موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

سُقُوطُ الوثَنِ زِين الشَّياطين المُسمَّى بزينِ العابِدين

0 617

بسم الله الرحمن الرحيم
        الحمد لله وحده، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبي بعده، وبعد.
اليوم تشهد الأمة سقوط وثن كبير من أوثان وطغاة الأمة، طالما طغا، وتكبر، وتجبر، وظلم، وعاث في البلاد والعباد فساداً وخراباً .. وزعم لنفسه كثيراً من خصائص الربوبية والألوهية .. هذا الطاغية هو المسمى بـ ” زين العابدين ” التونسي ـ وكان حريّ به أن يُسمَّى بشِين العابدين والطالحين ـ

قال عن نفسه ما قاله سلفه الطاغية فرعون الأول عن نفسه:  {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص:38. ) {فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعات:24. ) {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر:29. بهذا نطق لسان حاله ومقاله .. ونطقت أعماله .. طيلة مدار حكمه وتسلطه على البلاد والعباد!
كان همه الأول والأعلى ـ طيلة فترة حكمه ـ محاربة الإسلام والمسلمين .. والعفة والطهر .. ومنع النساء التونسيات من الحجاب .. ومنع أي مظهر من مظاهر التدين والالتزام يظهر في البلاد وبين العباد .. فامتلأت سجونه بالموحدين المؤمنين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كفروا بالطاغوتِ وآمنوا بالله العظيم .. وها هو اليوم ـ بعد أن استمر طغيانه وكفره وظلمه أكثر من عقدين من الزمن ـ يسقط ـ بإذن الله ـ ذليلاً مطروداً، مرعوباً، وملعوناً ـ من شعبه والناس أجمعين ـ غير مأسوف عليه .. بينما الإسلام بقي ثابتاً متجذراً، ومتأصلاً في قلوب أهله من شعب تونس .. وهو من امتداد إلى امتداد .. ومن نصر إلى نصر .. رغم أنف الطغاة الآثمين.
هذا الحدث الهام والجلَل .. وما اكتنفته من تجاذبات وأعمال .. جدير بالدراسة والتحليل .. لنستخلص منه العِبر، ونستفيد منه لحاضِرنا ومستقبلنا .. وهو ما حملنا على تسجيل الملاحظات التالية:
أولاً: نسجل شكرنا لله تعالى، أن مكننا وأهلنا في تونس من عرش هذا الطاغية اللعين ” شين الشياطين “، فقذف في قلبه الرعب بصيحات الجماهير المسلمة الغاضبة ” الله أكبر “، فأزال ملكه وعرشه، وأذله بعد طول كبر وطغيان، ونصر المستضعفين المسلمين من أبناء تونس على فرعون وجنده .. {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (آل عمران:126. ) {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} (الأنفال:17. فلله الحمد والمنة والفضل .. أن رمى الطاغوت وجنده فقتلهم.
ثم بعد ذلك نسجل شكرنا لأهلنا وشعبنا المسلم البطل في تونس الحبيبة على ما قدموه من تضحيات ومن دم نقي طاهر زكي، وهم يدفعون الطاغوت وجنده .. عن صدورهم .. وعن حقوقهم .. وحرماتهم .. ومظالمهم .. فأحيوا في شعوب الأمة روح العزة والتضحية والجهاد .. بعد أن راهن الكثير على موتها وفقدانها!
قالوا لنا: الشعب التونسي قد مات … قد حكمه طاغيتان من أعتى طغاة العصر ” بو رقيبة، وشين الشياطين ” على مدار بضعة عقود، وعلى مدار أكثر من جيلين!
قلنا لهم: الشعوب لا تموت .. القلوب التي تكمن فيها شهادة التوحيد ” لا إله إلا الله “، لا ولن تموت .. قد تضعف في مرحلة من المراحل .. نعم .. لكن لا تموت، فهي سرعان ما يدب فيها الحياة من جديد .. وتنهض .. وتنتفض .. ويظهر عطاؤها وأثرها على الجوارح، وفي واقع الحياة .. عندما تُمد بقليل من أسباب الحياة .. وتتحرر من سلاسل ومكر وكيد الطغاة الآثمين الظالمين.
مرة ثانية .. وثالثة .. وعاشرة .. شكراً جزيلاً لأهلنا ـ رجالاً ونساءً ـ من أبناء تونس الحبيبة .. ومن لا يشكر الناس، لا يشكر الله.
ثانياً: ليس للإحزاب العلمانية المحلية المقيتة ـ الوجه الآخر القبيح لنظام شين العابدين ـ أي جهد أو دورٍ في هذه الهبَّة والانتفاضة المباركة للشعب التونسي المسلم في وجه الطاغية ونظامه .. وبالتالي فلنا كامل الحق أن نفخر ونقول: بأن هذه الانتفاضة المباركة في وجه الطاغية .. هي انتفاضة شعبية تونسية إسلامية .. بعيدة كل البعد عن توجهات وتوجيهات العلمانيين وبرامجهم .. وأهدافهم المشبوهة .. وإن كان الآخرون ـ كعادتهم ـ سيحاولون استغلال الحدث، والتسلق على حساب دماء وتضحيات الشعب التونسي المسلم .. وهذا أمر بدأنا نلاحظه من الأيام الأولى للانتفاضة المباركة.
ثالثاً: بسقوط الطاغية الهالك ” شين الشياطين ” تحت وطأة غضب الجماهير، سقطت معه شبهة شيوخ البلاط والإرجاء الذين جندوا أنفسهم دهراً، وسخروا علمهم للذود عن طغاة الكفر والحكم .. وصوروا للناس استحالة الخروج عليهم وعلى أنظمتهم .. وأن الخروج عليهم فتنة .. وهو الخيار الأكثر ضرراً على البلاد والعباد .. فثبطوا الناس .. وكانوا سبباً في تراكم هذا الذل والهوان، والتخلف، والفقر، الذي ران على صدور البلاد والعباد عقوداً من الزمان.
وهاهم اليوم لكي يفسدوا على الشعوب المسلمة .. هذا العرس التونسي المجيد .. ويثبتوا أنهم محقون في شبهتم هذه فقد أوحى بعضهم إلى بعضٍ ـ الطغاة في أكثر من بلدٍ عربي وأذنابهم من العملاء ومشايخ الإرجاء ـ أن مدوا عناصر أمن الطاغوت الهارب وبطانته المقربين بالسلاح .. عيثوا في شوارع تونس فساداً .. اقتلوا الآمنين من الناس .. أدخلوا إلى مساكنهم الرعب والخوف .. لا تدعوهم يهنأون بنصر أو ظفر .. حتى لا يُخيّل إليهم سهولة التخلص من بقية طغاة الحكم والكفر، في بقية البلدان العربية .. وحتى تصح نظرية العملاء من مشايخ الإرجاء بأن خروج الشعوب المقهورة والمظلومة على طغاة الكفر والظلم .. فتنة .. وخيار باطل .. وضرر أكبر! 
ونحن نقول للطغاة وعملائهم: وفروا دموعكم الكاذبة على ضريبة العزة .. قد بطل سحر الساحر .. وعُرِف كيدكم ومكركم .. وكُشِف سحركم للناس .. أنتم بلاء .. أنتم داء عضال لا بد من استئصاله .. وإن أدى ذلك إلى استئصال عضو عزيز من الجسد .. والأيام بيننا.
اليوم في تونس .. وغداً في سورية الجريحة .. وبعد غدٍ في مصر الأسيرة .. وبعد بعد غدٍ في ليبيا المستعبدَة من الطاغوت وأبنائه .. وهكذا في كل يوم ثورة على الطغاة وعروشهم وأنظمتهم الفاسدة الخائنة، بإذن الله تعالى.
نُدرِك أن للعِزَّة ضريبتها ـ ولا بد ـ ولكن مهما عظمت فهي أقل بقليل من ضريبة وتكاليف الذل، والهوان، والدخول في عبادة العجول والطواغيت.
رابعاً: إيواء طغاة النظام السعودي لأخيهم طاغية تونس شين العابدين، بعد أن لفظته دول غربية كافرة، له دلالات عدة، منها: كما أن العصافير على أشكالها تقع كذلك الطغاة على أشكالها تقع. ومنها: أن ما فعله النظام السعودي لهو من جملة الأدلة الدالة على صحة مذهبنا فيه عندما حكمنا عليه بأنه نظام كافر نصير للطغاة وأنظمتهم الكافرة الفاسدة في الأرض على الشعوب المسلمة المقهورة. ومنها: أن النظام السعودي لشدة وكثرة ما يعلوه من الوسخ والدرن لم يعد يُسيئه لو أضيف إلى سجل أوساخه وسخ إيواء الطاغية الكافر. ومنها: أنه نظام قد استخف قومه وأهله لا يُلقي لهم بالاً، ولا يكترث لإرادتهم ورغبتهم شيئاً، إذ لا يُبالي أن تكون رغبات شعبه في واد وهو في واد فهذا ـ كما يُخيل له ـ لا يضره شيئاً؛ لأنه يعتمد على شيوخ الإرجاء والبلاط الملكي الذين يملكون سحر تجريم وتخدير الشعوب لو قالت كلمة حق في وجوه الطغاة الحاكمين. ومنها: بإيواء النظام السعودي لطاغية تونس، أثبت النظام السعودي أنه راع لطغاة العرب وأنظمتهم الفاسدة العميلة قبل السقوط وبعد السقوط والانهيار، وأنه المسؤول الأول عن استقرارها وأمنها. ومنها: أراد النظام السعودي أن يستغل وجود طاغية تونس على أرضه كورقة ضغط وشغب على شعب تونس المسلم، ليقول لهم ولبقية الشعوب: لا تحسبوا أن الخروج على طغاة الحكم هيناً، وأنه الخيار الأسهل كما يصور لكم .. بدليل هذا الخراب والفساد الذي أعقب خروج الشعب التونسي على حاكمهم .. ثم هم يطمعون أن يجدوا ثغرةً يعيدون من خلالها الطاغية الهارب إلى تونس ليحكم شعب تونس من جديد .. وأنّى لهم!
وإنه لمن المضحك المبكي أن يُصور شيوخ البلاط الملكي ـ ليضللوا الشعوب ـ أن ما فعله طغاة النظام السعودي هو من قبيل العمل بمقتضى الجوار، الذي دلت عليه الآية الكريمة: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (التوبة:6).
ولهؤلاء الدجاجلة الذين يكتمون العلم، ويمارسون الكذب والسحر على الشعوب، نقول: الآية الكريمة نزلت في المشركين الأصليين من غير المسلمين .. بينما الطاغية الذي آويتموه وأجرتموه فهو زنديق مرتد، من ذوي الردة المغلظة والمركبة، قد أحدث في الإسلام ليس حدثاً واحداً وحسب، يستدعي عقوبته، بل أحدث أحداثاً عدة، فكفر وارتد، وتغلّظت ردته، وقتل، ونهب وسرق، وحارب الإسلام والمسلمين جهاراً نهاراً، وأفسد في الأرض، وظلم شعباً مسلماً على مدار أكثر من عقدين، وعمل جاداً على نشر الفاحشة فيهم .. فهذا ليس لأحد أن يجيره، ويمنع عنه حدود الله تعالى، ومن يأويه ويجيره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، كما في الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:” من آوى محدثاً ـ أي أحدث حدثاً يستوجب عليه العقوبة الشرعية ـ فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ ” البخاري. وقال r:” لعن اللهُ من آوى محدثاً ” مسلم. هذا هو حظ طغاة السعودية ـ لما أجاروا أخاهم في الكفر والظلم والطغيان ـ من دين الله: لعنةُ الله، والملائكة، والناسِ أجمعين ” .. فلينعموا بلعن الشعوب لهم!
خامساً: نصارح شعبنا وأهلنا في تونس، فنقول لهم: قد أنجزتم الشطر الأسهل من النصر، وبقي الشطر الأصعب منه .. قد اجتزتم نصف الطريق .. وحققتم بانتفاضتكم المباركة نصف النصر .. فأسقطتم الطاغية وعائلته .. بينما النصف الآخر من النصر لم يتحقق بعد، وهو ما بعد سقوط الطاغية .. ماذا سيكون؟
هل سيأتي بعد الطاغية طاغية آخر .. بثوب آخر وشعارات كاذبة أخرى .. فرحل شين العابدين .. ليأتينا بدلا منه شين المجرمين؟!
هل سيكتفي العمل على إسقاط الطاغية وعائلته وحسب .. بينما طاقمه القديم والشريك في جميع جرائم الطاغية البائد .. سيظل ماثلاً للعيان في المشهد السياسي الحاكم في تونس؟
وهل المشكلة تكمن مع شخص الطاغية وحسب .. من دون نظامه .. ومن دون عصابته اللصيقة به التي كانت تترجم السياسات الإجرامية بحق الشعب التونسي المسلم .. وتسهر على تنفيذها .. والتي لا تزال إلى الساعة تنسق مع الطاغية الهارب؟!
هذه أسئلة تقلقنا، وتقلق كل مراقب ناصح مشفق على ثورتكم وجهدكم وجهادكم .. نرى أن يكون الجواب العملي عنها نصب أعينكم .. لا تغمض لكم عين .. ولا يهدأ لكم بال حتى تستأصلوا جميع مخلفات وبقايا الطاغوت ونظامه البائد الهالك، بإذن الله .. وإنا لنخاف أن تنطفئ نار ثورتكم ـ قبل إنجاز المهمة كاملاً ـ فيصعب إيقادها من جديد!
كانت شعوبنا من قبل .. هي التي تدفع ضريبة التحرير والتحرر من هيمنة الاستعمار والغزاة .. ثم بعد ذلك يقطفوا ثمار جهدها وجهادها وتضحياتها .. طغاة مجرمون .. يتكلمون بألسنتنا .. وبشرتهم كبشرتنا .. بينما قلوبهم قلوب الذئاب والثعالب .. هي مع أعداء الأمة على الأمة وأبنائها .. ليحكموا البلاد والعباد بالحديد والنار، وبسياسات هي أظلم من سياسات الاستعمار ذاتهم!
وهذا ما لا نريده أن يتكرر لتجربة شعبنا وأهلنا في تونس الحبيبة!
سادساً: أمريكا ومعها دول الغرب، وعملائهم من بني جلدتنا .. قد وضعوا خطتهم الخبيثة لنظام ما بعد سقوط الطاغية شين العابدين، وهي تتلخص في النقاط التالية:
1- إيجاد نظام حاكم يسهر ـ كسابقه ـ على حماية مصالح، وسياسة أمريكا ودول الغرب ـ في المنطقة بعامة، وفي تونس بخاصة ـ السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والثقافية .. ومن ذلك أن يعترف بدولة إسرائيل، ويكون صديقاً لها. 
2- مراقبة الإسلام السياسي ببعديه العقائدي والجهادي، ومحاولة منعه من النمو، والظهور .. ومن ثم الوصول إلى مراكز القرار والأثر في المجتمع التونسي .. وبتعبير آخر؛ العمل على الحيلولة دون قيام دولة إسلامية تحكم بما أنزل الله على ثرى تونس الحبيبة. 
3- منح مساحة أوسع في الحريات عما كانت عليه الأمور في عهد الطاغية الهالك .. ومنها حرية العبادات ذات الطابع الفردي والشخصي .. على أن لا تؤدي هذه الحريات إلى ما تمت الإشارة إليه في النقطة الثانية أعلاه.
هذه أبرز معالم النظام القادم بعد سقوط الطاغية .. كما تخطط له أمريكا، وكما تريده وتتمناه، هي وعملاؤها في داخل المجتمع التونسي!  
ونحن نقول لأمريكا، ولمن دخل في حلفها ومخطتها: الشعب التونسي شعب مسلم سني .. وهو متجانس في انتمائه الديني والطائفي .. لا توجد فيه تلك الطوائف والملل الدينية التي تعكر عليه هذا الانسجام الديني المتماسك .. والتي تستغلونها للتفريق فيم بين الشعوب؛ على مبدأ فرق تسد .. وبالتالي لهذا الشعب المسلم كامل الحق أن يعيش إسلامه على جميع المستويات السياسة، والاجتماعية، والاقتصادية .. فيَحكم ويُحكَم بالإسلام[[1]].
ولأهلنا في تونس ـ حفظهم الله ـ أن لا يستحوا من هذا المطلب .. وأن لا ينزل سقف مطالبهم دون هذا المطلب العظيم .. وهو قيام نظام يحكمهم بالإسلام.
ترون الشيوعيين .. وغيرهم من الزنادقة العلمانيين من بني جلدتنا ـ والذين يمثلون الوجه الآخر والقبيح لنظام وطغيان شين العابدين الهالك ـ لا يترددون لحظة عن المطالبة ـ بكل وقاحة وجرأة ـ بحكم البلاد والعباد وفق نظرياتهم ومبادئهم وقيمهم الإلحادية والإباحية، الجاهلية الغريبة الوافدة الوضعية الساقطة .. فأي الفريقين أحق بالاستحياء، والانكماش، والإمساك عن المطالبة بحكمه وقانونه .. من يُطالب بحكم البلاد والعباد بحكم وشرع الله تعالى، خالق الخلق، ورب العالمين .. أم من يُطالب بحكم البلاد والعباد بقانون الطاغوت، قانون الكفر، والعهر، والإلحاد، والفسوق .. فأي الفريقين أحق بالأمن .. وأحق بالاستحياء والإمساك؟!
قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة:50). وكل حكم غير حكم الله تعالى فهو من حكم الجاهلية. وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (غافر:20) وقال تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنعام:81).
فالذي يأنف من أن يحكمه الإسلام .. ويرى في حكم الإسلام له ولأهله وشعبه .. أمراً مُعيباً يُستَحى منه، فهذا ليس مؤمناً، ولا مسلماً، وهو أقرب لأن يكون من جند وأتباع الطاغوت شين العابدين، وإن تظاهر كذباً بمعارضته، كما قال تعالى:  {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (النساء:65). وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} (النساء:60). فهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقانونه ـ من دون الله ـ إيمانهم لو زعموا الإيمان .. هو زعم كاذب، وباطل .. وتشبع بما لم يُعطوا وما ليس فيهم .. ووزر زعمهم الكاذب هذا مع تلبسهم بما يناقضه أثقل وأشد عليهم من وزر الكفر ذاته.
سابعاً: من سياسة طغاة العرب في الحكم ـ وشين العابدين منهم ـ تفريغ الساحة من العناصر القيادية الفاعلة، ولو شذ عن السِّرب فظهر عنصر قيادي مميز سرعان ما يبادرونه بالقتل أو السجن أو التهجير .. حتى تبقى الشعوب فاقدة للثقة بنفسها بأنها قادرة على التغيير نحو الأفضل، ويبقى رجاؤها معلق بشخص الطاغية ونظامه على أنه هو الخيار الوحيد الممكن والموجود .. وأيما التفاتة عنه يعني الدمار والخراب للبلاد والعباد!
وعليه فأقول: مما يُعاني منه الشارع الإسلامي التونسي ـ بسبب هذه العقود العجاف من حكم الطاغوت ـ فقدان القيادة الإسلامية القوية والمستقلة والمميزة القادرة بحق على تمثيل رجولة وبطولة وتطلعات وطموحات الشعب التونسي المسلم .. وبالتالي على الشعب المسلم التونسي أن يعمل ابتداءً ـ على وجه السرعة ـ على فرز وإيجاد قياداته الإسلامية الميدانية الصادقة المميزة والمستقلة، التي تتكلم باسمه، وتحافظ على مكاسبه، وتضحياته.
لا نرى في هذه المرحلة الانتقالية للشعب المسلم التونسي الانطواء والسير خلف تلك الأحزاب العلمانية الضالة المشبوهة .. مهما دعت الحاجة لذلك .. فحليف القوم منهم .. ومن يتولهم منكم فإنهم منهم .. ومن كثّر سواد قوم فهو منهم .. فالحذر الحذر عباد الله .. وإنما ندعو لتأسيس جماعة إسلامية مستقلة تجعل من الكتاب والسنة على منهاج السلف الصالح منهجاً لها .. تعض عليه بالنواجذ .. بقيادة ملتزمة قوية مستقلة .. تستطيع أن ترقى إلى مستوى هذا الدين .. وإلى مستوى طموحات وتطلعات الشعب المسلم التونسي.
ثامناً: وفي الختام نقول للشعوب التي علاها قهر وطغيان الطغاة عقوداً .. آن لكم أن تخلعوا هؤلاء الطغاة الظالمين وأنظمتهم الفاسدة الكافرة .. عملاً بقوله r:” إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان “.
آن لكم أن تنفضوا عن أنفسكم غبار الذل، والخوف، والهوان ..!
آن لكم أن تعيشوا كما يعيش الناس أحراراً .. لا كعبيدٍ للعبيد .. ولا كقطيع في مزرعة الأسياد!
واعلموا أن بينكم وبين النصر والظفر .. والعزة والكرامة خطوة واحدة .. أن تكسروا حاجز الخوف ساعة .. وأن الطاغوت لا يقوى على منازلة الشعوب ـ لو اجتمعت كلمتها ـ أكثر من جولة .. ولو فعل فهو في الجولة الثانية والثالثة أوهى وأضعف .. ولكم في التجربة التونسية المشرفة خير مثال.
لكي تخلعوا الطغاة الظالمين لا بد من أن تخلعوا الخوف من صدوركم أولا ..!
الشيطان يخوفكم ضريبة العزة والكرامة .. يخوفكم أولياءه من الطواغيت .. بينما يزين لكم ضريبة الذلة والهوان، والعبودية للعبيد، وهي أضعاف أضعاف ضريبة العزة، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران:175). وقال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (التوبة:13).
وللطغاة الحاكمين نقول: أحسنوا قراءة الشعوب وحركتهم جيداً قبل فوات الأوان، فتندموا، ولات حين مندم .. لا يغرنكم هذا الرماد الهادئ الذي يعلو بركاناً يغلي .. يأكل بعضه بعضاً .. ينتظر ساعة الانفجار .. لا تغرنكم عصاباتكم الإجرامية المسماة زوراً بالأمنية، والتي لا تعرف إلا السهر على أمن الطاغية وقصره وعائلته .. فهي أمام غضبة الجماهير والشعوب لا تغنيكم شيئاً .. افهموا شعوبكم جيداً .. وتصالحوا معهم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الفهم والتفاهم، ولا الصلح ولا التصالح .. فتقولون ـ بعد فوات الأوان ـ كما قال طاغية تونس لشعبه في آخر كلمة وجهها له: فهمتكم .. فهمتكم .. نعم فهمتكم .. الآن فهمتكم .. سوف أفعل لكم كذا وكذا .. وأخذ يمنيهم كما يمني الشيطان أولياءه .. لكنه تأخر فهمه .. وجاء هذا الفهم والتفاهم في الوقت الضائع الذي لا ينفع معه التفاهم ولا الندم!
الطغيانُ متاع ساعة .. ثم يعقبه ندم وعذاب ولعن الشعوب إلى قيام الساعة .. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة:85).
ما أكثر العِبَر .. وما أقل من يعتبر ويتعظ .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عبد المنعم مصطفى حليمة
أبو بصير الطرطوسي
14/2/1432 هـ. 18/1/2011 م.
 

 


 

[1]  انظر ـ إن شئت ـ مقالنا ” ركائز الحكم في الدولة الإسلامية “.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.