موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

بيان إلى الإخوان في الكردستان

0 412

بسم الله الرحمن الرحيم
          قال تعالى:) وأطيعوا الله ورسولَه ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم واصبروا إن الله مع الصابرين (.
          وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله يرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا “.

          وقال صلى الله عليه وسلم:” عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة “.
          وبعد، فقد تناها إلى أسماعنا انشقاق الشيخ علي بابير وبعض إخوانه عن جماعتهم؛ جماعة الوحدة الإسلامية .. وقاموا بتشكيل جماعة جديدة .. فأحدثوا بذلك شرخاً إضافياً إلى الشروخ والتصدعات التي يُعاني منها العمل الإسلامي في الكردستان .. وجرحاً جديداً في جسد الأمة إضافة إلى الجروح العديدة التي لم يندمل نزيفها بعد ..!
          ومن دافع واجب النصح الذي يجب أن يكون بين المسلمين .. وواجب تداعي الأمة بالسهر والقلق والحمى إذا ما اشتكى منها عضو واحد .. نخط هذا البيان، إبراءً للذمة ونصحاً للأمة .. موجزين ما نريد بيانه في النقاط التالية: 
          1- هذا الانشقاق الذي قام به الشيخ علي بابير .. لا نرى شرعيته، ولا مبرراته؛ لأنه لا يزيد المسلمين إلا فرقة وضعفاً .. ولا يستفيد منه إلا أعداء الأمة الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر .. إضافة إلى كونه مخالفاً لنصوص الشريعة العديدة التي تأمر بالوحدة والاعتصام بحبل الله جميعاً، ونبذ التفرق والتناحر، والاختلاف ..!
          وما يمكن أن يُقال عن بعض المخالفات الشرعية والإدارية التي يقع فيها طرف من الأطراف .. فإنها تُزال بمواظبة النصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن .. وليس بخطأ أو منكر أكبر .. كإحداث الانقسامات، والفِرق والجماعات المتعددة المتنافرة والمتدابرة فيما بينها .. فالمنكر يُزال، ولكن ليس بمنكرٍ أكبر منه .. يفرق الأمة ويُضعف شوكتها، ويُشْمِت بها الأعداء !
          2- هذا الانقسام .. لا يُسر إلا العدو .. والمستفيد منه هم أهل الباطل في المنطقة وحواليها .. وذلك لسببين:
          أولهما: لما فيه إضعاف حقيقي لشوكة المسلمين ..!
          ثانياً: لاعتقادهم أن الأطراف المنقسمة ستلجأ إلى استعطافهم واسترضائهم .. وربما إلى الدخول في موالاتهم .. لتكمل النقص أو الضعف الذي أصابها بسبب الانقسام .. ولحرص كل طرف على اعتراف الآخرين به ..!
          وعلى قاعدة:” فرِّق .. تَسُد “.
          وهذا مزلق كبير نحذر منه؛ فإن الركون إلى الظالمين .. ضعف وهوان في الدنيا، وخزي وعذاب في الآخرة، كما قال تعالى:) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنصرون (.
          3- الواجب عند حصول النزاع بين المسلمين، أن يُرد هذا النزاع ـ أياً كانت طبيعته وصفته ـ إلى الله ورسوله؛ أي إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى:) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (. فجعل الرد إلى الكتاب والسنة من موجبات ولوازم صحة الإيمان .
          وكنا نود من الإخوان ـ على الأقل ـ قبل أن تصل الأمور إلى الموصل الذي وصلوا إليه، أن يجعلوا عليهم حكماً من العلماء العاملين .. يحكمون بينهم بالكتاب والسنة .. ويكون حكمهم ملزماً للطرفين ..! 
          4- لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يؤدي هذا الانقسام ـ الذي لا نرضاه ـ إلى حمل السلاح .. وتوجيهه إلى صدور بعضكم البعض .. فالمسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه .. ثم هو زيغ من زيغ الشيطان فاحذروه، واستعيذوا بالله منه!
          أما أنت أيها المجاهد .. فاتق الله في نفسك وإخوانك .. فروحك لن تخرج منك إلا مرة واحدة، فاحرص أن لا تخرج إلا في سبيل الله .. واحذر أن تطيع مسؤوليك في قتال الفتنة؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المشاركة في قتال الفتنة، وعن طاعة الأمراء فيها، وعدَّ القاتل والمقتول ـ الذي يُشارك في القتال ـ في النار ..!
          كما في الحديث في صحيح مسلم:” إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار “. وقال صلى الله عليه وسلم:” القاعد فيها ـ أي في قتال الفتنة ـ خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخيري ابني آدم “.
          يريد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك (.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” إنها ستكون فتنةٌ وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك، فأتِ بسيفك أُحُداً
فاضرب به حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئة، أو منية قاضية “.
          وعن أبي ذر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قتال الفتنة فقال:” يا رسول الله أفلا آخذ بسيفي فأضرب به من فعل ذلك ؟ قال:” شاركت القوم إذاً، ولكن ادخل بيتك ” قلت يا رسول الله فإن دُخِل بيتي ؟! قال:” إن خشيت أن يبهرَك السيف، فالقِ طرفَ ردائك على وجهك، فيبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أهل النار “.
          فإن قيل لك: هذه الأحاديث محمولة حصراً على قتال الخليفة العام وجماعته، ومنازعته على الحكم، فاعلم أن هذا من الكذب .. والتقول على الله ورسوله بغير علم ..!
          بل لو أن الخليفة العام أمرك بقتال المسلمين في الفتنة، وبغير وجه حقٍّ .. فلا يجوز لك طاعته أو أن تُقدم طاعته على طاعة الله ورسوله ..!
          فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” طاعة الإمام حق على المسلم، ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل فإذا أمر بمعصية الله فلا طاعة له “.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” من أمركم من الولاة بمعصيةٍ فلا تُطيعوه “.
          وعن عُديسَةَ بنت أُهبان قالت: لما جاء علي بن أبي طالب ههنا البصرة، دخل على أبي فقال: يا أبا مسلم! ألا تعينني على هؤلاء القوم ـ يعني قتال أهل الشام ـ ؟ قال: بلى، قال: فدعا جارية له، فقال يا جارية أخرجي سيفي . قال: فأخرجته، فسُل منه قدر شبرٍ، فإذا هو خشب!! فقال: إن خليلي وابن عمك صلى الله عليه وسلم عهد إلي، إذا كانت الفتنة بين المسلمين فاتخذ سيفاً من خشب، فإن شئت خرجت معك ؟! فقال له علي: لا حاجة لي فيك، ولا في سيفك ![ صحيح سنن ابن ماجه:3199 ].
          لذا كان اتفاق أهل العلم على أن الذين اعتزلوا القتال في الفتنة كابن عمر وغيره .. هم أولى الناس بالحق والصواب.
          ثم اعلم يا عبد الله أن المسلم لا يزال دينه بخير ما لم يُصب دماً حراماً، فإن أصاب دماً حراماً فلا يسأل عن الهلكة التي وقع فيها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا “.
وقال صلى الله عليه وسلم:” كل ذنب عسى الله أن يغفره الله إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً “.
وقال صلى الله عليه وسلم:” لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً “.
5- مما ينبغي أن يعلمه الجميع أن هذا التفرق والتنافر والبغضاء الحاصل بين المسلمين في
الكردستان وغيرها .. ما كان ليكون إلا لنسيان حظٍّ من الدين والتوحيد، كما قال تعالى:) ومن
الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذُكِّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة (.
          وهذا مثال ضُرب للمسلمين؛ أي إن فعلتم ما فعله النصارى .. فنسيتم حظاً من الدين والتوحيد .. فالنتيجة أن يُغري الله بينكم العداوة والبغضاء والتفرق كما أغرى بين الذين قالوا إنا نصارى ..!
          وهذا يستدعي منا جميعاً إن كنا جادين بحق في أن يلتئم الصف، وتجتمع القلوب على كلمة سواء .. أن نصطلح مع الله .. وأن نُصلح ما أفسدناه بأيدينا، وأن نأخذ الدين كله وبقوة من دون أن ننسى منه شيئاً ..!
وكنا قد نبهنا ـ في رسائل سابقة ـ إلى جملة من الأمور والتجاوزات .. لا بد لإخواننا في الكردستان من استدراكها إن كانوا جادين في نصرة هذا الدين .. وفي حماية أنفسهم، وأهاليهم، وأوطانهم .. فإن فرطوا ولم يفعلوا .. وشغلتهم أنفسهم ومصالحهم الحزبية الضيقة عن مصالح الأمة العامة .. فلا يلوموا إلا أنفسهم لو تخطَّفتهم سيوف الشر والذئاب المحيطة بهم ـ وما أكثرهم ـ الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر ..!
وهذا الانقسام الحاصل الذي آلمنا جميعاً .. لن يكون الأول والأخير .. بل ستتبعه انقسامات .. وانقسامات .. ما دامت الأهواء هي التي تحكم .. وما دامت المصالح الحزبية الضيقة هي التي ينفذ حكمها .. وليس حكم الله .. والضحية هو الشعب المسلم الكردي برمته ..!  
كلمة أخيرة إلى كل مسلم مسؤول في الكردستان: اعلموا أن الإمارة ليست مغنماً .. وإنما هي مغرمٌ وخزي وندامة .. ومسؤولية عظيمة أمام الله .. فاتقوا الله في عباد الله .. وارحموا أنفسكم وأهاليكم .. ألا تكفيكم سيوف الطواغيت المسلطة عليكم من كل حدب وصوب .. ألا يكفي هذا العنت الذي أصاب ويصيب الشعب المسلم في الكردستان في كل يوم ..؟!!
إني أسألكم بالله الذي لا إله إلا هو ألاَّ تجمعوا عليه سيفين: سيف الطواغيت الظالمين، وسيف المسلمين الظالمين ..!
اللهم إني قد بلَّغت فاشهد.
) إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب (.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
15/3/1422 هـ.   الشيخ عبد المنعم مصطفى حليمة / الشيخ محمد مصطفى المقرئ
6/6/2001 م.                      أبو بصير                            أبو إيثار
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.