتعاطفين معهم ـ بطريقة استئصالية متوحشة؛ فغيب وجودهم وأثرهم بين شهيدٍ، وسجين، وطريدٍ .. وتعامل بقمع وإرهاب مع كل من أظهر نوع تعاطف معهم!
المحور الثالث: العمل الدؤوب على تفسيق الشعب السوري، وتكفيره، ونشر جميع أنواع الفساد بين جميع شرائح المجتمع السوري .. ليكونوا في منأى عن أثر الخطاب الإسلامي.
المحور الرابع: اعتماد الحل الأمني القمعي الوحشي مع كل من يَظهر عليه نوع معارضة أو اعتراض لسياسات النظام الفاسدة والمستبدة.
هذا النهج للطاغية الهالك .. قد سلكه ابنه الوريث الطاغية بشار الأسد حذو القذة بالقذة .. وشبراً بشبر .. بل ربما يكون ـ الطاغية الولد ـ قد زاد عليه في أمور لم يكن يفعلها أبوه .. وهذا النهج للنظام لا يزال مستمراً منذ أكثر من أربعة عقودٍ وإلى هذه اللحظة!
ماذا كانت النتيجة ..؟
1- تفريغ الساحة السورية من القادة الإسلاميين الفاعلين الراشدين .. الأكفاء في قيادة الشعب السوري المسلم .. مما أدى إلى إضعاف وانحسار التيار الإسلامي السياسي الحركي في الشارع السوري .. بشكل ملحوظ .. وإلى درجة التغييب!
2- تضخم التوجه العلماني بقياداته .. وبخاصة الذين وجد منهم النظام نوع مسالمة له ولسياساته، وما أكثرهم .. ومع ذلك بقي رصيد هذا التوجه من الشعب السوري ضعيف جداً؛ لأنه في نظر الشعب السوري يمثل الوجه الآخر للنظام في شعاراته، وأدبياته الفارغة .. وفي محاربة الإسلام والمسلمين!
3- يُضاف إلى ذلك أن الإخوان المسلمين السوريين في بلاد المهجر .. فقد دخلوا في تحالفات وطنية عديدة مع الأحزاب العلمانية واليسارية الشيوعية .. ومع كثير ممن كانوا إلى عهد قريب يعملون مع الطاغية بشار الأسد في موقع المسؤولية .. كـ ” عبد الحليم خدام ” وغيره .. مما أفقدهم الانتماء الإسلامي الأصيل .. وجعلهم أقرب إلى التوجه العلماني الليبرالي الوطني .. ففقدوا بذلك صفة التمثيل للشعب السوري المسلم التي كانوا يتمتعون بها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي .. بل فقدوا صفة المعارض النزيه والمسؤول، وبخاصة بعد تجميدهم معارضتهم للنظام دعماً من جهتهم ـ زعموا! ـ لجبهة الممانعة التي يتزعمها الطاغية بشار الأسد ونظامه الطائفي .. ومد كثير من حبال الود والمغازلة بينهم وبين النظام الحاكم!
كما أنهم ـ من خلال تحالفاتهم الوطنية والديمقراطية الكثيرة التي أعلنوا عنها ـ قد عرّفوا الشارع السوري على أسماء ودكاكين جميع الأحزاب العلمانية وقياداتها .. بعد أن كانت مجهولة حتى من قِبل أفراد عوائلهم .. وهذا من جملة ما يُؤخذ على سياسة الإخوان المسلمين ومنهجهم .. حيث أنهم قد ضخموا عدوهم على حسابهم .. وحساب ومستقبل الإسلام والمسلمين في سوريا!
4- الشعب السوري المسلم .. وهو الطرف الأهم، والأصعب في عملية المعارضة للنظام الطائفي .. فرغم استماتة النظام النصيري في احتثاث الشعب السوري المسلم من انتمائه لدينه وعقيدته .. إلا أن هذا الانتماء ظل راسخاً شامخاً في قلوبهم رغم جميع المحاولات على اجتثاثه .. وأنه شعب سرعان ما يعود لدينه وفطرته إذا أُتيحت له الحرية في ذلك.
وبعد أكثر من أربعين عاماً من الاضطهاد، والإذلال، والتجهيل، والتفقير .. وجد الشعب السوري نفسه مخيراً بين خيارين لا بد له من أحدهما: إما الحرية وإما العبودية .. إما حياة الذل والهوان .. وإما حياة العزة والكرامة .. “الموت ولا المذلة” .. وأنه ـ مهما كانت التضحيات ـ لا مناص من الثورة على الطاغية وعصابته .. لأن بقاء العصابة البعثية النصيرية على سدة الحكم يعني موت الشعب السوري وهم أحياء .. فثارت ثورته المباركة ضد الطاغوت ونظامه وظلمه .. التي لا بد منها .. ففاجأ العالَم بإصراره، وثباته، وصبره .. وجهاده وتضحيته .. كما فاجأ جميع أحزاب المعارضة التقليدية بكل توجهاتها .. إذْ لم يكن أحد منهم يتوقع من الشعب السوري أن يثور ثورته المباركة التي نشهدها .. حتى أن منهم من كان يراهن على حياة الشعب السوري وإحساسه؛ هل هو من الأحياء أم الأموات .. وكانت أجندته، ومطالبه، وتحركاته السياسية ومعارضته للطاغية المستكبر تنطلق من هذا المنطلق، والتصور القاتم عن الشعب السوري البطل الأبي!
كما فاجأ الجميع بتوجهه الإيماني الراقي والعظيم .. وأن ولاءهم للإسلام لا يزال راسخاً في نفوسهم .. يظهر ذلك بكل جلاء ووضوح من خلال شعاراتهم الإيمانية الإسلامية التي يرفعونها في تظاهراتهم .. كذلك المساجد التي يتجمعون فيها، ومن ثم ينطلقون منها مكبرين ومهللين في تظاهراتهم ضد الطاغية .. حتى أصبحت تُعرَف بثورة المساجد .. كل ذلك يدل على صدق توجههم الإيماني الإسلامي. 
أيضاً فاجأ الشعب السوري الثائر الجميع بسقف مطالبه العالية والمشروعة والحقة .. والتي تتمثل في إسقاط النظام .. وإعدام الطاغية .. لا يقبل دون ذلك مطلباً .. في الوقت التي كانت فيه كثير من قوى المعارضة في الخارج، تستشرف عتبات سفارات النظام .. تلتمس لنفسها وأعضائها العفو والصفح .. ليسمح لهم بالعودة إلى سورية .. ليعيشوا كالنعاج من غير حراك .. وأحسنهم مطالبة من اقتصر طلبه على أن يسمح الطاغية لهم بأن يعودوا ليمارسوا ” الدعوة ” فقط .. فقط أن يمارسوا ” الدعوة ” .. هكذا ومن دون أي شيء أو طلب آخر! 
لذا فإن المعارضة التقليدية وجدت نفسها أن الشعب السوري الأبي البطل، قد سبقها سبقاً بعيداً .. وأنها مهما حاولت أن تلملم من أوراقها لم تعد تستطيع اللحاق به .. أو أن تكون على مستوى قيادته في هذه المرحلة العصيبة من الصراع مع الطاغية وعصابته!
شعب مسلم مؤمن ثائر؛ ذو همة عالية، سقف مطالبه لا تنزل عن المطالبة بإسقاط النظام، وإعدام الطاغية .. يُقابله معارضة تقليدية علمانية ضعيفة لا تمثل إلا أشخاصها، لها أجندتها وارتباطاتها الخارجية .. وإسلامية ليبرالية إخوانية، أقرب للعلمانية منها للإسلامية، كانت للأمس القريب غافلة عن البركان السوري وثورته!
ثورة مطلبها الأساس والأول إسقاط النظام، وإعدام الطاغية .. ثم بعد ذلك يطرح فرقاء المعارضة ما عندهم من برامج تخدم سوريا شعباً وأرضاً .. بينما أحزاب المعارضة التقليدية انشغالها وخيارها الأول للأجندة الحزبية، ولمصالحها الحزبية الضيقة .. والالتفات إلى الغنائم قبل تحصيلها .. خوفاً من فواتها وعدم إدراكها .. ثم بعد ذلك تكون الأولوية في أنشطتهم لإسقاط الطاغية ونظامه .. فهذا من جملة التباينات بين الثورة في الداخل، وبين قيادات وتوجهات أحزاب المعارضة في الخارج!
هذا الواقع الذي تقدمت الإشارة إليه أعلاه .. هو الذي أفرز هذه المشاكل والإشكاليات التي تعاني منها المعارضة اليوم .. فانعكس سلباً على مؤتمراتهم واجتماعاتهم .. كما أوجد هذا التباين الواسع بين حاجيات ومتطلبات الثورة في هذه المرحلة العصيبة .. وبين قدرات تلك الأحزاب على تلبية تلك المتطلبات والحاجيات!
ما العمل .. وكيف السبيل؟
ألخص الإجابة عن هذا السؤال في نقطتين:
أولاً: لا بد للثورة في الداخل من إفراز قياداتها الأمينة والكفؤة من داخلها .. التي تمثلها وتتكلم باسمها .. وقد بدأ يحصل شيء من ذلك، ولله الحمد.
حقاً إنها لمأساة .. أن تتحكم وسائل الإعلام بإفراز وتحديد قيادات الشعوب والثورات .. فتظهر منهم من تشاء وتغيب من تشاء .. قد يكون كثير منهم يعيشون مترفين مغيبين عن واقع الأمة وآلامها .. بينما أبطال وأسود الساحات والميادين؛ الذين يصطلون نيران المعارك ولهيبها .. ويُعايشون واقع أمتهم وآلامها وآمالها .. مغيبون لا يُؤبه لهم، ولا يُلتفت إليهم في شيء!
ثانياً: أيما معارض أو عنصر قيادي في الخارج، يستشرف مهمة تمثيل الثورة السورية ـ أو يُرَشَّح لتمثيلها ـ في الخارج ينبغي أن يتحقق فيه شرطان، كحدٍّ أدنى: أولهما أن يتميز بتاريخ نضالي شريف؛ لا يُعرَف عنه ـ قبل الثورة ـ نوع عمالة للنظام وطواغيته، أو ارتماء على أبواب سفارات النظام الأسدي الطائفي، يستجديهم العفو، والمصالحة .. وقليل من متاع الدنيا.
ثانيهما: أن يتحلى بصفاتٍ أخلاقية، وثقافية فكرية .. تمكنه من تمثيل ومواكبة طموحات وأدبيات الثورة والثوار الإيمانية، الإسلامية .. إذ لا ينبغي ولا يجوز، أن يغرّد في سرب بعيد جداً عن أدبيات ومبادئ وقيم الثوار الإيمانية .. والتي نلمساها بكل وضوح من خلال شعاراتهم، وانطلاقاتهم من المساجد بعد كل صلاة قيام، أو صلاة جمعة.
فإن لم يتحقق هذان الشرطان في العناصر القيادية، التي تستشرف مهمة تمثيل الثورة في الخارج .. فإن مؤتمرات ومجالس المعارضة ستتكرر كثيراً، من غير طائل يُذكَر!
الشعب الثائر في الداخل يهتف، في مظاهراته وتجمعاته ” الله أكبر .. لا إله إلا الله .. هي لله، هي لله .. لا للسلطة لا للجاه .. علجنة رايحين شهداء بالملايين ” .. ثم في المقابل يُرشّح لقيادة هذا الشعب الثائر المسلم .. شيوعي .. أو علماني ملحد، عدوه الأول والرئيسي الإسلام والمسلمين .. فهذا غير ممكن .. ولو حصل شيء من ذلك فإنه لا يأتي بثماره المرجوة؛ للتباين الكبير بين الثورة والثوار، وبين هذا الذي اختير لقيادتهم، وتمثيلهم!
نسأل الله تعالى أن يُبرم للشام وأهل الشام أمر رشدٍ، يُعَز فيه أهل طاعته، ويُذل فيه أهل معصيته .. وأن يولي علينا خيارنا .. وأن يكفينا شرّ شرارنا بما شاء وكيفما شاء، إنه تعالى سميع قريب مجيب، وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد المنعم مصطفى حليمة 
” أبو بصير الطرطوسي ” 
12/10/1432 هـ. 9/9/2011 م. 
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.