موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

أسئلة صقر الدين فيما يتعلق ببعض مسائل أصول الدين

0 452

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد.
          فقد وجه إلي الأخ الفاضل صقر الدين بعض الأسئلة فيما يتعلق ببعض مسائل أصول الدين .. كنت قد أجبته عليها في موقع ” شبكة السنة ” .
          ونزولاً عند رغبة الأخ في تعميم الفائدة نعيد نشرها في موقعنا بعد إجراء بعض التنقيحات البسيطة .. راجين الله تعالى القبول، وأن ينفعنا بها جميعاً، إنه تعالى سميع قريب.

          سؤال: يقول الشيخ أبو بصير ـ حفظه الله ـ في رسالته ” مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة “: هذه الجيوش كافرة مرتدة لا شرعية لها، يجب جهادها وقتالها .. لا يستلزم من ذلك أن يكون كل واحد في هذه الجيوش كافراً مرتداً، بل فيها الكافر المرتد وغير ذلك لاحتمال وجود الموانع الآنفة الذكر .. الجهل .. الإكراه .. أن يكون عيناً للمسلمين .
          ثم نأتي للنقطة مثار الخلاف والنقاش، فيقول:” من ثبت لنا انتفاء موانع التكفير ـ الثلاثة الآنفة الذكر ـ عنه فهو كافر مرتد بعينه ” .. فهو ـ حفظه الله ـ لا يكفر الجنود عيناً إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع .. هكذا نفهم ..؟
          فنتوجه بالسؤال: نسأل الله عز وجل أن يشرح قلوبنا للحق .. ما الفارق بين المرتد المقدور عليه والغير مقدور عليه، وعلاقته بوجوب أو عدم إقامة الحجة عليه ..؟
          الجواب: الحمد لله رب العالمين. مادام المرتد المقدور عليه أو الغير مقدور عليه قد سميت كلاً منهما ” بالمرتد ” وحكمت عليه بالردة بعينه .. لم يعد مبرراً لذكر مسألة قيام الحجة؛ إذ قيام الحجة تُطلب وتُشترط قبل أن تأخذ الأحكام الشرعية طريقها إلى المعين .. وأما بعد أن نحكم على المعين بالردة بعينه فالحديث حينئذٍ عن قيام الحجة عليه من العبث أو الترف الجدلي لا طائل منه .. لا ينبغي أن تُذكر أو أن تُقحم .. وهو ما حُكم عليه بالردة ابتداء إلا لأن الحجة قد بلغته وقامت عليه .. فشرط قيام الحجة موجود قبل الحكم عليه بالردة .. فعلام يُقحم ثانية بعد وقوعه في الردة ..؟!
          وإنما الذي يُمكن ذكره في هذا الموضع هو مسألة الاستتابة: هل يُستتاب المرتد المقدور عليه أم لا .. وهل يوجد فرق بينه وبين المرتد المحارب الغير مقدور عليه أم لا .. .. وهل يوجد فرق بينه وبين المرتد المحارب الغير مقدور عليه أم لا .. والفرق بين الاستتابة وقيام الحجة فرق شاسع وبيِّن؛ فقيام الحجة تكون قبل أن نحكم على المعين بأنه كافر أو مرتد .. وتكون ـ أي الاستتابة ـ فرصته الأخيرة قبل أن يأخذ القصاص الشرعي طريقه إليه.
          بعد هذا الذي تقدم أقول: لو جاء السؤال بالصيغة التالية: ما الفرق بين من يقع بالردة المقدور عليه، وبين من يقع بالردة الغير مقدور عليه .. من حيث وجوب قيام الحجة عليه .. لكان السؤال مقبولاً ووجيهاً أكثر لعلمكم بالفارق بين المرتد وبين من يقع في الردة .. والله تعالى أعلم.
          سؤال: سعدنا بسرعة ردكم وقيامكم بالواجب الذي يليق بجنابكم للفصل في القضية محل النزاع .. وقد سردنا من قبل تمهيداً مبسطاً لا يخفى عليكم يبين للقراء مدى أهمية وخطورة القضية المطروحة .. ثم نتوجه لفضيلتكم بعد التعديل الذي تم بناءً على طلبكم وإيماناً بصوابه: ما الفرق بين من يقع بالردة المقدور عليه، وبين من يقع بالردة الغير مقدور عليه .. من حيث وجوب قيام الحجة عليه ..؟
          الجواب: الحمد لله رب العالمين. تجب قيام الحجة على من يقع في المخالفة الشرعية ـ ولو كانت كفراً ـ على وجه العجز الذي لا يمكن دفعه، فمن وقع في المخالفة عن عجز لا يمكن له دفعه تُقام عليه الحجة التي تدفع عنه العجز فيما قد خالف فيه قبل أن تُحمل عليه الأحكام بعينه .. أما من يقع في المخالفة الشرعية عن جهل غير معجز يمكن له دفعه .. لكنه لسبب أو آخر ـ لا يعمل ـ ولا يحرص على دفعه .. فمثل هذا ـ لو وقع في المخالفة ـ لا يُعذر بالجهل .. ولا تجب إقامة الحجة عليه .. وأحكام الله تعالى تنزل عليه وتطاله بعينه .
          ولمعرفة العاجز من غير العاجز في معرفة الحق .. ينبغي النظر إلى عدة أمور منها: البيئة التي يعيش فيها .. ومنها: المسألة التي جهل فيها .. هل هي من الأمور الخفية المشكلة .. أم من الأمور الجلية التي استفاض فيها العلم ..!
          هذه قاعدة .. تُبنى عليها جميع مسائل العذر بالجهل وقيام الحجة تقريباً ..!
          والآن نأتي إلى المسألة المطروحة فأقول: لا فرق بين من يقع بالردة المقدور عليه وبين من يقع بالردة الغير مقدور عليه من حيث وجوب قيام الحجة .. لأن مناط وجوب قيام الحجة وجود الجهل المعجز الذي لا يمكن دفعه .. بغض النظر عن هذا المخالف هل هو ممن يُقدر عليه أم لا .
          إلا أنه يمكننا القول أن هذا الغير مقدور عليه إذا كان ممن يمتنع بالقتال ومظاهرة المشركين ـ إضافة إلى وقوعه بالردة ـ فإنه حينئذٍ لا بد من قتاله على أنه كافر مرتد بعينه .. والله تعالى يتولى سريرته إن كانت غير ذلك .. ونحن معذورون لأنه لا سبيل لنا إلا على ظاهره الذي يلزمنا بكفره وتكفيره.
          سؤال: جزاك الله خيراً شيخي الكريم .. وإني لأطمع في مزيدٍ من الوقت ليزول الإشكال، ويُرفع ما عندي من اللبس، فبالله الذي لا إله إلا هو إن في حل هذا الإشكال الخير الكثير بإذن الله وما نبغي منه إلا اتباع الحق .. فنتوجه بالسؤال لفضيلتكم: ما تفسيركم لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس وذلك حين أجرى عليه أحكام الكفار في أخذ الفداء من الأسرى واعتباره كافراً عيناً في الحكم الظاهر، وما كان ذلك إلا لخروجه في غزوة بدر مع الكفار لقتال المسلمين، ولم يأخذ بدعوى الإكراه كمانع في حقه ..؟
          ولهذا روي أن العباس قال: يا رسول الله كنت مكرهاً، قال:” أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله “[ مجموع الفتاوى:19/224_225].
          وما تفسير فضيلتكم على إجماع الصحابة على كفر أنصار أئمة الردة كأنصار مسيلمة، وطليحة الأسدي، وما ترتب عليه من غنم أموالهم وسبي نسائهم وشهودهم على قتلاهم بأنهم في النار، وهذا تكفير منهم لهم على التعيين .. رغم أن فيهم المكره والجاهل المضلل ..؟
          الجواب: الحمد لله رب العالمين. العباس لم يكن مكرهاً الإكراه الشرعي الذي يمنع من لحوق الوعيد به لأنه كان قبل أن يُكره على الخروج للقتال يقدر على الهجرة .. وهو من الذين يستطيعون حيلة، ويهتدون سبيلاً .. لكنه لم يفعل .. فظل مقيماً بين أظهر المشركين بإرادته إلى أن أكره على الخروج معهم للقتال .. لذلك لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره بالإكراه .. فهناك فرق بين أن ينزل الإكراه بك من دون إرادتك .. وبين أن ينزل بك الإكراه بإرادتك واستشراف منك فالأول يعذر، والآخر لا يعذر.
          أما قولك أن الصحابة قد أجمعوا على تكفير أعيان أنصار مسيلمة الكذاب، وطليحة الأسدي .. بما في ذلك المكره والجاهل .. فهذا لا أعرفه .. وحبذا لو ذكرتم لنا مصدر هذا الإجماع ..؟!
          ثم كيف يكون إجماعاً وهو مخالف لقوله تعالى:) إلا من أكره ( .. فمن ثبت تكفيره من قبل السلف بعينه فهذا لا يكون مكرهاً الإكراه المعتبر .. ولا جاهلاً الجهل المعتبر ..؟!
          والمعروف أن الصحابة استنطقوا المرتدين عند استتابتهم ووقف قتالهم بأن يقروا:” بأن قتلاهم في النار .. وقتلى المسلمين في الجنة ” وهذا حكم عام .. وصيغة عامة لا تفيد تعيين أفراد المعسكرين بأعيانهم سواء عسكر المسلمين .. أم عسكر المرتدين .. والله تعالى أعلم.
          سؤال: عصمنا الله بالتقوى، ووفقنا لموافقة الهدى ) يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( .. ) وقل ربي زدني علماً (، وبعد: لقد سعدنا كثيراً بتفسيركم لقصة العباس وموقف النبي صلى الله عليه وسلم منه يوم بدر، وهو الموافق لتفسير الآية:) إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ( فجزاكم الله خيراً لتنبيهنا لتلك النقطة .. وإن كان لا يزال هناك إشكال في فهمنا لمقولة شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى:19/224- 225:وقد يُقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه يشهد القتال معهم ولا يمكنه الهجرة، وهو مكره على القتال ويُبعث على نيته كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” يغزو جيش هذا البيت فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم، فقيل يا رسول الله وفيهم المكره ؟ قال: يُبعثون على نياتهم ” وهذا في ظاهر الأمر، وإن قتل وحكم عليه بما يُحكم على الكفار، فالله يبعثه على نيته كما أن المنافقين منا يحكم لهم في الظاهر بحكم الإسلام ويُبعثون على نياتهم والجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر ……
          ولهذا روي أن العباس قال يا رسول الله كنت مكرهاً قال: أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله .. ا- هـ.
          فهذا إقرار من شيخ الإسلام رحمه الله ـ على حد علمي ـ بالكفر حكماً وليس على الحقيقة على كل من خرج إلى القتال مع الكفار، ولو كان مؤمناً مكرهاً في الحقيقة ؟؟
          ثم سؤالنا لفضيلتكم حفظكم الله وزادكم علماً .. ما وجه استدلال شيخ الإسلام رحمه الله بحديث العباس على هذا الحكم .. وحقيقة قوله ” ولا يمكنه الهجرة ” مع ما تقرر لدينا أنه كان يستطيع الهجرة ..؟؟ 
          هذا بالنسبة لحديث العباس أما بالنسبة لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم ـ فهو على حد علمي ـ قد ثبت بالقول وبالفعل وبالإقرار، أما القول: فهو قول أبي بكر ” وتكون قتلاكم في النار ” ووافقه عمر وتتابع القوم على قول عم ر كما في حديث طارق بن شهاب، وأما الفعل: فهو أن الصحابة قاتلوهم جميعاً على صفة واحدة؛ وهي صفة قتال أهل الردة ولم يُفرقوا بين تابع ومتبوع، وأما الإقرار: فهو أنه لا يُعرف مخالف أو منكر من الصحابة لهذا .
          وكون قول أبي بكر رضي الله عنه ” وتكون قتلاكم في النار ” عندما ذكرناه كدليل على تكفيرهم عيناً فإنما كان ذلك باستدلالنا على قول الطحاوي ” ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا نُنزل أحداً منهم جنة ولا نارا ” إنما كانت الشهادة بالنار تجوز كما لا يخفى عليكم على كل من مات على الكفر كقوله عليه الصلاة والسلام:” حيثما مررت بقبر كافرٍ فبشره بالنار “.
          وأخيراً حتى لا نطيل عليكم نريد من فضيلتكم توضيحاً أكثر لمقولتكم ” فمن ثبت تكفيره من قبل السلف بعينه فهذا لا يكون مكرهاً الإكراه المعتبر .. ولا جاهلاً الجهل المعتبر ” فأنى لهم أن يعلموا هذا وهم لم يتبينوا في حقهم توفر الشروط وانتفاء الموانع لما كانوا ممتنعين بالشوكة، وقد كانوا ألوفاً، فقد ذكر ابن تيمية أن أتباع مسيلمة كانوا نحو مائة ألف أو أكثر ..؟!
          الجواب: الحمد لله رب العالمين. أجيب على ما تقد م من أسئلة واعتراضات في النقاط التالية:
          1- يُستفاد من كلام شيخ الإسلام أن عسكر الكفر يُقاتل بما فيهم المكرهين على القتال مع المؤمنين .. لصعوبة تمييزهم عن الكافرين .. ولوجودهم في صفوف القتال مع الكافرين .. وأن المكرهين من المؤمنين يُبعثون على نياتهم يوم القيامة .
          مع ضرورة التنبيه إلى أن هذا المؤمن المكره الذي يكثر سواد الكافرين لا يجوز له أن يُباشر مهمة قتال المسلمين .. ولو كان مكرهاً .. فالإكراه يبرر له الخروج .. ولا يبرر له مباشرة القتال .. ولو كان على وجه الدفاع عن النفس .. وإن أدى عصيانه إلى قتله من قبل المشركين .. فدمه ليس أعز من دم إخوانه المسلمين ..!
          فإن باشر القتال مع المشركين ضد المسلمين فإنه يضعف في حقه عذر الإكراه كمانع من موانع لحوق الوعيد بالمعين .. إن لم يزل كلياً !
          2- ويُستفاد كذلك أن هؤلاء المكرهين من المؤمنين يأخذون حكم الكافرين في الدنيا على اعتبار ظاهرهم .. وصعوبة معرفتهم أو تمييزهم .. فيأخذون لأجل ذلك وصف وحكم العسكر الذي هم فيه .. والله تعالى يتولى سرائرهم يوم القيامة .. ولو أمكن معرفتهم أو تمييزهم بأعيانهم لم جاز الحكم عليهم بالكفر أو الخلود في النار .. ولو كانوا صرعى بين قتلى المشركين .. والله تعالى أعلم.
          فإن قيل علام قد نفيت من قبل تكفير الصحابة لأعيان المكرهين على القتال في صفوف المرتدين ..؟!
          أقول: الذي نفيناه .. وننفيه جواز الحكم على المعين بالكفر أو الخلود في النار .. مع العلم المسبق أن هذا المعين إنما حمله على الوقوع في الكفر الإكراه المعتبر شرعاً.
          والذي أثبتناه ونثبته ما تقدم ذكره؛ وهو الحكم على المعين المكره بالكفر والخلود في النار لاعتبار ظاهره المكفر الذي وافته المنية عليه .. ولجهلنا بأنه من المؤمنين المكرهين المعذورين .. والله تعالى أعلم.
          3- أما سؤالكم عن وجه استدلال شيخ الإسلام بحديث العباس على هذا الحكم، وحقيقة قوله ” ولا يمكنه الهجرة ” مع ما تقرر لدينا أنه كان يستطيع الهجرة ..؟!
          أقول: إن شيخ الإسلام قد استدل بحديث العباس على أن الجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر .. ولم يستدل به على مسألتنا المتقدمة أو ” على هذا الحكم ” كما قلت !
          أعد قراءة كلامه من جديد .. وإليك كلامه:” والجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر؛ ولهذا روي أن العباس قال .. ” الخ.
          فهو أولاً ابتدأ كلامه كفقرة جديدة عن الفقرة التي قبلها .. ثم جاء استدلاله بما روي عن ابن عباس كجملة تفسيرية لما جاء قبلها من كلام .. فانتبه إلى ” الفاصلة التفسيرية المنقوطة ” التي تفسر ما قبلها .. والتي حذفتها ووضعت بدلاً عنها عدة نقاط التي توحي بوجود كلام لشيخ الإسلام لا دخل له في المسألة قد تجاوزته للاختصار، وهذا لا شك أنه يخل بالمعنى الذي يريده شيخ الإسلام!
          4- ومما يمكن أن يُقال كذلك أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم للعباس:” ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله “؛ أي أن ظاهرك الذي كان علينا لا يدل على أنك كنت مكرهاً الإكراه الشرعي الذي يعذر .. فالله تعالى يتولى سريرتك، وهو الأعلم بك هل كنت صادقاً في دعواك الإكراه أم لا .. والذي يعيننا على هذا الفهم أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم كان رداً على كلام العباس الذي زعم فيه أنه كان مكرهاً ..!
          ومما أضعف من اعتذار العباس بالإكراه كذلك أنه قد باشر القتال .. وهذا ليس من شأن المكره كما أفدنا من قبل، كما في رواية السدي قال: لما أسر العباس، وعقيل، ونوفل قال النبي صلى الله عليه وسلم:” افد نفسك وابن أخيك “، قال يا رسول الله: ألم نصلِّ قبلتك، ونشهد شهادتك ..؟ قال:” يا عباس إنكم خاصمتم فخُصمتم، ثم تلا عليه هذه الآية:) ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها (.
          5- إلزام الصحابة للمرتدين بأن يقولوا:” أن قتلاهم في النار ” ليس فيه دليل على موطن الخلاف؛ وهو تكفيرهم للمعين المكره من المؤمنين بأنه كافر ومن أهل النار .. وعبارتهم المتقدمة صيغة من صيغ العموم كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
          6- لا وجه لاستدلالك بكلام الطحاوي على تكفير المعين .. فكلام الطحاوي المنقول يفيد أنه لا يجوز أن نشهد لأحد بعينه ـ ممن لم يرد فيهم نص ـ من أهل القبلة بجنة ولا نار .. فكلامه بواد ومسألتنا في وادٍ آخر .. مع ضرورة التنبيه أنه يجوز لنا أن نشهد لأهل القبلة على وجه العموم بالجنة، كأن نقول: قتلى المسلمين شهداء وهم في الجنة .. قتلانا في الجنة .. وقتلى المشركين في النار .. ونحوها من العبارات العامة، فهذا لا حرج فيه إن شاء الله.
          7- قولك ” فأنى لهم ـ أي السلف ـ أن يعلموا هذا وهم لم يتبينوا في حقهم توفر الشروط وانتفاء الموانع لما كانوا ممتنعين بالشوكة، وقد كانوا ألوفاً .. ” الخ .
          أقول: كلامك هذا ليس دقيقاً؛ فقد ثبت أن الصحابة كانوا يتثبتون .. ويحققون .. ويُحاجون من يجدونه في سلطان مسيلمة الكذاب ممن أشكل عليهم حقيقة موقفه، كما حصل مع خالد بن الوليد وهو في مسيره إلى أهل اليمامة لما ارتدوا، فأرسل مائتي فارس وقدمهم كطليعة لجيشه، وقال لهم من أصبتم من الناس فخذوه، فأخذوا ” مُجاعة ” في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه، فلما وصل إلى خالد، قال له: يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكُ كذاباً قد خرج فينا فإن الله يقول:) ولا تزر وازرة وزر أخرى ” !
          قال خالد: يا مجاعة تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه، وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري، إقرار له ورضاء بما جاء به !
          فهل لا أبيت عذراً، وتكلمت فيمن تكلم؛ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتلكم أليشكري .. فإن قلت أخاف قومي، فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولاً ..؟!!
          فقال مُجاعة: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفوا عن هذا كله ..؟!
          قال خالد: قد عفوت عن دمك، ولكن في نفسي حرج من تركك ..!! [ مجموعة التوحيد:199 ].
          أقول: القصة فيها فوائد عدة وعظيمة يخصنا منها: إثبات ما كنت قد نفيته بأن الصحابة لم يكونوا يتبينوا في حقهم توفر الشروط وانتفاء الموانع .. والله تعالى أعلم.
          8- وفي الختام أود أن أخبرك يا صقر أني أحبك في الله .. راجياً الله تعالى أن يكثر في الأمة الصقور .. وأن يقتل خفافيش الدجى والنفاق والإرجاف ..
          سؤال: أحبك الله الذي أحببتني فيه .. من كان شيخه كتابه كثر خطأه وقل صوابه .. ومن تواصل مع العلماء فقه وأصاب وقلت عثراته .. أدام الله علمكم ورعاكم .
          شيخي الحبيب .. نقطة هامة لالتقاء الكلمة ووضوح المعنى الذي تبين لنا أنكم معشر العلماء ـ علماء الجهاد ـ قد تختلف عباراتكم قليلاً ولكن الرؤية والمعنى يكاد يكون واحداً باستثناء تفاوت التكفير بينكم صعوداً وهبوطاً .. ولما لا وقد شهدنا لكم بالإخلاص ولا نزكي على الله منكم أحداً وشهدتم على أنفسكم بالاتباع ورضيتم بطريقة السلف منهجاً ..
          فقولكم:” ويُستفاد كذلك أن هؤلاء المكرهين من المؤمنين يأخذون حكم الكافرين في الدنيا على اعتبار ظاهرهم .. وصعوبة معرفتهم أو تمييزهم .. فيأخذون لأجل ذلك وصف وحكم العسكر الذي هم فيه .. والله تعالى يتولى سرائرهم يوم القيامة .. ولو أمكن معرفتهم أو تمييزهم لما جاز الحكم عليهم بالكفر أو الخلود في النار .. ولو كانوا صرعى بين قتلى المشركين .. والله تعالى أعلم “.
          هذا ما كنا نريد منكم بفضل الله توضيحه .. ففقه الجهاد كما لا يخفى عليكم ليس كباقي أبواب الفقه لما في الغلط من قبل الأخوة في تفسير ألفاظه من استحلال الأموال والدماء وإحباط المسيرة الجهادية ما بين الإفراط والتفريط !
          فجزاكم الله عنا خيراً كثيراً، ونرجو من فضيلتكم نشر تلك المسألة في رسالة صغيرة على موقعكم بعد الترتيب والتنقيح لعموم الفائدة .
          وسؤالي الأخير لفضيلتكم: ما رأيكم في تلك العبارة ” أن الممتنع إن قام في حقه مانع لم
نطلع عليه، أو لم يظهر لنا، فنحن معذورون في معاملته معاملة الكفار من قتل وغنم مال ونحوه .. ونحن غير مطالبين باستيفاء الشروط وتبين الموانع مادام تلبّس بنصرة الشرك وامتنع عن القدرة ” فأرجو تنقيحها وتهذيبها .. وشكراً ؟
          الجواب: الحمد لله رب العالمين. الممتنع الذي يظاهر المشركين على المسلمين .. يُقاتل على أنه منهم، ويُعامل معاملتهم .. ولا يُشترط هنا تتبع الموانع؛ لأنه متعسر وغير ممكن .. واشتراطه يستلزم منه تعطيل الجهاد، وتعريض حرمات البلاد والعباد إلى الانتهاك من قبل الأعداء .. وقد مضت السنة أن جيش الكفار يُقاتل ومن دون التحري عن العناصر المعذورين .. فإن وجدوا وقُتلوا بُعثوا على نياتهم .. وجزاهم الله على سرائرهم.
          مع التنبيه إلى أن هذه المسألة حساسة ودقيقة .. ينبغي التعامل معها بفقه وتقوى .. وبخاصة أننا نعيش في زمان الأمة كلها ممتنعة عن الطاعة لسلطان الإسلام .. إلا من رحم الله .. لأن الإسلام ليس له السلطان الذي يذود عنه ويُقاتل دونه .. والذي يفرض على العباد الدخول في السلم والطاعة كافة!
         
لذا نجد أنفسنا ملزمين ـ ومن قبيل السياسة الشرعية ـ أن نطالب المجاهدين في أصقاع الأرض بأن يُحسنوا ترتيب أولوياتهم .. والابتداء بالأشد كفراً وشراً وعداءً .. وأن لا يُعملوا السيف في الأمة .. بحجة أنهم ممتنعون عن الطاعة أو الحجة .. وأن لا يبدأوا بالذراري والنساء والشيوخ! ـ وهو ما لا نراه جائزاً ـ ومن لا زبر له يزبره .. ويتركوا طواغيت وصناديد الكفر والطغيان تعربد في البلاد وتفتن العباد .. كيفما تشاء .. والله تعالى أعلم.
سبحانك اللهم وبحمدك .. نشهد أن لا إله إلا أنت .. نستغفرك ونتوب إليك .
وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى أله وصحبه وسلم .
24/3/1422 هـ.                               عبد المنعم مصطفى حليمة

15/6/2001 م.                                             أبو بصير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.