موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

اتّقوا دعوةَ الدُّجاج!

0 514

       كل ما يدبُّ من الحيوانات، والدواب، والطيور، سواء منها التي في اليابسة أم التي هي في البحر والمياه .. تألم كما نألم، وتفرح كما نفرح .. وتحس كما نحس .. وتحزن .. وتشكو .. وتدعو .. وتوحّد خالقَها .. وتسبح بحمده .. ولكن لا نفقه تسبيحهم .. وهم أمم أمثالنا، كما قال تعالى:[ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ]الأنعام:38. وقال تعالى:[ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ]الإسراء:44.

       جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله! إنِّي لأَذبَحُ الشاةَ فأرحمها. قال صلى الله عليه وسلم:” والشَّاةَ إن رحمتَهَا رحِمَكَ اللهُ “. ” من رَحِمَ ولو ذبيحةَ عصفورٍ رَحِمه الله يومَ القيامة “.

       وجاء آخر، فقال: يا رسولَ الله! إني أملأ حوضي أنتظر ظهري ــ أي ناقتي ــ يَرِدُ عليَّ، فتجيء البهيمةُ فتشرب، فهل في ذلك من أجر؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” لك في كلِّ كَبدٍ حَرَّى أَجرٌ “. وقوله ” حرَّى “؛ أي عطشى لما أصابها من الحَرِّ والجفاف.

       وقال صلى الله عليه وسلم:” بينما رجلٌ يمشي بطريق؛ إذا اشتدَّ عليه العطَشُ، فوجد بئراً، فنزلَ فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلبٌ يلهَثُ يأكل الثَّرَى من العطش، فقال الرجلُ: لقد بلغَ هذا الكلبَ من العطَشِ مِثلُ الذي كان بلغَ بي، فنزل البئرَ، فمَلأ خُفَّهُ، ثم أمسكَهُ بفِيه حتى رَقِيَ فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ له، فغفرَ له “. قالوا: يا رسولَ الله! وإنّ لنا في البهائِم لأجراً؟ فقال:” في كل ذاتِ كَبِدٍ رطَبَةٍ أجرٌ ” متفق عليه. وقوله” في كل ذاتِ كَبِدٍ رطَبَةٍ أجرٌ “؛ يشمل كل ذي كبد يحتاج إلى الماء.

       وفي رواية:” بينما كَلبٌ يُطِيفُ بِرَكيّةٍ ــ أي بئرٍ ــ قد كادَ يقتلُه العطَشُ؛ إذْ رأته بغيٌّ من بغَايا بني إسرائيل، فنَزَعت مُوقَها ــ أي خفَّها ــ فاستقت له به فسقته إياه، فغُفِرَ لها به” متفق عليه.

       وهذا بعيرٌ يجيئ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعيناه تدمعان، يشكو أصحابه، الذين استثمروا شبابَه وقوته، ولما هرم وضعف عن العمل، أرادوا أن يأكلوه .. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فقال:” ما لبعيركم هذا يشكوكم؟!” فقالوا: كنا نعملُ عليه، فلما كبر وذهبَ عمَلُه ــ أي ضعف عن العمل ــ تواعدنا لننحره غداً. فقال رسولُ الله :” لا تنحروه، واجعلوه في الإبل يكون معها “.

       وجملٌ آخر، رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فمسَحَ ذَفرَاه ــ أي مسح ذفر دمعه عن موضعه ــ فسكَتَ، فقال:” من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟!”، فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسولَ الله! فقال:” أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكَكَ اللهُ إيَّاها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجيعهُ وتُدئِبه”. أي وتتعبه في العمل. 

       نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً، فأخذ رجلٌ بيضَ حُمَّرة ــ طائر صغير أحمر اللون ــ فجاءت تَرِفُّ على رأسِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:” أيُّكم فَجَعَ هذه بيضتَها؟” فقال رجل: يا رسولَ الله أنا أخذتُ بيضتَها، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:” اردُدْهُ؛ رحمةً لها “.

       وفي رواية: رأينا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذنا فرخَيها، فجاءت الحمَّرة فجعلت تَفرشُ، فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال:” مَن فجعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولَدَها إليها “.

       وتلك امرأة:” عُذِّبت في هرَّةٍ سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذْ حبستها، ولا هي تركتها تأكلُ من خشَاشِ الأرض” متفق عليه. أي من هوامها وحشراتها.

       قال صلى الله عليه وسلم:” لو غُفِر لكم ما تأتون إلى البهائم لغُفِر لكم كثيراً “.  أي لو غُفر للناس ظلمهم للحيوانات، وتقصيرهم بحقوقهم، لغُفِر لهم كثيراً من الذُّنوب والخطايا.

       وغيرها كثير من النصوص ذات العلاقة بحقوق الحيوانات التي لا يتسع لها هذا الموضع .. أردنا من هذه المقدمة أن نشير إلى مظلمة ” الدّجاج ” التي فاقت كل تصور وخيال .. الدجاج ــ بإذن ربه ــ يمنحنا لحمَه، وبيضَه .. ونحن نحبسه في أقفاصٍ ضيقة، يركب بعضهم بعضاً .. قفص يتسع لمائة دجاجة، نضَع فيه ألفاً .. نطعمهم الجلَّالَة ــ طعام مطحون ومخلوط بالبروتين الحيواني، وبفضلات ولحوم، وعظام، وريش، وأوساخ المواشي الميتة ــ وأحياناً بالقوّة، وعبر الأنابيب؛ ليسمن ويبيض قبل أوانه .. من أجل الربح السّريع .. من أجل أن يرتوي طمع وجشع الإنسان .. ولا يرويه إلا التراب!

       كثير من التقارير المسؤولة الصادرة عن ذوي الاختصاص، تتحدث عن أنَّ هذه المعاملة الجائرة للدجاج، تسبب أمراضاً للدجاج .. ومن ثم هذه الأمراض تنتقل إلى الإنسان، عن طريق فيروسات قاتلة .. وهناك من دَقَّ ناقوسَ الخطر؛ بأن هذه المعاملة الجائرة للدجاج، قد تتسبّب بظهور فيروسات جديدة، قد تقتل مئات الملايين من الناس .. فيروس كورونا ــ الذي نشهد آثاره الخطيرة في هذه الأيام ــ يُعتبر قزماً، ولا شيء قياساً بفيروس الدجاج القادِم!

       اتقوا دعوةَ الدجاج المظلوم فإنّ له رباً قديراً ــ رب العالمين ــ يَسمعُ ويرى .. يجيبُ الدّعاءَ .. وينصر المظلومَ .. ويَنتصِفُ له من ظالمه .. ولو كان المظلومُ من البهائم والحيوانات، والظالمُ هو الإنسانُ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.